صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

سَفرية وحدوتة

310 مشاهدة

19 سبتمبر 2018
كتب : مودي حكيم



ما بين زيارتى الأولى لبيروت فى نهاية الستينيات وزيارتى الأخيرة صيف هذا العام للبنان ما يقرب من خمسين عامًا، والمقالتان اللتان نُشرتا بـ«الصبوحة» تحكيان حواديت من سفريات لهذه البلدة وتحملان عطر رحلات من بستان الذكريات.

ولم أكن أتصور أن هذه الذكريات تثير اهتمام الأصدقاء ممن قرأوها، صداقتهم واحدة من تلك الأشياء التى تعطى قيمة للبقاء، فهم مصدر سعادتى ومصدر طاقتى فى هذه الحياة، كما تقول الكاتبة البريطانية «فرجينيا وولف».
الأصدقاء يطالبون بمزيد من التفاصيل، فهم العملة النادرة فى بورصة الحياة، وهم الترمومتر الحساس لقدراتنا، هم ترمومتر الحياة لفرز الغث من السمين، فأصبحوا المصدر الوحيد للكاتب فى معرفة رأى القارئ، خصوصًا بعد أن توقف باب التفاعل الوحيد فى الصحافة منذ بدايتها وبين القراء هو باب «بريد القراء»، وفى «الصبوحة» «بوسطجى صباح الخير» الذى أشرف عليه لسنوات المفكر مصطفى محمود، ثم تسلم الراية منه الكاتب الصحفى صبرى موسى، كان يحافظ على العلاقة الحميمة بين القارئ والجريدة، فكان ساعى البريد، يحمل مئات بل آلاف الرسائل إلى صندوق بريد «صباح الخير» بمجرد صدور العدد يعبرون فيها عن آرائهم فيما يُنشر بالاستحسان أو الاعتراض فيعرف الكاتب موقف القراء.
لكن التفاعل بين وسائل الإعلام وبين القراء أخذ مفهومًا جديدًا متأثرًا بالتقنيات الجديدة، ووجد الرأى طريقه إلى تطبيقات «تويتر» و«فيسبوك» و«إنستجرام»، ووجد هواة إرسال البريد مجهول المصدر ضالتهم فى منصات الحوار الإلكترونى.
وعلى طريقة بوسطجى «صباح الخير» مستأذنًا روح الراحلَين العزيزيْن د. مصطفى محمود وصبرى موسى، فأختار بعضًا من الرسائل التى وصلتنى:
- القارئ.. ابن المؤسسة والإعلامى ونجم القنوات التليفزيونية عمرو خفاجى يُصبّح على مودى حكيم ويُعلق «أنا قريت الصفحتين فى (الصبوحة) عدلت مزاجى قوى.. حاجة جميلة وذكية».
- القارئ اللواء مجدى بركات ممثل القوات المسلحة فى وضع الدستور المصرى، يقول: مقال رائع أرجعنى إلى زمن كنت أتمنى دائمًا أن يعود بعضه، وشوقنى إلى قراءة المزيد فى المستقبل القريب.
- القارئ الإعلامى والصحفى اللبنانى أنطوان حيدر رسالة من لندن تقول: أحلى ما فى النص عدا الذكريات وتأريخ اللحظات المفصلية فى بداياتك والأسلوب السهل الممتنع والممتع.
- أمّا القارئ والكاتب رائد لطفى فينتظر بقية الحكايات والتفاصيل بفارغ الصبر.
ولقرائى.. أصدقائى وأحبائى، كما ذكرت أن قصص البداية وحب هذا الكيان والصرح الإعلامى «روزاليوسف» متشابهة فلا داعى للتكرار، لهذا أستسمحكم أن أذكر فقط الطريف والمختلف منها.
أيامى الأولى فى «صباح الخير» مليئة بدفء المحيطين بى من أسرة المؤسسة العريقة وعائلة «الصبوحة»، احتضننى الفنان الرقيق الحساس طيب القلب الحنون العطوف جمال كامل تلميذ أستاذى حسين بيكار، ورافقنى واصطحبنى الفنان العاشق لفنه والأخ ناجى كامل فى كل خطوة من خطوات البداية، وصاحبنى الفنان المبدع حجازى فى بداية يومى كل صباح ومع إشراقة كل يوم جديد بالأمل لتقديم إبداع جديد لحبيبتنا «الصبوحة».
حجازى كان رفيق الصباح، فهو الوحيد من أسرة المجلة الذى يأتى مبكرًا، باستثناء الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين فهو يستيقظ فى الخامسة صباحًا ويتواجد بمكتبه فى الطابق السابع ليعمل فى هدوء وينتهى من المطلوب منه ومعظم رسومه الكاريكاتيرية مع منتصف النهار.
ورغم أن لا أحد يستطيع أن يحدد كيف كان يفكر حجازى أو كيف يعيش حجازى، فهو لم يبح لأحد بأسراره.
ومع فنجان القهوة الذى أتناوله مع الرسام العبقرى ابن الإسكندرية كل صباح ينطلق نادرًا ليقص علىَّ حكاوى القهوة حول حضوره من مسكن العائلة فى طنطا للقاهرة وكيف بدأ، بعد أن تبلورت الموهبة ولفتت أنظار مُدرسيه بالأحمدية الثانوية فشجعوه وحبه للقراءة وللشعر وصداقته لزميله فى الدراسة إسحاق قلادة، ويحكى حجازى عن علاقته بوالده سائق القطار البسيط الثائر على الأوضاع البائسة وكتابته للشكاوى عن أى وضع غير سليم، سواء فى العمل أو فى الحياة عامة، ويرسلها للمسئولين، فكانت هذه بداية لاهتمامه بهم والناس والمجتمع حوله فنَمَت معه موهبة النقد والتدقيق فيما يدور حوله.
حجازى أراد أن يدرس الفن على أصوله، ولكن ظروف والده وإمكانياته لا تسمح، وقرر حجازى أن يسافر للقاهرة بحثًا عن العِلم فترك رسالة لوالده على طاولة المائدة، وجمع ملابسه فى سِن الثامنة عشرة، فسافر مع زميله وصديق عمره إسحاق قلادة للقاهرة إلى المجهول والأيام الصعبة، واستأجرا غرفة صغيرة فى حى بولاق من دون أثاث ومفروشة أرضها بورق الصحف باحثًا عن العمل كرسام، فتوجه إلى مجلة «التحرير»، المتحدثة باسم مجلس ثورة يوليو ويرأس تحريرها الكاتب سامى داود الذى وجهه للفنان الـمُـعلم حسن فؤاد المشرف الفنى لمجلة «التحرير»، تأمل حسن فؤاد فى رسومات حجازى لبورتريهات سعد زغلول ومصطفى كامل والزعيم عرابى، فرأى بعين الخبير أن فيه رسامَ كاريكاتير أكثر منه رسامَ بورتريهات.
فبدأ بتقليد رسوم الفنان الرسام رخا الذى عُين بعدها بمجلة «التحرير» كرسام كاريكاتير، وشهد الفنان الكبير رخا بموهبته فيما بعد فقال عنه «حجازى هو سيد درويش الكاريكاتير».
ومع صباح جديد وفنجان قهوة على مدى سنوات يستكمل حجازى حكاويه لينقلنى إلى الوقت الذى اختارت فيه السيدة روزاليوسف، حسن فؤاد فى منتصف الستينيات ليكون المشرف الفنى لمجلة «صباح الخير»، فانتقل إلى المجلة الجديدة ومعه فريق عمله ومنهم الرسام حجازى، للمشاركة فى نجاح المولود الجديد والتجربة الشبابية ليكون زميلًا لأحمد بهاء الدين وجورج البهجورى وجمال كامل ورجائى ومنسى وهبة عنايت وإيهاب وبقية الكوكبة من كُتّاب وفنانين، وتألق حجازى وتميز برسوماته.
وأترك حجازى الفنان الهادئ قليل الكلام الذى لم يتحدث يومًا لأحد عما يدور فى ذهنه أو عن نفسه منعزلًا دائمًا، حتى إذا حاول أحد أن يزوره فى مسكنه بمنطقة المنيل، فهو لا يفتح الباب أبدًا إلا لمن يحب، وهم قليلون جدّا، ومنهم الشاعر فؤاد قاعود، وإذا دخلت إلى منزله فيلفت نظرك الطبق الكبير المملوء بكل ما طاب من الفواكه، فانتقل من مكتب حجازى إلى المكتب الملاصق لرئيس التحرير بالدور السابع، حيث غرفة أجمل وأرق كاتبتين موهوبتين تصرّان يوميّا أن أتناول معهما الإفطار، ففى ضيافة نهاد جاد وزينب صادق تجد كل ما طاب من خبز فرنساوى وجبن ولحوم باردة أحضرتاها من بقالة «النيل الأبيض» المواجهة لمبنى «روزاليوسف» وننطلق بعدها للعمل فى حب شديد.
حضورى المبكر صباح كل يوم يعطينى الفرصة للقراءة والتفكير والتخطيط لتصميم صفحات العدد الجديد بعد قراءة مواده، ومواجهة صعوبات الإبداع مع الإمكانيات الطباعية فى عصر «التيبو» قبل استخدام تقنية الأوفست فى طباعة المجلة، فالمتاح لون واحد إضافى مع الأسود على ورق الطباعة «الستانيه».
فالأحرف تجمع باستخدام ماكينات «اللينوتيب»، حيث يقوم العامل فيها بانتقاء حروف كلمات السطر الواحد على لوحة مفاتيح الآلة، فيتوالى نزول الحروف النحاسية فوق منصة حتى يكتمل السطر، فتنقله رافعة إلى جهاز السكب، ليصب عليه الرصاص الذائب فى البوتقة ويخرج سطرًا من رصاص، ويتوالى صب الأسطر حتى تكتمل الصفحة، أمّا الصور والرسومات فتستخدم أكليشيهات، وهى طريقة تحفر فيها الصور والرسوم على الزنك، ثم تثبت على قالب خشبى ليكون بنفس ارتفاع سطر الأحرف الرصاص من ماكينة «اللينوتيب»، ثم تأتى مرحلة التوضيب وهى تنفيذ تعليمات المخرج الفنى بتنفيذ تصميمه ووضع أكليشيهات الصور مع أسطر الحروف وفواصل للمساحات البيضاء لتشكيل المجلة.
هذه التقنيات الطباعية القديمة - وقبل أن تنتقل إلى طباعة الأوفست الحديثة - ورغم صعوبة أن أنفذ أفكارى وتصميماتى بها فقد عشقتها وعشقت الطباعة، أحببت انبثاق صفحات المجلة من بطن آلة الطباعة كما تنبثق الينابيع من بطن الأرض، وصوتها وهى تدور فيتردد صداها كدوران عَجلات القطار مع كل دورة، وأحببت رائحة عطر أحبار الطباعة. تسحب الآلة الطباعية ورقة تلو الأخرى تطبع عليها حروفًا وألوانًا وصورًا ورسومات لتبث مع كل عدد من المجلة عِلمًا وثقافة ومعرفة وأخبارًا ونبضات مجتمع نعيش فيه.
هذا المكان المكتظ بالماكينات وبتفاصيل المهنة ولايزال يحتفظ بكثير من أسراره الغائبة عن الكثيرين، وأذهان الناس محصورة فى أن هذه الصناعة ترفع كل يوم بتلال من الكتب والصحف والمجلات والمنشورات.
عايشت هذه الصناعة وتطورها وشاركت فى التغييرات التى مرّت بها فى كل هذه السنوات والمراحل العديدة والدقيقة التى مرّت بها هذه العملية ابتداءً من المؤلف إلى أفواه ماكينات الطباعة، عايشت هذا فى القاهرة وبيروت ولندن إلى أن وصلنا إلى مرحلة الخوف خشية أن تغادر الكلمات صفحة الورق إلى صفحة الشاشة الإلكترونية.
كان لا بُدّ من تعلّم تقنيات الطباعة حتى أستطيع أن أضع تصميمًا يمكن أن ينفذه الحاج حسن المسئول عن قسم التوضيب بالمطبعة، كان معلمى أبًا حنونًا ساعدنى كثيرًا فى تنفيذ شطحاتى وطموحاتى الفنية، والحاج كارم الشاب دمث الخُلق، كان يتحمل منّى تأخير المحررين فى تسليم مقالاتهم ويسهر لجمع جميع المواد المتأخرة متخطيًا تعليمات مهندس سيف رئيس قسم الجمع، الذى استفادت بخبرته فيما بعد جريدة «الأهرام» ليرأس أقسام الجمع بها عندما أُدخلت تقنية الجمع التصويرى، ومعه الشيخ رزق مصحح اللغة العربية الآتى من جريدة «الأهرام» العريقة ليعمل فى «روزاليوسف» المؤسسة التى أحبها بمطبوعاتها، ومحمود التهامى الآتى حديثًا من «دار العلوم» ليساعده فى تصحيح اللغة العربية ومراجعة الأخطاء الطباعية، وهو نفسه محمود التهامى الذى أصبح رئيسًا لتحرير مجلة «روزاليوسف» ورئيسًا لمجلس إدارتها، ومعهم الشيخ طه الملتزم دائمًا بمواعيد الحضور والذهاب ليترك الشيخ رزق ساهرًا حتى يتأكد من أن كل الصفحات سليمة وجاهزة للطبع.
يومى فى رحاب «الصبوحة» ينتهى دائمًا فى الطابق الرابع، حيث يتواجد طابق التجهيزات بالمطبعة، وفيه القسم الذى يعنى بتجهيز «أكليشيهات» الصور والرسوم، ويُسمّى قسم «الزنكوغراف» الذى أسسه الأرمنى مسيو  طوروس وسلّمه للخواجة ديكران تريزيان للإشراف عليه مع فريق من العمالة المصرية - والأرمن عاشوا فى مصر بنفس ميراثهم وسلوكهم دون أن ينصهروا فى بوتقة المجتمع، لكنهم نجحوا فى التكيف معه، ولهم دور كبير فى تاريخ الطباعة والصحافة المصرية وأعمال الفنان الشهير بـ«ديك» أثْرت تصميمات الإعلانات والرسوم التوضحية فى «الأهرام» والفنان «هرانت آنترانجيان» الذى اشتهر بتصميم أغلفة مجلة «سمير» ومبدع شخصيتىّ «سمير» و«تهته» المحبوبتين للأطفال، وأبرز شخصية أرمينية عملت فى الصحافة الفنان رسام الكاريكاتير «ألكسندر صاروخان» رائد الكاريكاتير السياسى فى مصر.
ويضم الطابق الرابع قسم الصف أو جمع النصوص وقسم التوضيب الذى تجهز فيه الصفحات للطباعة، وفيه ينتهى يومى على «طاولة الرخام» بعد أن أراجع بروفات جميع الأكليشيهات للرسومات والتأكد أنها على المستوى المطلوب، وأقف مع الحاج حسن ومساعده محمد إبراهيم لمراجعة الصفحات ودقة التنفيذ من الـمُعلم الكبير الذى يكفى أن تبدى ملاحظاتك له مرّة ليفهم أسلوب ومتطلبات العمل، كان يبهرنى بقراءته لأسطر الحروف الرصاصية «المقلوبة حروفها» من دون بروفة مطبوعة عندما يطلب منّى اختصار بعض السطور من مقال أو موضوع معين حتى تكون الصفحة مريحة فى القراءة.
وفى الثانية عشرة من منتصف الليل أستأذن الحاج حسن فى الذهاب حتى ألحق بالمواصلات التى تنقلنى إلى منزلى فى مصر الجديدة.
وبالطبع الأوتوبيسات ومترو مصر الجديدة يتوقف فى الثانية عشرة، فليس أمامى إلا أوتوبيس رقم «11»، بالمشى إلى ميدان رمسيس لألحق بآخر قطار المتجه للزيتون أو الحلمية يتحرك فى الثانية والربع صباحًا، ولا بأس أن أتوقف فى سوق التوفيقية لتناول عشائى من رغيف الحواوشى «الأصلى» أو سميط وجبنة وبيضة من بائع «السميط» الواقف أمام قهوة «عزوز» بعمارة رمسيس حسب الميزانية، ثم أكمل الطريق مشيًا إلى مسكنى من محطة القطار إلى مصر الجديدة.
.. وينتهى يومٌ من حياة «مخرج صحفى» ليبدأ غدًا يومٌ آخر.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

فكرة مصر "2"

بعد غياب طويل، عادت فكرة مصر فى العصر الحديث، بدأت عندما جاء نابليون قائدًا لحملته الفرنسية الشهيرة. كان ذلك فى نهاية القرن ال..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook