صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أحضان الشوارع

121 مشاهدة

11 يوليو 2018



كتب: زكريا عبدالجواد النحيف

أحتفظ بصداقة خاصة مع الشارع، أُهمهم له بأسرارى، دون خوف من تطفل حائط.. يُردد صداها. أتأمل الحكايات المنقوصة، من رفقاء السير الغرباء، أستمتع بمشاهد الرحمة.. حين يساعد شاب عجوزًا على تخطى المِحَن. وأتألم من قسوة سائق الكارو، الذى يُعاقب حمارًا على التعثر فى طريق غير مسفلت، وكم تمنيتُ أن يكون بصق المارة على المتسبب فى ذلك. تشابك أيدى العاشقين يؤكد بأن الحب لا تُزعجه الكلاكسات، ولا عيون السيارات المقابلة، ورؤيتى لمُسِنة تبيع الهموم على الأرصفة، يُشعرنى بوجع هذه البلاد، وصوت بائع البالون.. يؤكد بأن الحلم مازال قادرًا على التحليق فى هذا الوطن.
متعتى فى تأمل الأرصفة المبللة بالانتظار، وأبتهج حين يتأبط عاشق حبيبته، ويؤلمنى بائع الزهور فى وهج الشمس، والوقوف فى إشارة مرور يؤكد بأن مشاوير العمر لا نتحكم فى مسيرها أبًدا.
«إلهى يسعدكم ويفرحكم بولادكم، أنا راجل مريض ساعدونى لوجه الله» لم أصدق كلمات هذا الرجل، الذى يقف على ذات الناصية، منذ أكثر من 5 سنوات، حانيًا ظهره، مواريًا رأسه بشاشٍ، تبرز منه لحية كثيفة، ويستند بمكر على عكازٍ، ويقبض بيدهِ كيسًا مملوءًا بالدم، لا أعلم له نقطة بدء، وسط طيّات ملابسه وتفاصيل جسده الممتلئ. ولكنى أرقبه وهو يوقِع البسطاء فى فخ دعواتٍه الزائفةٍ.
بينما أزن جسدى بشكل شبه يومى،على ميزان امرأة ملامحها عابسة، لم أسمعها تدعو لأحد، وهى تجلس شامخة، لا تستجدى أحدًا،  وتلقف بكفها الخشن جنيه فكة، ولاتخبئه فى حصالة من الدعوات الكاذبة.
أرغفة الخبز المفروشة على الرصيف، تؤكد جوع صاحبها على «عيش» كريم.  تأملته.. وبعد أن كشط سحابة عرق من جبين الشقاء قال: كنت أعمل مبيّض محارة، ووقعت من إحدى السقَّالات، وأصبت بعدها بالغضروف، ولم أعد أقوى على عمل سوى بيع الخبز على الرصيف الذى يُحرّمه علينا عمال البلدية، بحجة إشغال الطريق!
كانت شتائم سائق التوكتوك تخرج من فمه كالطلقات، تجاه سائق أتوبيس نقل عام، الذى اكتفى بتهديده بعبارات باهتة، تؤكد خطأه، ولكن الزحام أنهى عراكهما  دون صلح.
3 بــ 10 يا تفااااااح .. كان رقم بيع هذه الفاكهة أرخص بكثير من مثيله فى المحلات، وبمجرد أن وقف الرجل بعربه خشبية، وقودها الإصرار، تكاثر الناس عليه كالنمل، قلَّبت أكثر من واحدة، فوجدت جميعها معطوبا!
قال لى جار الوقفة: خد منها على ضمانتى،أنا باشيل الجزء البايظ وأضرب الكويس فى الخلاط، وأعمل منه عصير للعيال. قلت له: ولكن ربما يكون له مخاطر صحية فرد وهو فرح جدا بكيسه الممتلئ: ربنا مايجمعش المرض والغلا فى جيوب محتاج أبدا.
اصطفاف موتوسيكلات الدليفرى،تؤكد أن صناديقها مليئة بالأحلام الطازجة لشباب آثر الكد، فركب عجلة الكفاح ولم يتفرغ للسباب فى الوطن.    
 يافطات السياسيين أشعر بأنها لافتات للخداع، والثقوب التى تحميها من الهواء لم تفلح أبدًا فى تحصين أصحابها من الهوى بعد الحصول  على المنصب، وهو مشهد متكرر فى سينما الأوطان.
للترجل فى الشوارع آخر النهار متعة، فأنا ممن يعشقون هزيمة الشمس على حوائط المغيب، وأنتشى من رائحة الطعام المنبعثة من حوارى البسطاء، وأطمئن أن الليل تعاطف معهم، وأسدل على يوم جوعهم نهاية، وأستمتع بمنظر الملابس المشنوقة على الشرفات، وأتأمل ربّة المنزل التى تجمعها بالواحدة وهى فرحة، وكأنها غسلت هموم أمة.
ولا أغضب حين يركلنى طفل فى الشارع بكُرته المهترئة، وأراقب انتصاره حين ترتطم بيافطة طبيب، وكأنه يقول بحيويته إنه منتصر على المرض.. حتى الآن.
تؤلمنى يافطات المراكز الطبية، وأبحث فورا عن دواء لا أمتلك ثمنه، وأفتش فى جيوب العمر عن لحظات فرح أنثرها على أسوار المشافى.
وكلما رأيت يافطة ستوديو تصوير أتذكر حين كان يأتى «سلامة» المصوراتى لمدرستى الابتدائية، بكاميرته البدائية، ويضع المفرش الأبيض لترابيزة الفصل كخلفية، ليلتقط لنا صورًا، مليئة بالوجوه السمراء، ويأتى بها بعد أكثر من خمسة عشر يومًا. ووقتها كانت لحظة استلامها عيدًا،  يضخ فى القلوب فرحة، كان يجب إعادة طباعتها من نيجاتيف عمر مضى بكثير من الصور التى كانت من نصيب السواد.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook