صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أميون نعم.. جهلاء لا

153 مشاهدة

11 يوليو 2018
كتب : ابتسام كامل وريشة الفنان: سامح سمير



صدمنى تعليق صديقتى الأمريكية بعد تجوالها فى العديد من قرى ومحافظات مصر، بقولها إن أحلام المصريين البسيطة قد تكون السبب فى استمرار العديد من مشاكلهم، مثل مشكلة الأمية.
ثم استطردت متعجبة: كيف يكون منتهى حلم معظم من قابلتهم هو «لقمة العيش»، و«الستر»، وتزويج الأبناء؟ بل كيف لبلد مثل مصر أن تصبح الأمية واحدة من أهم مشاكلها؟ ثم وجهت حديثها نحو جهود الجمعيات الأهلية - لعلمها بانتمائى لهذا العالم منذ سنوات- مؤكدة أن تمويلات الهيئات الخيرية الدولية لن تظل تذهب لحل هذه المشكلة فى مصر.. مع نجاح بلدان نامية أخرى فى التخلص منها بالجهود الذاتية.


 وسريعا ما أخبرتُها أن الآمال التى ذكرتها على لسان المصريين هى منتهى الفلسفة، بل وتُلخِص بنود هرم الاحتياجات الذى وضعه عالم النفس «مازلو» الذى ذكر أن الطعام والأمان من أهم الاحتياجات الأساسية للإنسان، وأن تحقيق الذات هو قمة تلك الاحتياجات! ربما كل الفرق أن المصريين يعتبرون نجاح وتزويج العيال هو تحقيق لذاتهم؟
 قد أكون نجحت فى إسكات صديقتى، ولكنى قررت البحث فى الأمر، حيث تقول الأرقام الرسمية التابعة للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء لعام 2017  إن فى مصر ما لا يقل عن 18.4 مليون أمى لا يعرفون القراءة والكتابة! معظمهم من النساء، وخاصة فى الصعيد.. بينما تقول الأرقام الأخرى إن العدد أكبر من ذلك بكثير.. وإن لمصر تاريخا طويلا من استقرار الأمية فى ربوعها بسبب فترات الاحتلال الذى تعرضت له طويلا؛ حيث لا يوجد احتلال يشجع الشعوب على التعليم.
وقد رأينا كيف استمر الاحتلال العثمانى قرابة 3 قرون دون محاولة لتحرير الشعب المصرى من آفة الأمية التى حجبت عنه المعرفة، حتى ظهرت المحاولات الوطنية  لمحو الأمية عام 1886 مواكبة لتاريخ الاحتلال الإنجليزى، كشكل من أشكال مقاومة الاحتلال، لكن الغريب أننا تغلبنا على الاحتلال ولم نستطع التخلص من الأمية حتى الآن.
تغيرات ملموسة
ساهمت دروس محو الأمية بجمعية الصعيد للتربية والتنمية، فى أن تجعل «أ» بهيئتها البسيطة وشكلها المتواضع، وسنواتها الأربعين من أخميم بسوهاج قادرة على التعبير عن نفسها كفنانة رسم تلقائى، حتى أصبحت فتاة أحلام الشاب الإنجليزى الوسيم «نيكولاس» الذى لم يتجاوز الخامسة والعشرين عاما، بل ويتزوجها..
وكشفت دروس محو الأمية عن قدرات استثمارية وعلاقات عامة بشخصية «محمود» البقال بإمبابة، جعلته يحول بقالته الصغيرة إلى سوبر ماركت كبير.. بمساعدة مركز قضايا المرأة المصرية،  كما غيرت التدريبات على أساليب التعلم فى شخصية «سلوى» العاملة بفصول محو الأمية التابعة لأسقفية الخدمات العامة والاجتماعية بأسوان.. للدرجة التى جعلتها تقرر أن تتحمل نتائج فسخ خطبتها إلى ابن عمها الذى كان مقررا  أن تتزوجه، دون رغبتها.
 وحفزت برامج التنمية الشاملة بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية على تعليم أبناء القرى التى تقدم الهيئة فيها خدماته، مثلما حدث مع عوطف جابر من قرية الفراسية مركز ساقلتة بسوهاج، التى تزوجت وأنجبت وهى فى الإعدادية.
 اذهب إلى الناس
 وفى جمعية «كاريتاس – مصر» الرائدة فى مجال مكافحة الأمية منذ وجودها بمصر عام 1967، ينظر الأستاذ «صلاح سبيع» مسئول قطاع التربية الأساسية، إلى اللوحة التى يعلقها فى مكتبه، لفلاحة مصرية باسمة متطلعة، معبرا عن رغبته فى أن يرى جميع المترددات على فصول محو الأمية.. مثلها!
خلال ورشة عمل «دور الفن وتأثير الثقافة الشعبية كمدخل لمحو الأمية»، التى شارك فيها معلمو محو الأمية، قال لهم صلاح إن مهمتهم ليست فقط مساعدة الناس على محو أميتهم، بفصول محو الأمية،  بل عليهم أن يذهبوا إلى الأميين ويساعدونهم على اكتشاف قدراتهم لإيجاد الحلول لمشاكلهم ولقضايا مجتمعاتهم، أيضا!
 شرح صلاح للمعلمين تأثير الفن على الحركة الثقافية للشعوب، من فنون التراث الشعبى، كالرسم، والموسيقى، والغناء والأمثال حتى القصص والحكايات الشعبية والتى اكتشفنا أن معظمها بعيد كل البعد عن تحفيز المصريين على التعلم والتنمية.. وربما كان هذا السر الكامن وراء صعوبة القضاء على الأمية فى مصر رغم الجهود البشرية المبذولة والميزانيات المخصصة التى تعادل ميزانيات دول بأكملها - كما تقر بعض الهيئات التمويلية التى أوقفت دعمها لمعالجة هذه المشكلة فى بلادنا.
تعلم .. تحرر
سألت صلاح سبيع «لماذا نجح برنامج «تعلم تحرر» فى كاريتاس، فى أن يكون منهجا تتبناه جمعيات أخرى وتعترف به الهيئة العامة لتعليم الكبار،  بل إن «بربارا بوش» السيدة الأولى بالبيت الأبيض كرمت كاريتاس فى شخصكم منذ سنوات، بسببه؟ فأوضح أنه لا يحبذ ذكر تكريم البيت الأبيض، ولكنه حدثنى حول تبنى «تعلم تحرر» لمفهوم إتاحة الفرصة لتعبير الأميين عن أنفسهم وعن ثقافتهم.
يستخدم البرنامج الأسلوب الصوتى لتعليم الكتابة والقراءة من خلال مناقشة الكلمات التى يستخدمها الناس فى حياتهم اليومية، مثل كلمة فلوس، وبيت، وأسرة، وهكذا، «فلا نساعدهم  فقط على محو الأمية التعليمية، بل ونضيف إليهم المعلومات والمعارف التى تمكنهم من العيش الأفضل من خلال التوعية الصحية، والثقافية، والتمكين الاقتصادى، وغيرها من البرامج التى تشجعهم على اكتشاف مشاكلهم، وتساعدهم على إيجاد الحلول المناسبة لهم» كما يقول صلاح.
 يتبنى «تعلم تحرر» أسلوب التعلم والحوار الذى استخدمه رائد التعليم البرازيلى «پاولو فريرى»، المؤمن بضرورة احترام ما لدى الأميين من ثقافة، داعيا إلي «تعليم إنسانى ثورى يحرر الدارسين من التناقض الذى يفرزه التعليم البنكي.. تعليم يُنمى القدرة على النقد، ويوَلِد القلق الذى يحفز الطلاب على التفكير والإبداع.. تعليم لا يختزل أداء المعلم فى ملء الأوانى الفارغة، وتعويد الطلاب على السلبية والتأقلم، بل يرسم إطارا جديدا لعلاقة قوامها الحوار، والتعلم المستمر، والمشاركة فى اكتشاف حقائق العالم!»..
الشهادة.. وقيمة التعليم
 وبرغم مئات بل آلاف المحاولات الأهلية  كالنقابات والأحزاب والجمعيات الأهلية فى القضاء على المشكلة، لكن الملاحظ هو تعثر مشروع محو الأمية فى مصر، رغم ملايين الجنيهات التى صرفت عليه، ورغم ملايين الأعداد الذين تم محو أميتهم منذ صدر أول قانون لمحو الأمية فى عام 1944.
 لماذا يبدو مشروع محو الأمية ثقيل الظل على قلب الحكومات المتعاقبة؟ ولماذا لا يشعر المواطن العادى أن تلك القضية تخصه شخصيا حيث جميعنا نرى ونعانى من مشاكل المرض، والفقر، والجهل.. وما يتبعها من مشاكل الفراغ، والميل للتدخل فى شئون الغير، والتحرش، والفساد، وجمود الفكر، وانهيار الذوق العام، والتدين الشكلى، وعدم القدرة علي  التحليل والتفكير المنطقي.. ما يسهل انتقال الشائعات واستمرار تسلط العادات والتقاليد التى تقودنا «للخلف در»، مع الميل للقدرية ومشاكل الزواج والأسرة وهلم جرا.
 يجيب صلاح سبيع: البعض يتعجبون من تمسكنا بالاستمرار فى العمل فى محو الأمية، ويعتبرونه مشروعا غير جاذب للتمويل! وهناك بلدان كثيرة نامية عالجت هذه المشكلة أسرع منا، والسبب إلى جانب المشاكل الاقتصادية، عدم تناسب الأعداد التى يتم محو أميتها مع زيادة السكان، فى ظل عدم اعتبار الأمية من أولويات المشاكل القومية.. والاكتفاء فقط بحث الناس للإقبال على التعليم للحصول على شهادة من أجل التعيين فى وظيفة وليس لأجل قيمة التعلم فى حد ذاته! وغيرها من الأسباب التى أدى استمرارها إلى نقص التمويل الداخلى والخارجى، برغم أن تكلفة محو أمية الفرد فى مصر هى الأقل تكلفة فى العالم.. حيث تقول بعض الإحصاءات إنها لا تتعدى الـ 161جنيها للفرد طوال فترة  تعليمه بالمقارنة لإجمالى ميزانية الدولة التى خصصت حوالى 200 مليون جنيه  فقط للقضاء على هذه المشكلة !
هى وأحلامها
مين يعمل إيه عشان نحقق نتيجة
 الكثير من الجمعيات الأهلية والحكومية تتبنى محو الأمية، لإدراكها أن التعليم هو المدخل الحقيقى للتنمية والتطوير، فأسأل د. «فرخندة حسن» الأمين العام الأسبق للمجلس القومى للمرأة، لاهتمامتها، فتقول: لا زالت مشكلة الأمية تشغلنى، فلم أبخل جهدا لإثارتها ومحاولة إيجاد الحلول لها طوال عضويتى فى مجلس الشعب،  حتى أدركت أنه «مافيش فايدة» طالما أنه لا توجد جهة موحدة يمكنها أن تركز عملهاعلى وضع الحول الجذرية لهذه المشكلة، ولا يوجد مسئول واحد يمكن متابعة النتائج معه ... حيث تتشتت المسئوليات بين الهيئة العامة لتعليم الكبار، وبين وزارة التعليم، ووزارة التنمية المحلية.. وغيرها.. بدون تنسيق حقيقى لـ «مين يعمل إيه عشان نحقق نتيجة كذا وكذا»..
 وتتساءل: من قال إن حل مشكلة الأمية هو وظيفة وزارة التربية والتعليم؟ ومن يترك المهمة للجمعيات الأهلية وحدها وهى محددة بالقوانين، ومشاكل التمويل، وضعف الإمكانيات؟ فالجميل أن هناك إقبالا على محو الأمية من قبل الشعب، خاصة حينما يتم «تحبيب وترغيب» الناس فى محو الأمية بطرق غير تقليدية.. فأتخيل كيف يمكن الربط بين محو الأمية والمشروعات الصغيرة والنشاط الرياضي..  فى قرية يرتفع فيها معدل التسرب من المدارس - على سبيل المثال!
 تشير د. فرخندة إلى غياب دور الإعلام،  الذى من المفترض أن يعمل على ترغيب الناس فى التخلص من تلك المشكلة، فالكثيرون منا لا يزالون يتذكرون مسلسل «هى وأحلامها» للكاتبة الراحلة «فتحية العسال» وكيف جسدت فيه قيمة التعليم للمرأة بأسلوب فنى جميل بعيد عن الوعظ وعن المباشرة..  وبعيدا عن القضايا الغريبة التى يتم تناولها هذه الأيام (!!)
وتقترح د. فرخندة أن يعاد النظر فى عودة المسئولية كاملة ومحددة تحت رعاية وإدارة الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار،  لتعود  فعالة وذات أثر مثلما كانت ناجحة فى ظل إدارة دكتور «رأفت رضوان».. وأن تعود فكرة الخدمة المدنية للبنات خريجات الجامعة والشباب الذين لا يلتحقون بالجيش، وتكون مهمتهم  الأولى هى المشاركة فى محو الأمية لأبناء الشعب... تحت إدارة وإشراف ومسئولية الهيئة  العامة أيضا..
 أخيرا،،، أتوقف ثانية عند ورشة دور الفن وتأثير الثقافة الشعبية كمدخل لمحو الأمية.. وأتساءل: لماذا لا يكون تعليمنا جميلا وجذابا، يعمق لدى المعلمين الإحساس بالمسئولية دون وعظ - كما تقول دكتورة فرخندة، خاصة وأنا أتذكر القصيدة الصينية التى ألقاها علينا أحد المتدربين.. وتقول كلماتها: «ابحث عن قومك.. أحِبهم، تَعلم منهم، خطِط معهم، اخدمهم، ابدأ بما عندهم، ابنِ على ما يعرفون، فإن أفضل القادة هم أولئك الذين عندما يقومون بعملهم، وينتهون من مهامهم، يقول كل الناس: لقد فعلنا ذلك بأنفسنا..»..  وقد علمت أنه بحث عن كلماتها نتيجة لتأثره بمقولة الأستاذ صلاح سبيع، «أعط أفضل ما لديك للناس فتتعلم.. وتعلم لكى تعطى الناس أفضل ما لديك»..  بعدها، أدركت لماذا يلقبون هذا الرجل  بـ «پاولو فريرى» المصري! •

 أول قانون لمحو الأمية

1944 صدر أول قانون لمحو الأمية فى مصر..
1953 صدور  قانون التعليم الإجباري للأطفال ما بين سن 6 إلى 12 سنة ومجانية التعليم..
1976 تبنى الدولة سياسة لمكافحة الأمية..
1991 إعلان مشروع مصر خالية من الأمية كمشروع قومي ينتهي عام 2001..
1992 إنشاء الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook