صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أوهام الطبقة الوسطى

125 مشاهدة

11 يوليو 2018
كتب : د. محمد سعد



ميزت عصر الحداثة ثلاثُة أقانيم، هى بالترتيب وفقاً للأسبقية: مبدأ السببية الذى يمثل القاعدة الرئيسة للمنطق الرياضى والمنهج العلمى،  والثورة الصناعية التى كانت التطبيق العملى لتطور العلوم وبزوغ التخصص، ثم ظهور وتشكل ما يسمى بالطبقة الوسطى فى المجتمعات المعاصرة. توجز بعض التعريفات الطبقة الوسطى بأنها تلك التى يتوسط المنتمون لها بين فئة الأيدى العاملة وأرباب الحرف وتلك الأقلية من الأغنياء أو أفراد الطبقة العليا وفقاً للتراتبية الاجتماعية المستقرة نظرياً على مدار قرنين من الزمان فى المجتمعات الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.
محددات الطبقة الوسطى
كما استقر أيضاً لدى علماء الاجتماع السياسى والاقتصاد بأن محددات الطبقة الوسطى متغيرة ولا تستقر لفترة طويلة، وهى قاعدة أساسية فى حركة المجتمعات انعكاساً لظروف كل مجتمع السياسية والاقتصادية وتفاوت درجة توافر الموارد الطبيعية والبشرية، تسعى المنظمات الدولية المعنية بمتابعة الشأن الاقتصادى العالمى ورصد العوامل المؤثرة به لوضع محددات لكل شيء، سواء كان متوسط دخول الطبقات الاجتماعية المختلفة أو نسبة البطالة أو معدلات التباين بين العمالة المدربة «الياقات الزرقاء» والإداريين المحترفين «الياقات البيضاء» على سبيل المثال تم وضع معيار الحد الأدنى للفقر عالمياً بناءً على القدرة على شراء شطيرة «ساندويتش» مطعم ماكدونالدز الشهير بالعملة المحلية فى كل مجتمع، وعلى أساس معيار الدخل السنوى تم تحديد أولئك ممن يمكن وصفهم بالطبقة الوسطى فى الولايات المتحدة الأمريكية.. يمكننا بالتأكيد العثور على مئات الدراسات والأبحاث التى تتحدث باستفاضة عن نشأة الطبقة الوسطى والعوامل الاجتماعية والسياسية التى ساهمت فى تشكيلها، فضلاً عن منحها الأفضلية على الدوام على الطبقات الأخرى بوصفها المحرك الحقيقى للمجتمعات والفئة المحفزة على التطور والباعثة على التقدم المعرفى،  كما شهدت السنوات الماضية معالجات أكاديمية وصحفية وتليفزيونية حول تعرض الطبقة الوسطى لمحنة أو أزمة فى ضوء التحولات الاقتصادية فى غالبية دول العالم بما فيها الدول المتقدمة والكبرى، والتى أدت إلى إعلان العديد من الحكومات سياسات إصلاحية تتبنى إجراءات تقشفية شديدة الوطأة على أصحاب الوظائف ذوى الدخول الثابتة سواء بخفض الأجور أو الاستغناء عن الكثيرين أو بتحريك أسعار الطاقة والخدمات بصورة كبيرة، مع وقف أو إلغاء إجراءات الدعم الحكومى. يغلب على تلك المعالجات الصراخ والتحذير مما تتعرض له الطبقة الوسطى من مخاطر تدفعها إلى الانكماش أو كما تصفه إحدى الكاتبات الأمريكيات فى كتاب صدر مؤخراً بـ(الانضغاط).  لكن السؤال المطروح: هل تلك المخاطر حقيقية أم لا؟
للإجابة على السؤال يجب الإلمام بتفاصيل التحولات الجارية فى العالم من حولنا ومدى تأثيرها على مجتمعاتنا حتى نستطيع حسم الجدل الدائر حول تداعيات أزمات الكساد والتضخم وتبنى سياسات مالية وضريبية جديدة على طبقة بعينها فى مجتمع ما أو على الصعيدين الإقليمى والدولى،  بمعنى آخر تمتد تأثيرات التحولات العالمية الكبرى لتشمل الجميع من قمة الهرم الاجتماعى إلى القاع ومن شرق المعمورة إلى غربها؛ فمن أقدموا على الانتحار خلال أزمة الكساد العالمى فى عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم كانوا من كبار أصحاب المال والمساهمين فى وول ستريت أى أنهم لم يكونوا من الطبقة الوسطى وفقاً للهيراركية المتعارف عليها فى الولايات المتحدة، ربما كان القصد من العويل على الطبقة الوسطى إعادة النظر فى أوضاعها ومكتسباتها وذلك على أساس أن أولئك من ينتمون إلى الطبقة الفقيرة قابعون فى نهاية السلم الاجتماعى ولن تكون أوضاعهم أسوأ حالاً! كما أن الطبقة العليا لن تتأثر بالصورة التى تهوى بها من علٍ إلى القاع بل سيكونون فى أسوأ الأحوال من شاغلى المكانة المتوسطة فى المجتمع؟!
مخاوف الطبقة الوسطى
انشغلت أقلام ليست بالقليلة بالإسهاب فى وصف ذات المخاوف التى تتعرض لها الطبقة الوسطى فى مصر من انكماش وإجحاف جراء تأثيرات إجراءات الإصلاح الاقتصادى وما سبقها من سنوات الاضطراب فى أعقاب ثورة 25 يناير، جميعها تتفق على التأثير السلبى غير المنُكر للارتفاع المضطرد فى الأسعار عقب تحرير صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية ورفع الدعم جزئياً عن المشتقات البترولية والكهرباء، وذلك بالنظر إلى ثبات الأجور أو عدم زيادتها بصورة موازية لنسب ارتفاع الأسعار وفواتير الخدمات، لكن كالعادة هناك الكثير الذى يستدعى التوقف عنده، ابتداءً ممن تتشكل بالأساس الطبقة الوسطى المزعومة فى مصر؟ هل تضم ما لا يقل عن ستة أو سبعة ملايين شخص هم العاملون فى الجهاز الإدارى للدولة؟ هناك من يدحض ذلك التعميم وذلك بالدلالة على أن غالبية العاملين فى الوزارات والمصالح والقطاعات الحكومية من محدودى الدخل والمهمشين ممن لا تتجاوز دخولهم الحد الأدنى للفقر حتى بمعياره المحلى وهو حد الإعفاء الضريبى «عشرون ألف جنيه سنوياً ذ  ما لا يزيد كثيراً عن ألف دولار فقط» كما أن هناك مليونين على الأقل من العمال بشركات ومصانع قطاع الأعمال العام قد لا يكون وصفهم بالطبقة الوسطى صحيحاً من الناحية النظرية على الأقل.
المستورين
نحن بحاجة ماسة إلى تحديد من نقصد بالطبقة الوسطى التى نخاطبها بحديث المخاطر والانكماش وما شابهها من مصطلحات، فهناك من يؤكد أن الذين تفوق دخولهم خط الفقر المصرى ويملكون قوت يومهم أو بالتعبير المصرى «مستورين» لا تتجاوز نسبتهم عشرة بالمائة، ولكن لا يوجد من يعضد ذلك الاستنتاج غير المدعوم بأرقام تم رصدها من إحدى الجهات الموثوق بها أو تم الحصول عليها من خلا الوسائل الإحصائية المقبولة علمياً. المحصلة الرئيسية أنك لن تجد تعريفاً محدداً وجامعاً لمن ينتمون لتلك الطبقة الغامضة، وليس من مهام الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء وضع محددات الطبقات الاجتماعية وإنما الباحثين والدارسين فى العلوم الاجتماعية لاستخراج أنماط مشتركة تجمع أفراد المجتمع وليس مجرد متوسطات الأجور التى تتفاوت بين أبناء المهنة الواحدة بل والتخصص الواحد تبعاً لحاجة سوق العمل وتقلباته، من المنطقى أيضاً ضرورة التعرف على علاقة أفراد الطبقة الوسطى بالموقع الجغرافى،  بعبارة أخرى هل هم من سكان المدن أم الريف وما هو توزيعهم بين دلتا وصعيد مصر والمحافظات المركزية؟ تكمن الأهمية فى معرفة توزيعهم بإمكانية قياس التأثير المتفاوت للعوامل المختلفة على أفراد تلك الطبقة وفقاً لطبيعة المكان، للأسف ليس من اليسير الوصول لتلك التفاصيل، وبالتالى جاءت معظم التناولات لتحليل التحديات التى تواجه الطبقة الوسطى فاقدة للدقة العلمية.
لا يعنينا فى هذا المقال الجزم أو النفى بصحة المخاطر التى تهدد الطبقة الوسطى المؤكد تواجدها فى مجتمعنا السريع التغير والتبدل والدائم الحيوية، فنحن نهدف بشكل واضح إلى التعرف عليها فى بادئ الأمر حتى نتمكن من استشراف إذا كان ما يحدث من حولنا خطر محدق أو آنى أو قادم فى مستقبل الأيام والسنوات، كما أننا نقر ونعترف أن الطبقة الوسطى فى العالم هى ضميره الواعى وهى من يمنح المجتمعات حيويتها ودافعها نحو الاستقرار الباعث على التقدم والنمو، كما قد تكون عرضةً لحالة من العزوف واللا مبالاة لأسباب نابعة من الظروف المحيطة أو مستوردة عمداً لبث بذور التململ والجدل اللانهائى حول ثوابت الأوطان، تحية واجبة للطبقة المثقفة النابهة التى قادت العالم زمناً وتتلمس الطريق الآن حائرة فى خضم العولمة والشعوبية العبثية.    

المصادر:

https://www.investopedia.com/terms/m/middle-class.asp
https://www.msnbc.com/morning-joe/watch/-squeezed-author-says-middle-class-part-of-unstable-category-1268416067995?playlist=associated
https://www.reuters.com/article/us-egypt-politics/middle-class-egypt-adapts-to-survive-as-austerity-bites-idUSKBN1E90ZY
https://www.resetdoc.org/story/egypt-still-does-not-have-a-middle-class/
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

خطط الإخوان.. هدم الأمة

خونة ومرتزقة وقتلة ولصوص وتجار دين وجهلاء. هذا هو تصنيفهم وتوصيفهم. سرطان زرع فى قلب الأرض المقدسة. لم يطرح سوى الدم والدموع و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook