صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

المماليك - 2-

58 مشاهدة

4 يوليو 2018
كتب : د. محمد سعد



أبرز تحديات  عالمنا  المعاصر تلك المتغيرات المتسارعة التى لا تكاد تفارقنا فلا تترك ثابتاً إلا وأثارت حوله التساؤلات ولا قاعدة إلا وأخضعتها لإعادة النظر والتقييم، ولكن تلك الموجات المتلاحقة من المتغيرات جاءت بفائدة غير منكرة وهى أنها كاشفة لحقائق غابت أو تم إغفالها دون تبصر أو تجاهلها عن عمد. ناقش مقال الأسبوع الماضى بعض موروثات المصريين من حقبة المماليك التى ناهزت الثلاثمائة عام من الحكم كسلاطين  وثلاثمائة  أخرى كمسئولين نافذين وكبار الإقطاعيين تحت الولاة العثمانيين، وهى كما رأينا لا تتسم بالإيجابية بل رسخت سلوكيات الفساد المالى والإداري. لكن تلك الظواهر ليست سوى غيض من فيض، فهناك آثار أخطر وأعمق كشفتها الأيام المنقضية التى عشنا فيها أحلام وآمال وصول فريقنا القومى لكرة القدم لتصفيات مسابقة كأس العالم فى روسيا، كما تجرعنا مرارة ثلاث هزائم التى كانت كفيلة بخروجنا من الدور الأول خالى الوفاض.


الاعراق المختلفة للمماليك


لنعد مرة أخرى إلى إحدى التفاصيل التى ميزت طائفة المماليك عن غيرها، وهى أنهم اُستجلبوا من أصقاع نائية  ومن أعراق مختلفة فغالبيتهم الساحقة لا يعرفون أرضاً أو عائلة أو لم يعودوا يتذكرونها مع تعاقب مكثهم مع أقرانهم للتدريب والتعلم. بالرغم من انعكاس ذلك إيجابيًا على ديناميكية نظام الحكم آنذاك نظرًا  للتبدل المستمر  فى  شخوص الحكام، إلا أن مفاهيم التراب الوطنى وميراث الأجداد لم تكن حاضرةً لديهم بطابع الحال وإنما كانت نوازع السلطة وشهوة الحكم وتبوؤ المكانة ومراكمة الأموال  والقصور والجوارى كانت شواغلهم بلا شك. كل ما سبق يؤدى إلى نتيجة جلية كشمس الظهيرة، وهى أن تلك النزعة الفردية التى تسود مجتمعنا سواء العوام أو الخاصة هى ثمرة سنوات طوال هى إرث المماليك سلاطين وأمراء ورجال السلطة العامة ومن على شاكلتهم الذين استقدمهم حكام أجانب لبلادنا ليخدموهم فحكموا أهلها. لا مناص من الاعتراف أن كافة الأنظمة الحاكمة التى تعاقبت على مصر سواء كانت ملكيات أم امبراطوريات أم خلافة جسدت حكم الفرد إلى درجة التأليه وهو ما أعده الكثير من المؤرخين والباحثين سمة متأصلة فى شعبنا منذ قدم الدهر.


تهليل الشعب


أسهبت كتب التراث فى استعراض سير سلاطين المماليك وكلها تتضمن تفاصيل متشابهة حول تهليل الشعب لمواكبهم وترديدهم لهتافات الفداء والدعاء بالبقاء والحفظ والبركة من الله. كما تبرز أيضًا لعان الحشود وسبهم بعض السلاطين ممن تم إسقاطه أو انقلب عليه الأقوى من بنى جلدته، فقد أبدعت جموع من المصريين والنسوة الشَلَق فى وصف سلطانتهم السابقة شجر الدر وزوجة سلطانهم القتيل عز الدين أيبك بأقذع الشتائم وجسدها المثخن بضرب وطعن قباقيب جوارى ضرتها أم على تجول شوارع القاهرة إلى أن انقطعت أنفاسها فى أحد مجارير القاهرة ولم يعثر عليها إلا عقب تعفن جثمانها وذوبان ملامحها ولم يوجد عليها ما يسترها. كذلك كان حالنا مع منتخبنا لكرة القدم عقب صعوده اللاهث من تصفيات القارة الأفريقية فرفعنا لاعبيه فى مكانة من أحرزوا حلم بحارة هائمين على وجوههم فى العثور على اليابسة فى محيط لُجيم تلاطم الموج لا يلوح له أفق. . تناسينا فى سكرة الانتصار أو أُنسينا عن عمد أو جهل أن هدفنا الأسمى طيلة 28 عاماً كان الوصول إلى كأس العالم فقط، دونما تصور ما يمكن أن يحدث فى تلك المسابقة التى يتنافس فيها الكبار وآخرون ممن يصادفهم الحظ على جائزة ثبت بالتجربة على مدار ما يقرب من مائة عام أنها من نصيب قلة من المنتخبات، تلك التى تضم فى الأصل لاعبين عالميين إلا أن ما يميزها  فعلاً الأداء الاحترافى الجماعي، والكلمة الأخيرة هى موضع اهتمامنا.


الفردية


لم  يشغل بالنا للحظة أننا على كافة المستويات  وفى مختلف المجالات لا نبرع  إلا فُرادى  وليس كجماعات أو فرق أو طوائف أو مهن أو ...، فمن عاداتنا عندما نرغب أن نعمم سمات سواء بالجودة أو حتى بالسوء أن نذكر أفرادًا  بعينهم ولا نعيب على أنفسنا أو غيرنا عدم الرغبة فى العمل الجماعى أو المشترك الذى يتطلب التنسيق والتفاهم بين أنداد وليس بين رؤساء ومرؤوسين يتلقون الأوامر. فى توقيت متزامن لهزائمنا المتوالية بكأس العالم استطاع عدد من الرياضيين المصريين الموهوبين حصد بطولات والميداليات الذهبية فى رياضات الاسكواش والسباحة ورفع الأثقال وكلها فردية، وهو ما لم يحظ باهتمام  إعلامنا المنشغل بالركض خلف أخبار من سيشارك بمباراتنا وما يشهده معسكر المنتخب التدريبى فى روسيا من خلافات ومشاحنات والتى غلبت على جميعها أو غالبيتها ترويج لشائعات أو انحياز لوجهات نظر فى ظل حالة الجدال والإفتاء المعتادة بمجتمعنا فى مثل تلك الأحداث العالمية. كان هناك بالطبع قضية غالبة على تناول الإعلام وأحاديث المقاهى على السواء، وهى مشاركة اللاعب الدولى المحترف بفريق ليفربول الإنجليزى محمد صلاح بعد إصابته المؤسفة  فى نهائى مسابقة أبطال أوروبا لكرة القدم. الأسئلة المنطقية  هي ألم يكن فى مباراتنا الودية التحضيرية لكأس العالم ما كان كاشفًا عن غياب أداء جماعى يؤهلنا لتجاوز الدور الأول بكأس العالم؟.


صلاح فى الاطار الجماعى


أليس محمد صلاح نفسه وسمعته العالمية ناتج تألق فردى لأحد المصريين المتميزين فى إطار أداء جماعى غير مصري؟ هل تصورنا أن جماعة تضم أفرادًا  موهوبين يمكنها أداء عمل جماعى غير منسق؟ هل كنا مؤمنين لهذه الدرجة أن وجود لاعب استثنائى كمحمد صلاح كافٍ بمفرده لتجاوز تلك العقبة وتحقيق حلم الصعود للدور الثانى أو لتقديم أداء منقطع النظير؟ إذا كانت الإجابة بالصمت أو بالإيجاب فلا يجب أن شك لحظة فى أننا جميعًا من أحفاد المماليك ورعاياهم المخلصين الخاضعين.
لا يوجد فارق أيضًا  عندما تجد كافة من يعملون فى جهة ما فى موقع ما فى مصرنا المحروسة ينظرون ما يجود به مديرهم من إرهاصات حكمته البالغة وتوجيهاته الملهمة حتى فى مستصغر الأمور وأكثرها بداهة، والأكثر إثارة للدهشة أن آراء الفرد المستنير قد تضل طريقها عن المعقول والمنطقى ولكنها تجد طريقها لدى مماليكه المخلصين. لن تدهمنا الدهشة إذن بأن يلعن أولئك المماليك نلك الأيام الكالحة التى شهدوها مع مخدومهم السابق فور مغادرته منصبه بطريق الإقالة أو التقاعد أو مداهمة رجال الرقابة الإدارية مكتبه. تلك الفردية المقيتة المدمرة محظورة فى الكيانات الاقتصادية والسياسية والمجتمعات المتحضرة فى العالم أجمع، ولكننا لا نجد فيها غضاضة فى أى جهة أو مؤسسة اقتصادية أو حزب سياسى فى مجتمعنا بل نقدسها ونجعل من بعض نماذجها مضرب الأمثال. استقرت منذ زمن طويل قاعدة حاسمة، عقلان أفضل من عقل واحد وآراء متعددة أصوب من رأى واحد والنقاش والحوار القائم على أساس هو الأفضل بلا جدال.
يجدر بنا الاهتمام بتاريخنا وعدم إنكاره إلا أن تلمس طريق الانحدار وفساد الرأى الواحد وعبادة الفرد لن يؤدى بنا سوى إلى الركض فى المكان والعالم يجاوزنا بسرعة البرق. لنترك تراث المماليك لكتب التاريخ ووزارتى الآثار والأوقاف ولنسلك طريقًا آخر، والله المستعان. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook