صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

كل شبر وحتة من بلدى حتة من كبدى حتة من موال

30 مشاهدة

4 يوليو 2018



بالنهر ترتبط شوارع القاهرة الرئيسية، النهر هو ذاك الشريان المحورى الذى تطل عليه واجهة كبيرة من المدينة، والطرق الشريانية تمثل مفاتيح الحركة لأحياء القاهرة، هكذا يقول جمال حمدان فى محبة الشارع المصرى.
وبوسعنا أيضا أن نقول إن الشارع المصرى جغرافيًا هو ابن النيل يتبعه أينما فنتغنى بالشوارع التى تتفتح على جانبيه وتحاذيه، وتسير على خطاه فنسير على خطاها:
«يا نيل يا هدية الإله/ يا نغما يا نغما كأنه صلاة/ يا قُبلة الحب على الشفاه/ ويا حياة تسعد الحياة».
قالها صالح جودت، ولحنها محمد سلطان، وغنتها فايزة أحمد لتخفق بها قلوبنا ونتفتح على جغرافيتها مع جمال حمدان وهو يصف شوارعها ومغانيها ومراكزها التجارية فيقول: «شوارع تمتد بطول النهر وتحاذيه مثل شارعى الجيزة وقصر العينى، ولما كان للنهر تعرجاته وانحناءاته فإن ذلك الشارع يتبعها بأمانة، وكذلك تفعل الشوارع الثانوية الموازية إلى الداخل، الشوارع العرضية عمودية على الطولية، والشوارع الطولية تحاذى النهر، والعرضية تتعامد عليه وعليها».
ولذا لايكون غريبا أن نعانق النهر فى الغدو والرواح، نحتضنه بأعيننا، ونضعه فى حبات عيوننا، نتأمله فى امتداده فى سكون المتبتل، ونجمع أطرافه فى نظرة «أنا وحبيبى يا نيل نلنا أمانينا/ مطرح ما يرسى الهوى ترسى مراسينا» تماما كما تغنى بيرم التونسى.
طابعها أصيل وجلالها مكنون
تقول لى «زحمة يا دنيا زحمة»!، تقول لى تكدس مرورى، وطابور سيارات لايتحرك!، وكلاكسات بمناسبة وبدون مناسبة أقول لك كما قال يحيى حقى عاشق القاهرة وشوارعها.. وكلنا عشاق: «حتى أكداس العمارات الشاهقة المسلحة بالأسمنت، وغوائل الشوارع الطارئة المفروشة بالأسفلت، لم يستطع شيء من هذا كله أن يمس طابعها الأصيل وجلالها المكنون هبة لها من حضارة الشرق، ونفحة من سماته، كلاهما خارج عن متناول الزمن وعواديه، فقد بقى من الثمرة سر الحياة فى نواتها الصلبة»..
وها هى شوارعنا رغم ما نالها من تكدس مرورى فى مدينة مليونية لاتزال على وسامتها وزينة عُرسها كما وصفها يحيى حقي: «مبانيها جدران عتيقة يتراكم عليها التاريخ آية فى فن العمارة، فى ذروة الصدق تصون داخلها أمثلة رائعة للجمال تحكى فى صمت قصة آلاف من الفنانين بناة الحضارة عملوا فى ورع وهم متطهرون ثم مضوا لايعرف أسماءهم أحد، وأسواق لاتزال متشبثة بأمكنتها كأن لها جذورا ضاربة إلى الأعماق، لاتزال متشحة بأطياف من وسامة وزينة عرسها».


معرفة الشوارع كنوز


الشوارع بناسها، بالرائحين والغادين فيها، بالقلوب الصافية التى تغمرها، بصبر أهلها الذى يرونه مفتاح الفرج، بما يكتبونه فوق محالهم وحوانيتهم وتتجلى فيه القناعة والرضا بالمقسوم (وبشر الصابرين)..، «ادخلوها بسلام آمنين» ويتجلى فيه.. ويعمر النفوس هذا الإيمان العميق «الله محبة»، و«رأس الحكمة مخافة الرب».
تتجلى حكمة ابن البلد كما ترددها الأغنيات فى أعماق النفوس: «خليها على الله»، «كل شىء بالصبر يهون»، «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت»، «اللى يصبر ينول»، «ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة»، ولذا أنشد فؤاد حداد مسحراتى الشعب يقول: «المشى طاب لي/ والدق على طبلي/ ناس كانوا قبلي/ قالوا فى الأمثال/ الرجل تدب مطرح ما تحب/ وأنا صنعتى مسحراتى فى البلد جوال/ حبيت ودبيت كما العاشق ليالى طوال/ وكل شبر وحتة من بلدي/ حتة من كبدي/ حتة من موال».
معرفة الناس كنوز، ومعرفة الشوارع كنوز أيضا هكذا يقول لى قلبى لأن المدينة منورة بأهلها والمنازل بساكنيها، والبساتين بوجوهها الحسنة، و«الجنة من غير ناس ما تنداس»، فى كل شارع لك خطوة، وفى كل زقاق لك ممر، وعند كل صف أشجار قد اتخذت لك موضعا ذات ليل أو ذات نهار، تعرف مواضع أشجار جهنميات الربيع حين تندلع زهورها حمراء فى مايو فى عز أشهر المذاكرة والامتحانات، تعد جهنمياتها عدًا، وأشجار الجازورينا، وأشجار التوت تعرفها واحدة واحدة وتنتظر توتها أن يمطرك بزخة توت أبيض، وتوت قرمزى، تمد يديك تحت الشجرة، وتعرف بها قدوم الربيع، وموعدا تلف فيه حرير شرانق دود القز على أصابعك قبل أن تسبقكك وتثقبه فراشات الربيع».. تذكر حديقة الأورمان ومعرض الزهور السنوى، الأزهار النادرة وهى تتنفس بين يديك، وأفضل سلالات النحل، وأشهى عسل، أنصت لدقات ساعة جامعة القاهرة، واضبط ساعتك ودقات قلبك، فحول هذه القبة الجامعية المقدسة كنت تطوف وفى يدك كتاب، وعلى بُعد خطوات مكتبة الجامعة المركزية.
سر على الطوار الطويل بلا انحناء حتى تصل إلى ميدان الجيزة، تذكر أيامك ولياليك، ومن أين تبدأ وصفك لقصة حبك لشوارعها، وميادينها ومغانيها، أتسعفك الذاكرة؟ تقف تحت شلال الذكريات مأخوذا مسحورا بأن سنوات الطفولة والصبا كانت هنا، فى هذه الشوارع الواسعة والضيقة التى تشكو الآن من زحامها وضجيج سياراتها، الآن تغنى «الرجل تدب مطرح ما تحب»..


 ابن البلد


هو نفسه شريان الشعر الموصول بالنيل، هو نفسه الذى يصفه فؤاد حداد فى أشعاره عندما يقول: «حلوين على كل حال لكن سوا أحلى يا سواحلية/ ومن الصعيد للبحيرة للدقهلية/ إحنا أهلية/ تجمعنا ساعة السحور/ تجمعنا طبلية/ قضينا ع الجاهلية نحمد الواحد/ القلب واحد ولو كان الرغيف مقسوم».
وأولاد البلاد هم كما صورتهم أغانينا فى «حلوين من يومنا والله وقلوبنا كويسة، ومعانا ميت مسا/ يا ليل طوًّل شوية/ ع الناس الحلوة دية/ ده الغالى علينا غالى ولا عمره هيتنسى».
(كلمات على السوهاجي)
ابن البلد الذى وصفه يحيى حقي: «بكرمه ومروءته، بلطفه، وظرفه، ببشاشته وخفة دمه، بنكاته وقفشاته، بذكائه وحضور بديهته، هو الذى رقق العامية على لسانه وأثراها بأبدع مجاز واستعارة، ساخر وحكيم، تحسبه لطيبته غرا ولكنه «حويط» يلقط العملة الصحيحة ولو ممسوحة من بين عملات كثيرة زائفة ولو براقة، لاينطلى عليه الكذب والنفاق ودموع التماسيح».


 فى محبة الجمال


ولأن العاصمة كما يقول جمال حمدان تستقطب وتستقطر روح الوطن وترمز إلى جوهر كيانه حضاريًا وماديًا، جغرافيًا وتاريخيًا فالقاهرة تاريخ مفعم، محفوظ، كل حجر فيها مشبع بعبق الماضى وعرقه، كل شبر منها يحمل بصمات الإنسان، إنها كبيت جماعى كبير، وكمنطقة مبنية لا مثيل لكتلتها فى مصر - عمل فنى من مقياس ضخم مهندسه وساكنه هو المصرى».
لذا يحبها أهلها، يتعشقونها عشقا بالغريزة، بالإرث، بالقسمة والنصيب والحمد لقدر لا تعلل تصاريفه كما يقول يحيى حقى.
كم أنشد أبناء نيلها فى حبها الأشعار.. فى حب الجمال فيقول صلاح جاهين فى رباعياته:
«إنشد يا قلبى غنوتك للجمال وارقص فى صدرى من اليمين للشمال
 ما هوش بعيد تفضل لبكرة سعيد
ده كل يوم فيه ألف ألف احتمال -عجبى».
.. وليس من العجيب أن تكون وصية صلاح جاهين هى وصية بليل القاهرة، بالقمر والزهور، وتفتح القلوب على مظاهر الجمال فيها فيقول:
«أوصيك يا ابنى بالقمر والزهور- أوصيك بليل القاهرة المسحور
وإن جيت فى بالك.. اشترى عقد فُل لأى سمرا.. وقبرى إوعك تزور عجبى».•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

المزايدون على الوطن

على الخراب والدمار. تعيش الغربان والضباع. وتجار الموت يتاجرون فى جثث الضحايا. وعلى جثث الأوطان ينهش المزايدون والخونة والمرتزق..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook