صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

التجربة الإنسانية والمخزون الثقافى

26 مشاهدة

4 يوليو 2018



الشارع المصرى بتجلياته وتحولاته كما يراه أساتذة الاجتماع، والعادات والتقاليد، والتاريخ، وكما يراه صانعو الفن والدراما، ونقاد الأدب.
شهادات مهمة تطرح العديد من الرؤى عن الشارع المصرى ما له وما عليه.

 

 السمات الإيجابية


يقول د.محمد غنيم أستاذ الاجتماع وعلم الإنسان بكلية الآداب- جامعة المنصورة: «المجتمع المصرى له ثقافة غنية مركبة من عناصرها ثقافة المصرى القديم الفرعونية، وثقافة العصور اليونانية والرومانية، والمسيحية، والإسلامية، مرورًا بعهد محمد على «بداية النهضة الحديثة»، وكل هذه الثقافات انصهرت فى بوتقة واحدة جعلت للمجتمع المصرى سمات منها الثقافة المتعددة الروافد، وقد أثر هذا فى الشارع المصرى فهذا المخزون الثقافى جعل الاستقرار والثبات من سمات المجتمع فالحراك الاجتماعى لا يحدث بسهولة وكذلك الانتقال من طبقة إلى أخرى لا يحدث بيسر.
أول تغير فى هذا المجتمع المستقر كان نكسة 1967 التى أحدثت شرخًا فى البنية الاجتماعية، صاحبه هجرة خارجية إلى بلاد أخرى لكن بقيت قيمة مهمة وهى الصبر كخيار مهم، والوقوف إلى جانب عبدالناصر الذى شكل أحلامنا الوطنية بإنجازاته، وصموده حيث تربى جيلنا على خُطب عبدالناصر.
وتحقق نصر أكتوبر 1973 فانتصرت كل القيم الإيجابية المهمة والتى أثرت فى نفوس الناس، فتشبعت بروح النصر.
ومع فترة السبعينيات وما شهدته من انفتاح اقتصادى، واستقواء التيار الدينى من خلال شركات توظيف الأموال، ورغم ما أصاب الناس من ضر فلم يأخذوا حذرهم من أصحاب هذه الاتجاهات:
وفى السبعينيات من القرن الماضى بدأت بعض الأسر المصرية فى التفكك نظرًا لغياب الرجل وسفره وتغيرت أدوار المرأة حتى فى الريف فحملت العبء الأكبر.
ومع دخول طبقة رجال الأعمال والمال للحكم عام 2010- وكان هذا ضد مبادئ ثورة يوليو 1952- حدثت الضربة القاصمة للنظام فبدأ المصريون فى الثورة، وفقدت الأسر شهداء كثيرين.
وقد بدأت ثورة يناير بأغراض نبيلة ثم أخذت منحنى آخر عندما سيطرت الأيديولوجية الدينية على مسارها «حكم الإخوان»- وهنا ثار الشارع المصرى من جديد فى 30 يونيو، ومنذ تلك الثورة وحتى الآن ظهرت السمات الإيجابية للشارع المصرى على عكس ما قد يبدو، وتنامت قيمة الصبر الإيجابى من أجل تحقيق أهداف التنمية، هناك تفاؤل بالمشروعات المستقبلية لكنه تفاؤل مشوب بالحذر بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، ولكن قيمة الصبر الإيجابى واضحة خاصة بعد العديد من الإنجازات، فالتوسع فى مشروعات البنية التحتية ومد الطرق والكبارى وغيرها من مشروعات التنمية يجعل الاحساس بتحقيق الإنجاز واضحًا، فإنشاء طريق جديد معناه إقامة مجتمع وإنشاء حضارة.


 التنمية المستدامة


ويقول د.سميح شعلان العميد السابق للمعهد العالى للفنون الشعبية وأستاذ العادات والتقاليد: تتولد العادات وتتغير فى الوقت نفسه من طبيعة الإسكان الذى يؤثر فى طبيعة العلاقات الاجتماعية، فى القرية الناس ترى بعضها وتحس ببعضها، لا أحد يفرح والآخر حزين، وعندما يفرح المرء يتأكد فرحه باحتفاله مع الآخر.
الآن يُلاحظ فى الشارع المصرى سيطرة الأجهزة التكنولوجية على الناس ففصلتهم عن بعضهم، الراديو كان يسمح بوجود الآخر، وكذلك التليفزيون ولكن الكمبيوتر لا يسمح بحضور الآخر، ويصنع حالة المتعة الفردية فأصبحت تحية الصباح، والتهنئة بالأعياد وحتى مناسبات العزاء ميكانيكية عن طريق نقرة زرار على الكمبيوتر، واختفى اللقاء الإنسانى الذى يديم المحبة ويؤكدها، وطغت المشكلات الفردية لأن المرء أصبح لا يهتم بالآخر، واختفت اللقاءات التى كان ينفس فيها الناس عن مؤرقاتهم، ومشكلاتهم، لم نعد ننظر فى أعين بعضنا فكيف يحس الواحد منا بالآخر لكننا مازلنا نحتفظ ببعض ملامح ثقافتنا الأم التى تدعو إلى الترابط.
فالحضارة المصرية القديمة حضارة إنسانية تؤكد على الشعور بالآخر، ولذا لابد أن نستعيد الحلو «اللى فينا»، نحن لسنا أبناء اللحظة وإنما نحن أبناء التجربة الإنسانية التى تؤكد على الإحساس بالآخر، وهو جذر أصيل وأمين فينا ومبنى على التجربة.
أوروبا نجحت على مستوى المدنية الحديثة ولم تنجح على تأكيد العلاقات الإنسانية.
علينا أن نستعيد ذاتنا الحضارية وأن نقرأ أنفسنا قراءة جيدة، الشوفة والسمع يؤديان إلى الإحساس بالآخر، وهذا الإحساس يؤدى إلى التقارب، والتكنولوجيا أكدت على فردية الإنسان، وإدمانها يؤثر على العلاقات الإنسانية وصحتها.
لابد من العودة للجذور، والانتماء للجذر الثقافى،والتنمية المستدامة لا يمكن أن تحدث إلا وفقًا لظروف مجتمعنا، فنحن الذين نقرر قواعد التنمية وضوابطها واتجاهاتها وقدرتها على تغيير الناس، أما الانبهار بثقافة الآخر، والتنمية المبنية على قراءات نظرية وتجارب وافدة غربية لن تحقق ما نرجو، فالتنمية لابد أن تقوم على فهم الإنسان ودراسة المجتمع لكى نجدد الجانب الحضارى والإنسانى«.


 تراجع الطبقة الوسطى


وتقول د.زبيدة عطا أستاذ التاريخ «الإسلامى والوسيط» بجامعة حلوان:
العوامل الاقتصادية والاجتماعية تؤثر تأثيرًا مهمًا على تفكير وسلوكيات الناس، فى ستينيات القرن الماضى كان المثل السائر «إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه»، ولكن الآن العامل الاقتصادى أو المال هو المسيطر على تفكير معظم الناس ومع تراجع الطبقة الوسطى الحافظة للقيم والعادات والتقاليد ظهرت قيم أخرى مغايرة تعطى المال الأولوية فى تقييم الأشياء.
فى الخمسينيات على سبيل المثال كان المجتمع أكثر انفتاحًا، بدا ذلك فى تداول الأفكار والانفتاح على مناقشتها بحرية وعلى سبيل المثال كتب إسماعيل مظهر كتابًا اسمه «لماذا أنا ملحد؟»، وصدرت كتب فى الرد عليه «لماذا أنا مؤمن؟»، ولو طالعنا زى طالبات الجامعة حينذاك، وحالة التحضر والأناقة فى حفلات أم كلثوم نجد أن الانفتاح على الثقافة والفنون كان ملحوظًا.
أما الآن فهناك نوع من التراجع والتشدد فى الزى وفى التفكير.
أما بالنسبة للعادات والتقاليد فهى لاتزال موجودة فى القرى والأحياء الشعبية مثل عادة تزيين الشارع، واستعمال الفوانيس، والمظاهر الاحتفالية بشهر رمضان التى ظلت دائمًا موجودة منذ أيام الفاطميين حتى الآن فكانت تنتعش أسواق الحلوى،والشموع، وكان الناس يخرجون للاحتفال برمضان بالشموع، وكان يبلغ وزن بعض الشموع قنطارًا وظل هذا إلى العصر المملوكى.
وبقى الاحتفال بالزينة والفوانيس والأغانى «إدونا العادة لبة وقلادة» فى القرى والأحياء الشعبية، وقد انقرض هذا تقريبًا من الأحياء الحديثة.
ولكى نستعيد هذه الذات العريقة والقيم الأصيلة فى احترام القيمة لا المال، وإعلاء قيمة التفكير والتذوق الفنى لابد من البدء فى إصلاح التعليم والنهضة الاقتصادية، التعليم الجيد، والاقتصاد الجيد يعنى نهضة شاملة تجعل المجتمع يتغير نحو الأفضل.


«الحب وأشياء أخرى» و«ليالى الحلمية»


وتقول إنعام محمد  على مخرجة أفلام تليفزيونية وسينمائية:
دور الفن أن يحاول وضع فكر استشرافى للمستقبل وليس نقل الواقع بطريقة التصوير الفوتوغرافى،الدراما التليفزيونية الآن تصوِّر الواقع وياريت فوتوغرافيا بل تبالغ فى إبرازه بطريقة تترك حالة من اليأس والقنوط فى نفس المتفرج، هناك مدرستان فى النظر للفن، المدرسة الأولى: أن أعرض الواقع من وجهة نظر المؤلف وأضع معادلاً موضوعيًا يرى فى هذا الواقع بعض نواحى الجمال.
والمدرسة الثانية تصوِّر الواقع وتبالغ فى إبراز عيوبه، وتكرس للعنف أحيانًا فى ميلودراما فاقعة.
ويحدث هذا كثيرًا عند تصوير الحياة فى الشارع المصرى،وعلى سبيل المثال مسلسل «الأسطورة» يجعل بطله يفقد إيمانه بحلمه، ويشعر بالظلم فيمضى فى طريق تجارة السلاح غير المشروعة، وبالتالى فقد عرض هذا الفكر السلبى على جمهور المشاهدين، وهذا خطر كبير فلابد من وجود مسئولية اجتماعية لدى منتج الدراما ومؤلفها ومخرجها والفنانين الذين يقدمونها.
بينما مسلسل «الحب وأشياء أخرى» الذى كتبه أسامة أنور عكاشة، وقدمه التليفزيون عام 1986، عبر عن المتناقضات فى الشارع المصرى لكنه أبرز شهامة الرجل الشعبى الذى يعطى للمشاهد عصير خبرته وتجربته، واستنهض فكر القيمة لا المال الذى يشترى كل شىء حتى القيم.
وعلى سبيل المثال من المسلسلات الناجحة التى قدمت الحارة المصرية بكل عالمها ومزجت التاريخ ببطولات أهل الحارة مسلسل «ليالى الحلمية» الذى أخرجه إسماعيل عبدالحافظ.
أما فى السينما فلايزال فكر سينما المقاولات يسيطر على الصورة الذهنية التى تقدمها هذه الأفلام للناس وكأن المجتمع لم يتغير! ولا أحد من رعاة هذا الفكر يغيرِّ هذه الصور الذهنية الثابتة!
أين هذا من أفلام صلاح أبوسيف وكمال الشيخ الرائعة التى قدمت الشارع المصرى بما له وما عليه، وقدمت الأفضل لقد تمتعا بحس مرهف يعى المسئولية الاجتماعية ويلتزم بها تجاه المجتمع والناس وهذا ما نريده.. أن يقوم الفن بدوره الحقيقى،وأن يرسم الحلم وخطوات الطريق لحياة أفضل، وهو ما اتضح فى كل الأفلام التى أخذت عن روايات نجيب محفوظ مثل «الثلاثية»، و«بداية ونهاية» وغيرها وكل رواياته فتحت الطريق للحلم والأمل واستشراف الغد.


 الحارة وطن.. وامتداد للروح والجسد


ويقول د.حسين حمودة أستاذ الأدب العربى الحديث بكلية الآداب- جامعة القاهرة:
إن الأدب وبالذات فى روايات نجيب محفوظ اهتم بالحارة بحيث تتجسد روائيًا وتبدو أحيانًا تمثيلاً للوطن أو لموطن الجماعة الإنسانية كلها فى أحيان أخرى،وتبدو الحارة فى أعمال نجيب محفوظ علامة على الأصل، وإشارة إلى الانتماء إلى عالم رحيب، فى رواية «حضرة المحترم» على سبيل المثال يرى الراوى الحارة وطنه «حارة الحسينى« كأنها امتداد لروحه وجسده.
وفى روايات «أولاد حارتنا»، و«الحرافيش»، و«حكايات حارتنا» و«عصر الحب» تمثل الحارة مركزًا روائيًا أساسيًا يحتوى العالم الروائى كله بشخوصه ووقائعه وقضاياه وتحولاته، للحارة عالمها المعتاد بعلاقاته السائدة من جانب ولحظات انعطافها من جانب آخر، وفى رواية «حكايات حارتنا» أيضًا تتجسد الحارة التى تمثل مركزًا روائيًا أساسيًا تتمتع بزمن طويل تتوالى فيه أجيال غير محدودة، وغير محددة، كما تتجسد هذه الحارة خلال حالات متغايرة بأفراحها وأتراحها، باحتفالاتها وتجهمها وأحلامها وكوابيسها، عالم الحارة عند محفوظ يسمح بتلقيه على أنه تمثيل لعالم الوطن، ينطوى على حلم جماعى.
وفى رواية «عصر الحب» لمحفوظ أيضًا تتخذ الحارة مركزًا روائيًا موصولاً بالضمير الجمعى كما تلوح الحارة مرة أخرى موضوعًا للاختبار حيث الضياع يتهدد من يهجرها من أبنائها وبجانب ذلك يتم تناول الحارة من خلال زمن طويل ممتد وعبر حالات متباينة وأوقات مختلفة تعتريها فضلاً عن أن مركزية الحارة تبدو مقرونة بما يجعلها البدء والمنتهى،ونقطة الانطلاق ونقطة العودة معًا.
وفى هذا الحضور اللافت للقرية فى أدب محفوظ فإن هناك إشارات إلى مواضعات أخلاقية «وفى حارتنا لا يُغض البصر عن نقيصة» فهى وطن تصعب الحياة خارجه، بل قصص الخارجين من الحارة والخارجين عليها فى الرواية تدل على سعادة محالة التحقق خارج المكان الأصل، يتصل بهذا إيماء إلى أن كل الأزمنة لا يبقى منها إلا زمن الحارة الممتد كأنه إجمال لتاريخ كبير، كما يتصل بهذا تأكيد بأن كل حياة زائلة سوى حياة الحارة التى تواصل سيرها الوئيد. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

المزايدون على الوطن

على الخراب والدمار. تعيش الغربان والضباع. وتجار الموت يتاجرون فى جثث الضحايا. وعلى جثث الأوطان ينهش المزايدون والخونة والمرتزق..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook