صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

المماليك

151 مشاهدة

27 يونيو 2018
كتب : د. محمد سعد



خطأ فادح أن نظن لوهلة أن المماليك هم مجموعة من السلاطين الأجانب المستوردين للقتال ثم حكموا مصر نحو 270 عاماً، أو أنهم أبطال فترة زمنية انتهت كمثيلاتها عبر تاريخ الشعب المصرى المديد وانقضت بالغزو العثمانى لمصر عام 1517. فى واقع الأمر، أورثنا المماليك نظاماً وأسلوباً فى الإدارة وتصريف شئون البلاد والعباد ما زال قائماً مزدهراً تتوارثه الأجيال حتى يومنا هذا، وإن كانوا ليسوا أصحاب القاعدةالرئيسةالتى تدور فى فلكها باقة من الأخلاقيات والأساليب التى تنتهجها طبقات تترأ من كبار وصغار الموظفين فى المؤسسات والدواوين الحكومية، بل وعدد لا بأس به من أبنائهم البارين فى بعض قطاعات النشاط الاقتصادى الخاص إلا ما رحم ربى. يرجع للسلطان الأيوبى الصالح نجم الدين أيوب - زوج السلطانة فيما بعد شجر الدر المؤسسة الحقيقية لدولة المماليك - ترسيخ تلك القاعدة، وهى المغالبة وفرض الأمر الواقع بالقوة والصُرعة.

يحتاج سرد تاريخ حقبة حكم المماليك لمصر لمجلدات وموسوعات، فهو زاخر بالأحداث نظراً لكثرة سلاطينهم المتعاقبين وغالبيتهم الساحقة، صعدوا إلى قلعة الجبل (مقر الحكم فى عصر المماليك حتى الخديو محمد علي) من خلال الانقلابات واغتصاب السلطة، أو بالسيطرة على الورثة القُصر والحكم باسمهم حتى الإمساك بتلابيب السلطنة بصورة كاملة، إنها باختصار حلقات متصلة من مسلسل درامى ملىء بالأحداث المشوقة والدروس المستفادة. لكن هؤلاء الأمراء المقاتلين كان لهم الفضل فى تأسيس طبقة حاكمة من الأنداد، أى أن أياً منهم يصلح كسلطان إذا ما كان طموحه يبلغه تلك المكانة.
انتقال السلطة
ولأول مرة فى التاريخ المصرى تكون آلية انتقال السلطة بغير طريق التوريث من الأب لابن أو أخ لآخر فى إطار الأسر الحاكمة منذ عهد الأسرات المصرية القديمة مروراً بالعصرين الإغريقى والرومانى ثم الفتح العربى – الإسلامى. رغم أنهم خليط غير متجانس من الأعراق التركية والفارسية والأوروبية إلا أن نسق تربيتهم العسكرية والدينية التى تلقوها منذ شرائهم كرقيق أو ولادتهم كان لم يختلف طوال 3 قرون تولوا خلالها حكم مصر وبلد الشام إلى الحدود التى تفصل العراق عن إيران اليوم، بالإضافة إلى الأراضى المقدسة فى الحجاز عقب السقوط الأول لحاضرة الخلافة العباسية بغداد أمام جحافل المغول.
عظمة أثر المماليك
عظيم هو الأثر الذى تركه المماليك فى ثقافتنا ومفرداتنا اللغوية، فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت إحدى كتائب الجيش المملوكى التى تضم أبناء أمراء المماليك وأكابرهم يطلق عليها اسم (أولاد الناس) وهو المصطلح الذى ما زال يطلقه المصريون إلى اليوم على أبناء الطبقة الراقية ويصفون به فى بعض الحالات الخلق القويم والقدوة السليمة. فتن المصريون بالبشرة البيضاء والهامات الطويلة والأجسام المفتولة والعيون الزرقاء والخضراء التى ميزت أولئك الصبية واليافعين الذين تم جلبهم من شتى بقاع الأرض، وهو ربما ما كان دافعاً لشيوع تسميتهم بالمماليك دون إطلاق اسم العبيد أو الرقيق عليهم، على الرغم من أن منهم من لقبوه بالثمن الذى دُفع فيه حين شرائه على غرار لقب (الألفي) وهو من تم بيعه بألف دينار! ومن الأرجح أن الباعث لبعض مظاهر العنصرية المتوارية لدى قطاعات بعينها من المجتمع على أساس لون البشرة والشعر يرجع لتلك الحقبة، وذلك بالرغم من عدم وجود وقائع بعينها فى التراث التاريخى تشير إلى وجود نظرة دونية من جانب المماليك تجاه المصريين أو (أولاد البلد) بخلاف العنصرية التى أبدتها كل الأجناس التى ضمتها الجيوش الغازية لمصر بمن فيهم العرب الفاتحين خاصةً من العدنانيين القرشيين دون أبناء القبائل اليمانية.
تستقبل مدارس المماليك أو (الخُشداشيات) الوافدين الجدد لتلقينهم وتعليمهم وتدريبهم ليكونوا مؤهلين للدخول فى خدمة أمراء وسادة المماليك، إلا أنهم لا يعاملون كعبيد خاضعين لأسيادهم، وإنما كطلاب فى حضرة معلميهم وأساتذتهم الذين يكنون لهم مشاعر التبجيل إلى حد التقديس.كغيره من التنظيمات المغلقة أى التى لا تسمح سوى بانضمام من يتم اختياره، كان نظام المماليك نموذجاً للانصياع للأمر الصادر من الأمير أو الأستاذ دون مناقشة إلا أنه لم يكن مانعاً من الانقلاب على الأساتذة الآخرين كما حدث فى القصة الشهيرة بين قطز الذى أجهز على منافس أستاذه عز الدين أيبك – السلطان فيما بعد – سيف الدين أقطاى. قد نجد فى ذلك النظام الولائى للأشخاص دون المؤسسات سلوكاً مشابهاً للغالبية الساحقة من ممارسى العمل السياسى والحزبى فى مصر، فلا تكاد تشعر بوجود الحزب أو التيار السياسى أو الفكرة السياسية فى حد ذاتها دون وجود شخص يجمع حوله الأنصار والمريدين والمستفيدين، فإذا ما اختفى عن الساحة زال كل أثر لحزبه أو تياره السياسى إلا بعض الشخصيات الهامشية من المتشدقين والديماجوجيين طمعاً فى الحصول على سمعة غير مستحقة، أو من يدفع لهم مقابل إطلاق حناجرهم ضد خصوم سياسيين آخرين أو فى خدمة مصالح اقتصادية غير معلنة.
الفساد المالى
يعزى الكثيرون تفشى الفساد المالى لدى موظفى الدواوين الحكومية وجُباة الضرائب والرسوم وأقرانهم إلى فترة الولاة العثمانيين، إلا أن الحقائق التاريخية تؤكد أن النظم الإدارية فى مصر لم تتأثر بالغزو التركى وظلت تحت سيطرة بكوات المماليك إلى عهد محمد على باشا. بغض النظر عن الاعتراف بأن وجود المماليك كان بديلاً عملياً لطبقة النبلاء ولوردات الحرب فى النسخ الأوروبية لدولة العصور الوسطى، وهو ما كان يمنح المجتمعات توازناً مطلوباً تجاه سلطة الملكية الوراثية، إلا أن هناك الكثير من السلبيات التى أورثوها للموظف العام والصانع والتاجر والمواطن على السواء. لا يوجد أى فرق بين عمليات النهب الممنهج واستحلال سلب أرزاق الناس التى كانت سمة لصغار المماليك فى غالبية عهود سلاطينهم لأنهم يحوزون السلاح وأولئك الموظفين الذين يستحلون تقاضى المال قل أم كثر من مواطنيهم أبناء جلدتهم لتقديم الخدمات الحكومية البسيطة لهم وهى فى الأساس أبسط حقوقهم، ويبررون تلك الرشوة المحرمة بأنها حق مكتسب لعلة أنهم لا يتقاضون ما يكفيهم من الحكومة!
لا يختلف الحال لدى بعض كبار الموظفين الذين يتخذون من سلوك سلاطين وولاة ومسئولى الدواوين المملوكية قدوة لهم، فهم يتسابقون تسابق الضوارى لنهش ما تصل إليه مخالبهم، وأنيابهم وابتلاع ما يسد جوفهم قبل أن تنتهى مدتهم دون أن يجنوا حصائد صبرهم لسنوات على ذل الوظيفة العامة ولى رقابهم خنوعاً لرؤسائهم طمعاً للوصول إلى لحظة قطف الثمار الحرام، وذلك على الرغم من أنه لا يكاد يمر يوم إلا وتكشف الأجهزة الأمنية والرقابية قضية فساد جديدة يتورط فيها موظفون كبار ومستشارون مقربون لوزراء.
تأثير المماليك
السؤال هنا: لماذا كان تأثير المماليك أكبر من غيره، ولماذا تظل آثاره باقية إلى اليوم رغم القضاء عليهم فى مذبحة القلعة منذ أكثر من قرنين من الزمان؟ هذا ما نستكمل الحديث عنه فى الأسبوع القادم.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook