صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

حنان مبكر 

526 مشاهدة

2 مايو 2018



كتب: أحمد الخميسي

فى الثامنة من عمره. توفى والده فانكسرت زهرة الحنان من أمه. أمسى ينام على سريره الضيق، وجهه إلى الحائط يكلم الظلال المتماوجة على الجدار حتى يغمره النعاس. يذهب إلى المدرسة. يلعب على سطح البيت أو مع الأولاد فى الشارع. يفكر فى الطابق السابع. النزهة الوحيدة فى حياته هى الصعود إلى شقة الجيران فى الطابق السابع، عندهم لا يمد يده إلى لقمة لكنه يرى الطعام، لا يتكلم لكن يسمع الضحك، لا يطمئن لكن سكينة تشمله، وهو جالس صامتا يتشبع بالنور من حضور فريال.
لايصعد إلى الطابق السابع إلا بعد أن يتهيأ. يسرح شعر رأسه طويلا باهتمام. يشد أطراف البنطلون الشورت على فخذيه مرات عديدة. يبلل طرف إصبعه بريقه ويمر به على جلد الصندل. وأخيرا حينما يشعر أنه أصبح محاطا بهالة الطاقة التى كانت بداخله يخرج ببطء ويرتقى السلالم صاعدا إلى الطابق السابع. يرتقى الدرج ببطء. مع كل درجة يملؤه الأمل أقوى وأقوي. أخيرا يجد نفسه أمام باب الشقة، وهنا يشعر أنه صبى آخر غير الذى كانه منذ دقائق قليلة. يتمهل. يسحب نفسا عميقا ثم يطرق الباب. فى أغلب الأوقات كانت هى فريال من يفتح له. تنظر إليه بفرحة كأنما وجدت كنزها الصغير. تجلس القرفصاء عند عتبة الباب المفتوح. تمسك خصره بيديها الاثنتين. تقول له: «جـئـت؟». تغمر وجنتيه بقبلاتها الحارة المتلاحقة. تسحبه من يده إلى الداخل. تصيح فى اتجاه المطبخ حيث أمها : «مازن ياماما». يسعده الإعلان عن مجيئه ويشعره مجددا أنه صبى آخر. 
عادة تجره فريال إلى البلكونة التى تطل على صالة سينما صيفى مكشوفة. تجلس على كرسى فوتيه. يقعد على كرسى أمامها. تحنى رأسها وكتفيها نحوه. تمسك كفيه الصغيرتين ترجهما لأعلى وأسفل. تحدق بعينيه طويلا بحنان فياض. تسأله بصوت عميق «من تحب؟». تلهب السخونة وجهه ويتدحرج اسمها من فمه على مقطعين «فر.. يال». تحتويه بين كتفيها الدافئتين : «أنت حبيبى يامازن». تسأل وبسمة فى عينيها «ستحبنى دائما؟ دائما؟». يهز رأسه مغمغما : «نعم»، لأنه لا يعرف كلمات أخرى تصف ما يشعر به، فيكتفى بنعم.
تقول «خل عينك على الصالة لكى لا تطب ماما علينا فجأة». تخرج سيجارة من  جانب الفوتيه. تشعلها. يرفع عينيه نحوها كأنما منحه اختلاسها سيجارة حق تسديد نظرة مباشرة. يتملى من وجهها المشبع بحرارة الشباب. يلمح حمالة قميص النوم عند منزلق كتفها. تضبطه ينظر إليها فتصفف شعرها خلف أذنها وتتأمله. تسأله: «عارف أنى سأتزوج عما قريب؟». يطرق فى صمت. تمسك يديه من دون أن تقول شيئا وتنظر إليه برصانة. تقول: «هذا لازم. فاهم؟ ستكبر وتفهم». تضغط يديه بين كفيها بقوة.  ترتجف كفاه الصغيرتان وينسرب دمعه من بعيد. بعد نحو شهر احتفلوا بعرسها على سطح البيت. أضاءت الكلوبات السطح فأصبح الليل نهارا. صدحت الأغنيات بصوت مرتفع، وتتابعت أقدام المعازيم على صاعدة إلى أعلي. لكنه لم يصعد. ظل جالسا فى البيت حتى جاءت أختها تقول له: «طنط فريال تقول لك إطلع». صعد. مع كل درجة كانت الضوضاء والصيحات المرتفعة تزيد وتسد أذنيه. توقف عند الباب السطح المفتوح بين سيقان الرجال والمعازيم. لمحها جالسة فى «الكوشة» فى فستان أبيض بجوار شاب غريب. لبث مكانه يتطلع إليها مترددا ولا يتقدم نحوها. لمحته فوثبت من «الكوشة» نحوه وفى عينيها الفرحة التى كانت تستقبله بها دائما. انحنت عليه وهمست بصوتها العميق معاتبة :«أتتركنى يوم زفافي؟». قبضت على كفه وجرته. أجلسته على الكرسى بجوارها وأخذت تربت على رأسه  وتغمر كتفيه بقبلاتها.
اختفت فريال بعد شهور. لم يعد ثمة طابق سابع. وخاف إذا سأل عنها أن يخمن الآخرون أنه مغرم، ووحيد، ويسأل عن فريال. وظل يتمتم باسمها مشطورا نصفين «فـر.. يال» وهو فى العشرين، وهو فى الأربعين، وهو فى الستين من عمره. ينزلق من محبة إلى محبة، ومن عطر إلى عطر، بدون أن يفهم ما الذى جرى له فى الطابق السابع.
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس

لن تكون أوروبا كما كانت.. أوروبا التى وضع أساسها الأمريكان بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع جورج مارشال انتهت،  فقد انفج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook