صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

كائنات الحزن اليلية

3080 مشاهدة

13 نوفمبر 2012
كتب : محمد الرفاعي



الولد صابر

- ارتدى ملابسه، هبط الدرجات الحجرية على مهل، توقف لثانية عندما رأى صفاء أمام شقتها، مع نعيمة التى تسكن الشقة المجاورة، التى كانت مصنعا للبلاط، كانت ترتدى جلبابا حريريا ضيقا، فوقه قميص رجالى أبيض، ويبدو صدرها اليمامة متحفزا للانعتاق من فتحة الجلباب، كل صدور النساء المعلقة على الشرفات والنوافذ، والطالعة من وراء الأبواب، فقدت أنوثتها وصارت مستباحة، إلا صدرك يا صفاء.. عنقودان من العنب الطازج، عندما لمحته، وضعت يدها بسرعة على صدرها، وتوارت خلف الباب.. هبط ما تبقى من درجات بسرعة دون أن ينظر إليها، دار حول سور الوسعاية، ودخل شارع محب، كان عم عبده يقف بجوار الكشك الذى صار بلا لون، وهو يربط دراجته القديمة بجنزير حديدى، اشترى منه أربع سجائر، وضعها فى جيب القميص، ومضى عبر الشارع يتأمل المبانى التى شاخت، وفقدت ملامحها القديمة،

 

لاحظ أن الزخارف الحجرية فى قصر الثقافة، الذى اكتشف مؤخرا أن المهندس الفرنسى الذى بناه، هو نفسه الذى بنى قصر البارون أمبان، قد تساقطت، وبدأ الرخام يختفى تدريجيا من الدرجات المؤدية إلى الحديقة، أو بقايا الحديقة، وكان العساكر والمخبرون يتحركون بعصبية أمام قسم الشرطة، انحرف يسارا عبر الميدان الحجرى الصغير إلى شارع البحر، المغسول بالمطر، فبدا كأنه خارج من حمام شعبى، مازال الماء يتساقط من جسده، ويتجمع بجوار الأرصفة، وعندما تمر الأوتوبيسات الزرقاء فى طريقها إلى القرى البعيدة أو أطراف المدينة، حيث المصانع والورش الصغيرة، الممتدة حتى محلة أبوعلى، ترشه مرة أخرى على جسد الشارع الذى يئن تحت وطأة العجلات المسرعة، ووجوه الباعة الواقفين خلف عرباتهم الخشبية، فيسبون السائقين أولاد الكلب، الذين يتعاطون الأفيون، وهم ينظفون جلاليبهم من النقوش الطينية التى انتشرت عليها، بينما يطلق الكمسارية صافرة طويلة حادة، ويضحكون بسعادة، أمام مجلس المدينة وقف عدد من الرجال، يسندون سلما خشبيا على أحد أعمدة الإنارة، بينما يصعد الكهربائى السلم بارتباك، وفى يده ميكرفون كبير، ثم يبدأ فى تعليقه على قمة العامود. فى منتصف الشارع، مع بداية تقاطع شارع الحنفى، جلس بعض العربجية بجوار الحناطير على الرصيف، أمام محلات الصاغة، وهم يشربون الشاى، ويدخنون السجائر اللف، وينتظرون الفرج، وكان عمال البلدية يعيدون فتح المخبأ الوحيد من منتصف الحديقة، ويزيلون الأتربة التى ارتفعت حتى كادت تخفى الباب الخشبى الذى صار قديما، بينما وقف العيال فوقه يصرخون فى مواسير التهوية.. يسبهم العمال فيجرون ويختبئون خلف الباعة، ثم يعودون مرة أخرى للصراخ.

وصل إلى مقهى البورصة.. اختار مائدة تقع على الناصية، حتى يستطيع مراقبة شارع البحر وشارع العباسى فى ذات الوقت، طلب فنجانا من القهوة السادة، راح يرتشفه بهدوء ويدخن السيجارة، التى أشعلها له الجرسون، وهو يتمتم:

 

 

- الحرب موت يا جدعان.

- ياه.. نفس الجملة النبوءة التى قالها ذات يوم فى شارع محب، عزت الحرامى، الذى تطارده الدنيا والمخبرون والعيال فى الوسعاية، تأمل الوجوه المدفونة فى الجرائد والحزن على المقهى، أو الوجوه التى فقدت ملامحها، وتعبر الشارع فزعة كالدجاج الهارب من المطاردة الموت، وجوه واقفة ما بين الحزن والدهشة، ووجوه تتأرجح ما بين الدهشة والبكاء، ووجوه ودعت أحبابها ذات يوم، فاختطفت الصحراء أرواحهم، وتركت صورا قديمة فى براويز خشبية لا لون لها على الحوائط، واسما صغيرا محفورا باللون الأسود، على الشاهد الرخامى الرخيص، فى الخلاء الواسع عند بداية طريق المنصورة، ذلك الشاهد الذى كان فى البداية، وشما مقدسا على ذراع المدينة الذى يمتد حتى بداية الحقول البعيدة، وكان العيال يذهبون إليه فى الصباح.. يقرأون الأسماء والفاتحة، وبعض السور القصيرة التى حفظوها فى المدارس، وفى المساء.. يخلعون عباءة القداسة، ويرتدون عباءة النشوة، ويتبادلون القبلات المسروقة مع بنات مدرسة التجارة الثانوية، محتمين بظلال الضوء الأصفر الشاحب، هو نفسه ذهب إليه ذات يوم مع الولد فريد، كانت الشمس العجوز قد بدأت تتثاءب، وتتمدد فوق شواشى الذرة برعونة، والسماء التفت بشالها الرمادى، بعض العيال يجلسون على بداية الطريق الإسفلتى، أمام راكية النار، يشوون كيزان الذرة التى سرقوها من الحقول، صعد الدرجات الرخامية الثلاث، وبدأ الولد فريد يقرأ الأسماء والعناوين وتواريخ الاستشهاد بصوت عالٍ، كأنه يستحضر تلك الأرواح الهائمة فى فضاء بلا نهاية بحثا عن الأحبة، تتحول إلى فراشات وقوس قزح كما قال له الجد عزب زمان، وتظل تلف الدنيا، حتى تقف على ذراع طفلة صغيرة، فتخاف أن تلمسها، وتجرى فرحة بتلك الألوان المرسومة على حافة السماء.. عندما وصل إلى اسم صابر ابن الحاج محمود، شعر يحيى برعشة غريبة، وسخونة تخمش جسده ووجهه، كأنه سقط فى حقل صبار فى صحراء حارقة، تداخلت الأسماء فوق الشاهد الرخامى، وتحولت إلى كتلة سوداء تطفو فى الفراغ، دعك عينيه بقوة، ازدادت المساحة السوداء، وبدأت تنزف دما، ظل يمتد حتى وصل إلى قدميه، تراجع قليلا.. رأى خلفه الولد صابر، بنفس الأفرول الكاكى الواسع، الذى تفوح منه رائحة الصابون، لاتزال، رغم ضخامة جسده الأبيض، والتصاق فخذيه، الذى كان يسبب له التهابات دائمة، مما يدفعه للسير مباعدا ساقيه، فيضحك عليه العيال فى الوسعاية، ويقولون:

 

- الولد صابر حامل.

 

- وبنفس ضحكته التى تشبه زقزقة العصافير المتقطعة المرتشعة، كان يأتى إلى الوسعاية فى أوقات متباعدة، يرتدى جلبابا أبيضا نظيفا واسع الأكمام، وصندلا بنيًّا، ويضع الفازلين على شعره فيبدو لامعا ملتصقا بفروة رأسه، يجلس صامتا معظم الوقت.. يتأمل السماء الواسعة، خاصة فى الليالى التى تبدو فيها النجوم، كأنها على وشك السقوط فى حجر الوسعاية، هل يرى ما لايرونه؟! أم أخذته الجلالة كما يقول العيال؟!

 

 

ثم يسقط رأسه فجأة على صدره، ويضحك تلك الضحكة الزقزقة، التى يضحك العيال عليها دائما، ويقول لهم.. إنه سمى النجوم بأسماء العيال فى الوسعاية، حتى إذا مات أحدهم، ظل يراه كل يوم.. يحكى له.. ويضحك معه.. وأنه اخترع هذه الطريقة ليهزم الموت، فلا يستطيع أن يخطف منه الأحبة، وكان العيال يقولون إن الولد صابر ركبته العفاريت.. آخر مرة جاء فيها إلى الوسعاية.. لم ينطق بكلمة.. ولم يضحك ضحكته الزقزقة.. فقط نظر إلى السماء.. وقال:

 

- فيه نجمة ماتت يا عيال.

 

ونهض واقفا.. ومضى دون أن ينظر خلفه، أو يلوح لهم مودعا كعادته.. تمتم الولد حمودة الأعرج:

 

- صابر ابن موت.

 

اختفى صابر من الوسعاية.. ومن سوق اللبن، ومن البلد كلها.. وذات يوم.. وقفت عربة جيب عسكرية، أمام دكان الحاج محمود، صافحه الضابط وربت على كتفه، وسلمه مظروفا حكوميا.. فتحه الحاج محمود.. وسقط بجسمه الضخم كالجمل، أمام باب الدكان.

 

- اقترب يحيى منه.. همس له:

 

- أنت مدفون فين يا صابر؟!

 

- ازدادت ضحكته، كأن السماء انشقت عن آلاف العصافير:

 

- الدفنة للميتين يا يحيى.

 

- أبوك كان شايل صورتك، وبيلف البلد يدور عليك.

 

- وأنا شايل صور العيال اللى ماتت على كتفى، وبدور عليهم.

 

- ولقيتهم.

 

- النجوم كثيرة قوى.. والسما واسعة.. والخطوة ضيقة ومجروحة.

 

ومضى بخفة كأنه يطير، دون أن يباعد بين ساقيه، ثم اختفى فجأة.. نظر يحيى إلى السماء، لم ير قوس قزح.. ولا فراشات ملونة.. لا شيئاً غير العتمة والوحشة، وكان الولد فريد قد انتهى من قراءة الأسماء، جلسا على الدرجات الرخامية الباردة، يدخنان السيجارة التى كان الولد فريد يخبئها فى الشراب كعادته دائماً، حطت فراشة بيضاء على النصب التذكارى.. تمتم يحيى دون وعى:

 

- إزيك ياصابر.

 

ترى.. أين اختفى ذلك النصب الرخامى الرخيص؟! هل نقلوه كما نقلوا المقابر، وطارت الأسماء كما طارت النعوش؟! أم تعبوا من قراءة الأسماء والفاتحة والبكاء؟! أم ينتظرون شهداء آخرين؟! الغريب.. أنه ولا واحد فى البلد  كلها.. قد لاحظ اختفاء النصب الرخامى.

 

 الولد عطية

 

يحكون فى بلادنا

 

يحكون فى شجن

 

عن صاحبى الذى مضى

 

وعاد فى كفن

 

كتبها يحيى بالقلم الفلوماستر الأسود على الحائط، بجوار صورة العم «هوشى منه»، وكانت رائحة الخبيز تطارد رائحة المطر، فوق جدران الغرفة المدهونة بالجير الأبيض، وتنام بين عروق السقف الخشبية، والبنت إفراج تحمل فوق رأسها حلة كبيرة تهتز كلما تحركت، فيتساقط الماء على شعرها، وجلبابها الذى تزينه زهور حمراء صغيرة، وترشها فى جوف الفرن، حتى لا تعاود أعواد الحطب الاشتعال مرة أخرى، ثم تهبط الدرجات مسرعة وهى تغنى للقمر المخنوق وبنات الحور، وكان الراديو الترانزستور الموضوع على المكتب تحت النافذة التى انكسر زجاجها، فسدها جليل بقطعة من القماش، يتحدث عن مباحثات الكيلو 101، بين مصر وإسرائيل فى تلك الخيمة الكبيرة، تحت رعاية الأمم المتحدة، أدار جليل الموشر بعصبية حتى توقف عند البرنامج الموسيقى، مسح نظارته عدة مرات فى ملاءة السرير، تأمل الأبيات التى كتبها يحيى لمحمود درويش، قال بصوت يقف بين الحزن والقرف.. ما بين حرب الساعات الست، وحرب الأيام الستة، شربت الصحراء - التى لا ترتوى أبدًا - دم العيال، الهاربين من موت إلى موت، والولد عطية ابن الخالة جميلة، الذى كان يشبه نهار العيد، عاد يمشى بعكازين خشبيين، يضرب بهما العيال فى الحارة، عندما يسألونه عن ساقيه، أو ينزل بهما فوق دماغ أحد زبائن المقهى الذى يجلس عليه طول النهار.. لأهون سبب، وفى الليل.. يظل يبكى وحيداً يخبط بعكازه الخشبى على الجدران، ويصرخ بعزم الروح.. أنا نصف رجل، ثم يعاود البكاء، حتى يسمع صوت زقزقة العصافير على الشجرة الكبيرة، فيدرك أن النهار الفاضح، قد بدأ يعس فى الأزقة والحوارى، فيتكوم على السرير، يسمعه الجيران طوال الليل، لكنهم لا يجرؤن على الاقتراب منه، انفتحت المدن على الحزن والعتمة ياصديقى، من أجل أن يرتدى بطل الحرب والسلام، بذلته النازية، ويحتفل بانتصاره، قال الولد فريد:

 

- نصف انتصار.. ونصف هزيمة.. وبينهما.. نصف وطن.

 

دوى صوت الرعد وسط السكون والعتمة، قال جليل بقرف، لابد أنها ستمطر ثانية، وتضع البلد رأسها الملفوف بالطرحة، فوق وسادة من الطين والوحل، وتغوص ساقاها - حتى أطراف جلبابها الأسود الطويل - فى مياه داكنة لزجة، قال يحيى ضاحكا، حتى يتشقق الحزن فوق الوجوه المتعبة المهزومة، ويتساقط فوق أرض الغرفة الأسمنتية، زمان.. كانت الجدة نجية تقول لنا عندما تسمع صوت الرعد، أن جبال الشتاء تتعارك مع جبال الصيف، التى لا تريد أن ترحل، وعندما تنتصر جبال الشتاء.. تغيم الدنيا، وتسقط الأمطار، فينكمش العيال فى البيوت فوق السجاد اليدوى والحصير، يمصون القصب، أو يضعون صفيحة فوق وابور الجاز المشتعل، ويشوون عليها أبوفروة، ويضحكون عندما تبدأ تلك الحبات البنية الصلبة فى الطقطقة، والنط فوق الصفيحة كأنما ركبتها العفاريت.

 

لم يضحك أحد.. كان الحزن ثقيلاً مثل شتاء المحلة، والروح المرتعشة، تسقط من فوق قمة الصهريج، إلى فراغ لا نهائى، كأن الأرض قد اختفت فجأة، كما يسقط يحيى فى أحلامه دائما، أشعل سيجارة.. دخن نصفها بشراهة، وأعطى النصف الآخر للولد فريد، الذى نظر إليها بدهشة، وقال بغيظ:

 

- أنت بتاكل السجاير؟!

 

بنصف ابتسامة تقف بين الخجل والمرارة، تجاوز يحيى تلك الجملة، التى كان يرددها الولد فريد دائما، كلما تشاركا فى سيجارة، حتى صارت مثل تلك العرسة التى تلبد فى جوف الفرن، وقال بصوت خافت حتى لا يجرح هذا السكون.. إنه قرر السفر إلى الإسكندرية حتى ينتهى من المادتين اللتين يحملهما فوق ظهره منذ ثلاث سنوات، ويتخرج فى تلك الكلية التى أخذت أحلامه الصغيرة، ولم تعطه غير فراشة ورقية كلما طيرها، سقطت على حافة البحر، قال جليل.. لم يعد هناك مبرر للبقاء فى الكلية وقد انتهت الحرب. قال يحيى إنه لم يفعل مثل العيال الذين كانوا يتعمدون الرسوب أو عدم دخول الامتحان، حتى لا يذهبون إلى حرب لا يعرف أحد متى تبدأ، ومتى تنتهى، ولا حتى إن كانت ستبدأ أصلاً، لكنه كان مشغولاً بالمظاهرات والاعتصامات والهروب الدائم من المخبرين.. ارتدى الولد جليل البلوفر الصوفى فوق البيجاما، ونادى على البنت إفراج لتحضر له الدواء، نزل يحيى وفريد.. سارا فى شوارع سوق اللبن الغارقة فى المياه والطين، وهما يحتميان بالشرفات والأرصفة، عندما وصلا إلى تقاطع سعد زغلول.. صرخ الولد فريد فجأة:

 

 

 

يازمان الوصل بالأندلس

ما الذى يجرى هنا فى الغلس

أخدوا منى حبيبى..

فصلونا بسيوف الحرس

ثم أجهش بالبكاء.∎

 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الاقتصاد الإجرامى

فى عالمنا الشرس. هناك عوالم خفية تتحكم بشكل كبير ومخيف فى مجرَى الأحداث. تندلع حروب وتتفشّى أمراض وتُهدَم دول وتُباد أُمَم وتَ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook