صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

تحية إلى راقصة

1007 مشاهدة

6 سبتمبر 2017



بقلم: إدوارد سعيد

ريشة الفنانة: منى عبد الرحمن

ريشة الفنان: جمال هلال

مسيرة أم كلثوم الفنية مسيرة استثنائيّة من حيث الطول، وقد حظيت عند معظم العرب باحترامٍ رفيع على الرغم من انطوائها على تلك النفحة الرومانسيّة القويّة من الإيروسيّة التى نجدها لدى الراقصة الشرقيّة. فالراقصات الشرقيّات، شأن المُغنية العظيمة نفسها، عادة ما كُنّ يُؤدّين رقصاتهن فى الأفلام، وعلى المسارح، والكاباريهات، والأعراس وسواها من الاحتفالات فى القاهرة والإسكندريّة.

فى حين لم يكن بمقدور المرء أن يستمتع حقّ الاستمتاع بالنظر إلى أم كلثوم البدينة الصارمة، فإنّه لم يكن بوسعه ألاّ يُمتّع ناظريه بالراقصات الجميلات، اللاتى كانت بديعة مصابنى لبنانية الأصل نجمتهن الأولى، فضلا عن كونها مُمثلة، وصاحبة كباريه، ومُعلّمة للمواهب الفنيّة. ولقد انتهت مسيرة مصابنى كراقصة مع الحرب العالميّة الثانية، وكانت وريثتها وتلميذتها الحقيقيّة تحيّة كاريوكا، التى هى، فى نظرى، أروع راقصة شرقيّة على الإطلاق. وعلى الرغم من أن كاريوكا قد بلغت اليوم الخامسة والسبعين من عمرها، فإنّها لا تزال فاعلة كممثلة ومناضلة سياسيّة فضلا عن بقائها، شأن أم كلثوم، رمزا بارزا من رموز الثقافة الوطنيّة. فأم كلثوم غنّت فى حفل زفاف الملك فاروق فى العام 1936، وكانت تلك الحفلة الباذخة ذاتها أوّل ظهور لتحيّة. وقد جلبت لها شهرة لم تفقدها بعد ذلك أبدا.
فى عزّها كراقصة فريدة، كانت تحيّة كاريوكا تجسيدا لضربٍ من الإثارة بالغ الخصوصيّة، مما جعلها أنعم الراقصات وأبعدهن عن التصريح، كما جعلها فى الأفلام المصريّة نموذجا واضحا أشدّ الوضوح لـ Femme Fatal. وحين عُدت إلى عدد من الأفلام التى مثّلتها بين أوائل الأربعينيات وعام 1980 وجدتُ 190 فيلما، وحين سألتها فى القاهرة ربيع 1989 عن هذه الأفلام، لم تستطع أن تتذكر الرقم الفعلى لكنّها قدرت أن يكون المجموع أكثر من 200. ولا يكاد يخلو فيلم من أفلامها الأولى من رقصة على الأقل، فجميع الأفلام المصريّة التى لم تُرِد أن تُصنّف ضمن «الدراما الراقية» (حفنة وحسب هى التى أرادت ذلك) كان لا بدّ أن تشتمل على نمرة من الرقص المُرافق للغناء. فهذه كانت صيغة أشبه براقصات الباليه التى كانت ترافق الفصل الثانى فى عروض الأوبرا الباريسيّة فى القرن التاسع عشر: حيث كانت رقصات الباليه هذه تُؤدّى سواء لاءمت القصّة أم لا. وفى الأفلام المصريّة كان من المُمكن لمذيعٍ أن يظهر فجأة على الشاشة ويُعلن عن مُغنّ وراقصة، ليتكشّف المشهد (دونما مسوّغ فى الغالب) عن نادٍ ليلى أو قاعة واسعة، ثم لا تلبث فرقة موسيقيّة أن تعزف ألحانها، ويبدأ العرض.
لقد قدّمت تحيّة مثل هذه المشاهد، لكنّها لم تكن أكثر من مسودّات مُختصرة وغير مصقولة لما كانت تُقدّمه فى الكاباريهات من عروضٍ كاملة، كنتُ قد شاهدتُ واحدا منها وسيظلّ حيّا يُجفل ذاكرتى ما حييت. كان ذلك فى العام 1950. وكان زميلٌ لى مُغامر من زملاء المدرسة قد اكتشف أنّها ترقص فى كازينو بديعة المكشوف فى الجيزة على النيل (حيث يقوم فندق الشيراتون الشاهق)، واشترينا البطاقات، ووصلنا إلى هناك فى المساء المُحدّد قبل ساعتين على الأقلّ من الوقت الذى يُفترض أن تبدأ به، أربعة فتيان مُرتبكين فى الرابعة عشرة من عمرهم. كان حرّ النهار فى ذلك اليوم الحزيرانى قد تحوّل إلى عشيّة مُنعشة عليلة النسمات. وحين أُطفئت الأنوار إشارة إلى دور النجمة، كان كازينو بديعة مُمتلئا تماما، وكانت طاولاته التى يزيد عددها على الأربعين قد ازدحمت بجمهورٍ مصرى من غواة الطبقة الوسطى. أما شريك تحيّة فى تلك الأمسية فكان المُطرب عبد العزيز محمود، أصلع، بليد الملامح بسترة بيضاء، جاء وانغرس فى كرسى من القش وسط المنصّة البدائيّة، وطفق يُغنّى برفقة تخت موسيقى صغير جلس أفراده إلى جانب المنصة. كانت الأغنية «منديل الحلو»، التى تتغنّى مقاطعها التى لا حصر لها، مرّة بعد مرّة وطوال ما يُقارب الساعة الكاملة، بالمرأة التى طوت ذلك المنديل، ومسحت به دموعها، وزيّنت شعرها.
تواصلت هذه الأغنية خمسين دقيقة على الأقل قبل أن تظهر تحيّة فجأةً على بعد بضعة أقدام خلف كرسى المطرب. كنّا جالسين فى أبعد الأماكن عن المنصّة، لكن البدلة الزرقاء الوامضة المتلألئة التى كانت ترتديها خطفت أبصارنا، فيا لذلك اللمعان فى التّرتِر، ويا لوقفتها الهادئة المضبوطة وهى تقفُ هناك واثقة تماما. إنّ جوهر فن الرقص العربى التقليدى، شأن مصارعة الثيران، ليس فى كثرة حركات الراقصة وإنّما فى قلّتها: وحدهن المبتدئات، أو المُقلّدات البائسات من يونانيّات وأمريكيّات، من يُواصلن الهزهزة والنطنطة الفظيعة هنا وهنا ما يُحسب «إثارة» وإغراءً حريميّا. فالهدف يتمثّل فى إحداث أثر عن طريق الإيحاء أساسا (إنما ليس حصرا على الإطلاق)، وذلك عبر سلسلة من الحوادث المُترابطة معا بصيغٍ مُتعاقبة، أو موتيفات متكرّرة، على ذلك النحو من التوليف الكامل الذى قدّمته تحيّة فى تلك الليلة. فموتيف تحيّة الأساسى، بالنسبة لـ «منديل الحلو»، هو علاقتها بعبدالعزيز محمود الذى كان غافلا عنها إلى حدّ بعيد. فكانت تنزلق من ورائه، فيما هو يدندن برتابة، فتبدو كما لو أنّها ستقع بين يديه، مُقلّدة إياه وهازئة منه، كل ذلك من غير أن تلمسه البتّة أو تستثير ردّة فعله.
كانت أُحجيتها الشفّافة تتدلّى فوق البكينى المحوّر الذى يُشكّل جزءا أساسيّا من بدلتها دون أن يكون أبدا مصدر جاذبيّتها الأساسى. فجمال رقصها يكمن فى تكامله: فى ما تُخلّفه من شعورٍ بجسدٍ مُذهل فى لدانته وحُسنه يتماوج من خلف عدّة معقدة من الزينة المؤلفة من الشرائط، والأحجية والعقود، وسلاسل الذهب والفضّة، التى تبعث حركاتُ تحيّة فيها الحياة على نحوٍ مُتعمّد وعلى نحوٍ مُفترض فى بعض الأحيان. إنّها لتقف، مثلا، وتبدأ بتحريك وركها الأبيض ببطء، الأمر الذى يبعث الحركة فى طماقيها الفضيين، وفى الخرز المتدلّى على الجانب الأيمن من خصرها. وإذ تفعل كل هذا، فإنّها ترنو إلى هذه الأجزاء المتحركة وتُثبّت نظراتنا المُحدّقة إليها نحن أيضا، كأنّنا جميعا إزاء مسرحيّة صغيرة مستقلة، مضبوط الإيقاع كلّ الضبط، نُعيد فيها تكوين جسدها على النحو الذى يسلّط الضوء على جانبها الأيمن الذى يبدو كأنّه قد انفصل عن بقية جسدها. كان رقص تحيّة أشبه بأرابيسك متطاول تُحكم صنعه من حول شريكها الجالس. لم تنطط، أو تهزهز نهديها، أو تتقدّم من أحد لتدفعه أو تحتكّ به. كان ثمّة تروّ مهيب فى كلّ شىء بما فى ذلك المقاطع السريعة. وعَلِمَ كلّ منّا أنه يعيش تجربة إيروسيّة هائلة الإثارة، نظرا لإرجائها الذى لا ينتهى، تجربة ما كان لنا أن نحلم بأن نصادف مثلها أبدا فى حياتنا الواقعيّة. وتلك على وجه الدقّة هى النقطة المُهمّة: فقد كان ذلك ضربا من الجنس بوصفه حدثا عامّا، مُخطّطا ومُنفّذا ببراعة، لكنه مستعصٍ تماما على الاكتمال أو التحقّق.
قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّى الخفيف، أما تحيّة فلا. فرشاقتها وأناقتها توحيان بما هو كلاسيكى تماما بل ومهيب. والمفارقة أنّها كانت ملموسة وقريبة كما كانت نائية، لا تُطال، ولا تُنال فى آنٍ معا. وفى عالم الكبت الشديد الذى كنّا نعيشه كانت تلكم الصفات تعزّز الانطباع الذى خلّفته تحيّة. وأذكر على وجه الخصوص أنّها ما إن بدأت ترقص حتّى ارتسم على وجهها ما بدا وكأنه بسمة صغيرة مستغرقة فى ذاتها لازمتها طوال العرض، وكان فمها مفتوحا أوسع مما تكون عليه البسمة فى العادة، كما لو أنّها مختلية بنفسها تتأمّل جسدها وتستمتع بحركاته. لقد طغت تلك البسمة على كلّ بهرجة مسرحيّة مُتكلّفة فى المشهد أو فى رقصها، فنقّتهما بما انطوت على من تركيز مفروض على أفكارها العميقة والشاردة. بل إنّنى ما من مرأة رأيتها ترقص فى الأفلام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التى شاهدتها لها، إلا وكنتُ أعثر على تلك البسمة، مضيئة الخلفيّة التى عادة ما تكون سخيفة مُتكلّفة. بسمتها نقطةٌ ثابتةٌ فى عالمٍ قُلّب.
لقد بدت لى تلك البسمة رمزا لتميّز تحيّة فى ثقافة طلعت علينا بعشرات الراقصات اللاتى يحملن اسم زوزو أو فيفى، معظمهن يوضعن فى مرتبة لا تعلو بأكثر من درجة على مرتبة العاهرات. كان هذا واضحا على الدوام فى مراحل الازدهار المصرى، كآخر أيّام فاروق مثلا، أو حين أتت فورة النفط بالخليجيين الأثرياء إلى مصر، وهذا ما يصحّ أيضا على لبنان حين كان ملعب العالم العربى، بآلاف الفتيات الجاهزات للعرض والإيجار. وبدا فى مثل هذه الظروف أن معظم الراقصات كنّ على استعداد لأن ينتهين إلى المزايد الذى يدفع أعلى الأسعار، حيث كان النادى الليلى مجرّد واجهة مؤقتة للعرض. والملوم فى هذا هو ضغوط ثقافة إسلاميّة محافظة، وكذلك تلك التشوّهات التى أحدثها تطوّر مُتفاوت. فالمرأة المُحترمة الصالحة للزواج هى تلك التى يُكتب لها الزواج قبل أن تبتعد كثيرا عن فترة المراهقة، ولذا لم يكن الصبا أو الجمال ليمنح الفتاة ميزة على الدوام، لأنّ والدها التقليدى قد يرتّب لها بسببٍ من ذلك تحديدا زيجة من رجل «ناضج» حسن الأحوال. أما من يخرجن من دائرة تلك الترتيبات فكنّ عرضة لكل صنوف الخزى والتحقير.
لا تنتمى تحيّة إلى ثقافة الفتيات الرخيصات أو النساء الساقطات التى يَسهلُ تعريفها، بل إلى عالم النساء التقدميّات اللاتى يتفادين الحواجز الاجتماعيّة أو يُزلنها. فقد ظلّت تحيّة مرتبطة بمجتمع بلادها ذلك الارتباط العضوى، نظرا لما اكتشفته لنفسها كراقصة ومحييةٍ للحفلات من دور آخر أكثر أهميّة. إنّه دور العالمة الذى كاد أن يُنسى والذى تحدّث عنه زوار الشرق الأوروبيّون فى القرن التاسع عشر مثل إدوارد لين وفلوبير. فقد كانت العالمة محظيّة من المحظيات، إنّما امرأة ذات مآثر بارزة. ولم يكن الرقص سوى واحدة من مواهبها الكثير: كالقدرة على الغناء وتلاوة القصائد، وطلاوة الحديث، وسعى رجال القانون والسياسة والأدب إلى رفقتها.
ولقد أُشير إلى تحيّة باسم العالمة فى أفضل فيلم لها، ألا وهو «لعبة الست» (1946) الذى كان أيضا من بطولة نجيب الريحانى، أعظم الممثلين والكوميديين العرب فى القرن العشرين، ذلك المزيج المُذهل من شابلن وموليير. ففى ذلك الفيلم تلعبُ تحيّة دور راقصة شابّة موهوبة وذكيّة، يستخدمها أهلها الأنذال للإيقاع بالرجال الأغنياء. أمّا الريحانى، الذى يلعب دور معلم عاطل عن العمل، فمُغرمٌ بها وهى تحبّه بدورها، لكنها تُدفع من قبل والديها إلى مكيدة تجلب لها الثراء بالإيقاع بثريّ لبنان. وفى النهاية تعود تحيّة إلى الريحانى فى خاتمة عاطفية كثيرا قلّ أن سمحت بها بقيّة أفلامها الأخرى. وهى تؤدّى فى هذا الفيلم رقصة قصيرة ومثيرة إلى حدّ الإدهاش، غير أنّ المراد لهذه الرقصة هو أن تكون أمرا ثانويّا تقريبا بالقياس إلى فطنة تحيّة، وذكائها، وجمالها.
ويبدو أنّ المُخرجين قد دأبوا بعد ذلك الفيلم على تثبيت تحيّة فى نسخة أشدّ رداءة من هذا الدور، الذى راحت تعيده فيلما بعد فيلم. فهى المرأة الأخرى، نقيض البطلة الفاضلة، المقبولة محليّا، والأقل إثارة بكثير. غير أنّ مواهب تحيّة تُشعّ حتى ضمن تلك الحدود. فهى تدفعك للاعتقاد بأنّها أشدّ إثارة كرفيقة وعشيقة من المرأة التى تتزوّج البطل، فتبدأ بالتفكير بأنّ ذكاءها وإغراءها الشديدين هما ما يفرض تصويرها فى صورة المرأة الخطيرة، العالمة التى هى أعلم، وأذكى، وأشدّ انفتاحا من أن يحتملها أى رجل فى مصر المعاصرة. وما إن جاءت الخمسينيات حتى غدت تحيّة النموذج الذى تنسج عشرات الأفلام المصرية على غراره فى رسم صورة المرأة-الشيطان. ففى «شباب امرأة»، الذى يُعتبر فيلما كلاسيكيا متأخّرا، تلعب تحيّة دور أرملة قاسيّة تتضوّر جوعا للجنس وتؤجّر غرفة لقروى جميل وساذج وصل من القاهرة حديثا طلبا للعلم فى الأزهر، فتغويه وتتزوجه، غير أنّه يفيق من سحر تحيّة الشبيه بسحر سيرسى. ما إن يلتقى ابنة صديقٍ للعائلة شبيهة بالملاك، فيتنكّر لتحيّة، ويهجرها سعيا وراء الصبيّة المأمونة المملة. غير أنّ هذه الحكاية العادية تشتمل على مشهد عظيم تسحب فيه تحيّة زوجها الشاب من احتفال فى الشارع ترقص فيه راقصة فتيّة خلبت لبّ الطالب الغرّ. تأخذه تحيّة إلى البيت، وتُجلسه، وتقول له أنّها ستُريه الآن كيف يكون الرقص على أصوله. وهكذا تقدّم عرضا خاصّا مُلتهبا حقّا، مُثبتة أنها لا تزال - ولو صارت فى أواسط عمرها- الراقصة الأبرع، والأذكى، والموضوع الجنسى الأشدّ إثارة للرغبة.
مثل كثير من المُغتربين الذين مثّلت تحيّة واحدا من رموز شبابهم الجنسيّة العظيمة، كنت أفترض أنّها ستظلّ ترقص ربما إلى الأبد. فتصوّر الصدمة العنيفة حين عُدتُ إلى هناك صيف العام 1975، بعد غياب عن مصر لخمس عشرة سنة، وقيل لى إن خبطة القاهرة المسرحيّة التى فاقت كل خبطة أخرى فى عرضها المستمر هى من بطولة تحيّة كاريوكا وآخر أزواجها، فايق حلاوة، الذى قام أيضا بكتابة المسرحية، يحيا الوفد. وفى الليلة الثانية لوصولى إلى القاهرة، ذهبت إلى سينما ميامى القديمة، التى غدت الآن مسرحا فى الهواء الطلق، وكلّى حماس وترقّب لأن أستعيد فى هذه الفرصة النادرة شيئا من شبابى الذى كاد أن يُدفن. كانت المسرحيّة هزلية شديدة الطول والابتذال عن جماعة من القرويين المصريّين الذين فُرض عليهم وفد من الخبراء الزراعيّين السوفييت. وقد عَرَضت المسرحيّة بلا هوادة سماجة هؤلاء الروس وصرامتهم (كان السادات قد طرد جميع الخبراء الروس فى عام 1972) وراحت تتغنّى بفضح المصريين الفطن لمُخططاتهم. وقد بدأت المسرحيّة حوالى الساعة التاسعة والنصف، لكنّى لم أستطع التحمّل أكثر من ساعتين ونصف الساعة (أى النصف) من هزلها الأحمق.
لقد شكّل ما آلت إليه تحيّة خيبة كبيرة بالنسبة لى. كانت تُؤدّى دور الفلاحة الأشدّ زعيقا وفظاظة، والتى أجّرت كبشها الفحل ليقوم بالتعشير والإلقاح (مع قدرٍ كبير من النكات السمجة عن الفحولة الجنسيّة). غير أنّ ما فاجأنى وأذهلنى هو مظهر تحيّة وأسلوبها. فلقد غابت المُغرية السمراء الضاربة إلى الصفرة، والراقصة الرشيقة بالغة الأناقة بإيماءاتها المُؤدّاة على النحو الأكمل. وتحوّلت إلى قبضاى مُتبجح يزن 220 رطلا، وكانت تقف، ويداها على وركيها، وتكرّ الشتائم، وتقذف بأغلظ النكات القصيرة، وأضيق التوريات وأسهلها، بأسلوبٍ رخيص لا يكاد أن يكون أهلا للمشاهدة، كلّ ذلك فى خدمة ما بدا على أنّه أردأ أنواع السياسات الانتهازيّة الموالية للسادات، والمعادية لعبدالناصر. كانت تلك مرحلة راحت فيها السياسة المصريّة تحاول إرضاء هنرى كيسنجر، مُتخلية عن التزاماتها التقدميّة، والعربيّة، و«العالمثالثيّة» التى طبعت تاريخها بعد 1954 تحت حكم عبدالناصر. ولقد أحزننى أن أرى تحيّة وزوجها الصغير المهزول متورطين فى شىء هكذا.
خلال الأربعة عشر عاما التى تلت تلك الزيارة إلى مصر، كان ثمة نتف وأجزاء من المعلومات التى أضفت مزيدا من التعقيد على صورة تحيّة. وعلى سبيل المثال، فقد أخبرنى عالم اجتماع مصرى مشهور أن تحيّة كانت على صلة وثيقة بالحزب الشيوعى فى الأربعينيات والخمسينيات. كانت تلك، كما قال، «فترة تجذّر الراقصات الشرقيّات». وفى عام 1988 علمتُ أنها كانت فى أثينا مع مجموعة من الفنانين والمثقفين المصريّين والعرب الذين عزموا على ركوب «سفينة العودة» فى رحلة إياب رمزيّة إلى الأراضى المقدسة. وبعد أسبوعين من الحظوظ العاثرة المتوالية فجّرت المخابرات الإسرائيليّة السريّة ذلك القارب وتمّ التخلّى عن المشروع. وسمعت بعد ذلك أن تحيّة قد برزت أيضا كواحدة من قادة نقابة ممثّلى السينما ومخرجيها ومصوّريها، وهى نقابة متقدّمة كثيرا من الناحية السياسيّة وشديدة الجهر بآرائها. فما هى إذا حقيقة هذه الراقصة التى بلغت الآن الخامسة والسبعين من عمرها والتى تبوأت موقعا رفيعا يكاد أن يكون مؤسساتيا فى ثقافة مرحلة ما بعد السادات فى مصر أواخر القرن العشرين؟
لقد ضربتُ موعدا مع تحيّة من خلال صديقتها نبيهة لطفى مخرجة الأفلام التسجيليّة. فإذا بها تعيش فى شقّة صغيرة على بعد شارعٍ من المكان الذى رأيتها ترقص فيه منذ أربعين عاما. ورحّبت بى وبنبيهة بنُبلٍ مهيب لم أتوقعه. كانت ترتدى ثوبا أسود قاتما، وتضع ماكياجا حسنا، لكنها كانت تُغظى ذراعيها وساقيها بكمّين طويلين وجوربين غامقين مثل أيّ مسلمة تقية. كانت أقلّ ضخامة ممّا رأيتها فى السابق، ولم يبدُ عليها أيّ ابتذال. ولقد أوحت بثقلٍ وسلطة ينبعان من كونها أكثر بكثير من مجرّد راقصة سابقة. لعلّها أسطورة حيّة، أو حكيمٌ شهير: العالمة شبه المتقاعدة. وراحت نبيهة تناديها بـ «الحاجة» وهو النعت الإسلامى الذى يُطلق على النساء الكهلات اللاتى حججن إلى مكّة، وما عزّز هذه التسمية لم يقتصر على مظهر تحيّة الوقور إلى أبعد الحدود بل تعدّه إلى صور مكّة الكثير المعلّقة على الجدار والمصحف الذى تسهل رؤيته على الطاولة القريبة. وإذ جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، راحت حياتها تمرّ أمامنا فى استعراضٍ مهيب.
فهى تنحدر من عائلة من الإسماعيليّة لها باعٌ طويل فى السياسة، واسمها الحقيقى هو تحيّة محمد كريم. وكان البريطانيّون قد قتلوا عمّها، كما حمل ثلاثة على الأقل من أفراد عائلتها اسم نضال، كما قالت تحيّة بافتخار. أما أبوها فقد اُعتُقل لبعض الوقت. وبدا فى تحيّة شىءٌ من «طرطوف»، وهى تصف مشاعرها حيال الرقص- قالت إنّها تحسّ كأنّها فى معبد- غير أن ذلك تبدّد وهى تحكى عن قناعاتها بأن رقصها كان يتخطّى إثارة الرجال كما تفعل بعض الفنانات، وقالت باقتناع مطلق: «حياتى، كراقصة، كانت حلوة، وأنا أحبّها». ولقد عدّت تحيّة نفسها - محقّة، كما أرى- جزءا من نهضة ثقافية كبرى، من حركة إحياء وطنى فى الفنون قامت على حركة سعد زغلول الاستقلاليّة الليبراليّة وثورته فى العام 1919، حيث ضمّت الوجوه الفنيّة لهذه النهضة كُتابا مثل نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، ومغنين مثل أم كلثوم وعبدالوهاب، وممثلين مثل سليمان نجيب والريحانى. وكانت تحية الفتاة الصغيرة قد تعلّمت الرقص على يدى بديعة مصابنى، التى نصحتها بألّا تتسكّع فى النوادى الليليّة والبارات حين تنتهى من تقديم وصلتها. وأضافت تحيّة بحزن أنها وجدت صعوبة كبيرة فى استعمال الصنوج، لكنها أفلحت فى ذلك آخر الأمر بفضل بديعة، المرأة التى يأتى ذكرها على لسان تحيّة مقرونا بالحبّ والتبجيل.
ومع مجىء الشاى والبسكويت طلبتُ منها أن تحكى لنا عن حياتها السياسيّة. وكان ما قالته مفاجئا بالنسبة لى، إذ علمتُ لأوّل مرّة أنها كانت على الدوام منتمية إلى اليسار الوطنى (حيث سجنها عبدالناصر فى الخمسينيّات، كما قالت، لانتسابها إلى عصبة السلام، وهى منظمة موالية لموسكو) وأنها تستصغر شأن قادة مصر الحاليين. وسألتها عن يحيا الوفد الشنيعة. فقالت: لقد نُظر إلى المسرحيّة على أنها مسرحيّة ساداتيّة، إلا أنها اعتبرتها مسرحيّة عن استعداد المصريّين الدائم للاعتقاد بأنّ الأجانب «أفضل منا». وهذا التبرير غير المُقنع لما واصلتُ اعتباره مسرحيّة انتهازيّة مؤيدة للسادات ساق تحيّة إلى نقد عنيف لزوجها السابق، فايق حلاوة، الذى جرجرها، كما قالت، من كارثة إلى أخرى. وسألتنى: «ما الذى يجعلنى، برأيك، أعيش هنا وليس فى بيتي؟ لقد أخذه بكلّ ما فيه، بما فى ذلك صورى وأفلامى، ولم يترك لى أى شىء». وسرعان ما عادت الحيويّة لتحلّ محلّ المراثى حين سألتها عن الولايات المتحدة، التى سبق لها أن زارتها عددا من المرات. وكانت فى إحدى هذه الزيارات قد قطعت أمريكا بالسيارة، فى رحلة قالت إنها رائعة. «لقد أحببتُ الناس، لكنّنى أكره سياسة حكومتهم».
كان الحديث مع هذه المرأة المسنّة الجليلة أمرا مُبهجا بالنسبة لشخصٍ ترعرع على الأفلام المصريّة دون أن يعرف الكثير عن خلفيّتها، ومثّل له رقص تحيّة ذكرى غنيّة لم يسبق أن استكشفها بما فيه الكفاية. ولقد كانت تحيّة مصدر معلومات فى عدد هائل من الموضوعات تحدّثت عنها جميعا بدفءٍ وظّرف، وسخرية شديدة الجاذبيّة. وفى لحظة قطع حديثها أذان العشاء مُنبعثا من مئذنة جامعٍ قريب هدارا يشقّ الأذن. وفى الحال صمتت تحيّة، وأغمضت عينيها، ومدّت يديها براحتيها المفتوحتين، وراحت تُرافق المؤذن فى تلاوة الآيات. وما إن أنهت دعاءها حتى انفجرتُ بسؤال مُحدّد تماما ويائس كنت قد كتمته طويلا فى داخلى، ربما منذ رأيتها ترقصُ عام 1950: «كم مرة تزوجت يا تحية»؟ كان هذا أقربُ ما استطعتُ التوصل إليه فى سؤالها عن الصلة بين حسيّة رقصها (وبسمتها المُدهشة تلك) وحياتها الخاصّة.
تبدّلت ملامحها تبدّلا صاعقا. ولم تكد تنهى صلاتها حتّى استقامت فى جلستها ردا على سؤالى، وانتصب مرفقها على نحوٍ مستفزّ فى وجهى، فيما راحت ذراعها الأخرى تلوّح فى الهواء على نحوٍ خطابى. «كثيرا»، ردّت بحسم، وبصوتٍ ينمّ على الصفاقة التى يقرنها المرء بفتيات الليل. وبدت عيناها ونبرتها كأنّها تُضيف: «ومالو؟ لقد عرفت الكثير من الرجال». ولكى تُخرجنا نبيهة، المدقّقة أبدا، من هذا المأزق الصغير، سألَتها عمّن أحبّت أو أثّر فيها من هؤلاء الرجال. فردّت بقسوة: «لا واحد. إنهم مجموعة من أولاد الزنى الخسيسين». وأعقبت إعلانها هذا بسلسلة من الحشو. وبعيدا عن استقالة الشيخوخة الورعة وعزلتها، فقد كشف هذا الجيشان عن شخصيّة فردانيّة ومُقاتلة. غير أنّنى شعرتُ أيضا بتلك الروح الرومانسيّة لدى شخصٍ خُدع مرارا، لكنّه على استعداد أن يقع فى الحب من جديد إذا ما واتته الفرصة. لقد أرّخت لنا تحيّة بتفصيل لا رحمة فيه آخر المتاعب التى عاشتها مع رجل، هو ذلك الوغد فايق حلاوة. غير أنّ تعاطفنا معها كان كاملا، شأنه حين راحت مع نبيهة تطاردان موزّع أفلام ثريّا كان يُحاول التلاعب بأمور النقابة. وتنهدت تحيّة قائلة: «آه من الرجال»، فيما عيناها تتطلّعان إليّ بفضول.
لقد عرفت تحيّة تقاليد عالمها وقوالبه، وكانت تحترمها إلى حدّ بعيد. فقد كانت ابنة مطيعة فى الماضى فى الماضى، وها هى الآن عجوز مسلمة تقيّة. غير أنّ تحية كانت أيضا رمزا لكل ما هو غير مُدار، وغير مضبوط، وغير مُختار فى ثقافتها: لقد كانت حياة العالمة، والراقصة، والممثلة الفذّة حلا مثاليا لتصريف مثل هذه الطاقات. فبمقدورك أن تحسّ بتلك الشجاعة التى تبديها فى علاقتها بمراكز السلطة، وبالتحدى الذى لدى امرأة حرّة. وحين ذهبتُ إلى أرشيف السينما المركزى فى القاهرة فى اليوم التالى للبحث عن صورٍ لها ومواد مكتوبة عنها، لم أجد سوى مسلخ، شقّة صغيرة فى وسط المدينة التجارى، فيها من العمّال ما يفوق الحاجة، وفيها من التصاميم الغامضة لكتابة تاريخ مصر الفنّى الغنى أكثر ممّا فيها من الخطط الرامية لتنفيذ ذلك. ووجدتُ حينئذٍ أن تحيّة هى تاريخها ذاته، تاريخٌ غير موثّق إلى حدّ بعيد لكنّه لا يزال مهيب الحضور، بل وهدّاما.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook