صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

حلم الثورة الصناعية الذى ولّى

1438 مشاهدة

1 اغسطس 2017
كتب : د. محمد سعد وريشة الفنان: خضر حسن



قدمت البرامج الحوارية المسائية لجمهور متابعيها خلال السنوات الأخيرة عددا من الأكاديميين وبعض رجال الأعمال والصناعة وآخرين من النخبة المختارة من القيادات السابقة بالمؤسسات المالية والمصرفية الدولية ومنحتهم لقب (الخبير الاقتصادى)، وذلك بهدف استعراض رؤيتهم تجاه القرارات والسياسات المتبعة أو المقترحة للنهوض بالاقتصاد القومى. الأمر الذى أعطى مجالاً واسعاً للتنظير الاقتصادى وذيوع آراء هؤلاء (الخبراء الاقتصاديين) فى المناقشات التى تدور بين المشاهدين غير المختصين بالنواحى الاقتصادية، على الرغم من عدم وضع تلك الرؤى فى حجمها الصحيح من خلال طرحها للمناقشة من جانب (خبراء) آخرين لإيضاح مدى صلاحيتها للتطبيق وعما إذا كان يعتد بها من عدمه.

بنى معظم هؤلاء الخبراء تحليلاتهم ومقترحاتهم على (خبراتهم) الأكاديمية والعملية فى مجال عملهم، فمنهم من انبرى لتأكيد أنه لا بديل عن التوسع فى (الصناعات التحويلية) (Manufacturing industries) وهى الأنشطة الصناعية والتجارية التى تتضمن تحويل المواد الخام إلى منتجات وسلع وتأسيس المصانع فى ربوع البلاد لتحقيق ذلك، رافضين بشدة اعتماد الحكومات المتعاقبة على (الاقتصاد الريعى) وهو تحقيق العوائد الربحية من بيع المواد الخام كالنفط والمعادن والمنتجات الزراعية دون استغلالها ضمن المنظومة الصناعية.
 كما أسهب آخرون منهم فى استعراض أهمية المشروعات الصغيرة والمت وسطة ومتناهية الصغر وأثرها البالغ فى تحسين الأوضاع الاقتصادية وخلق الوظائف للشباب، مؤكدين تأييدهم للخطوات التى اتخذها القطاع المصرفى مؤخراً فى مجال دعم القروض لأصحاب ذلك النمط من المشروعات وفقاً لتعليمات البنك المركزى، فى حين أشاد بعضهم خلال تحليلاتهم للأوضاع الراهنة بالمشروعات الضخمة التى أنجزتها الدولة أو مازالت فى حيز التنفيذ فى مجال البنية التحتية ومشروعات الإسكان. بالطبع، لا يسعنا التشكيك فى المنطلقات الوطنية لآراء تلك الفئة من الخبراء أو نواياهم، إلا أن تقييم آرائهم ووضعها فى السياق العلمى والعملى والزمنى ليس من قبيل إساءة الأدب أو الإقلال من شأنهم.
دعنا نلقى الضوء على بعض المفاهيم الاقتصادية الأولية ومراحل تطورها الذى شهدته السنوات الأخيرة. كان انتشار الصناعات كثيفة الإنتاج (Mass Production) السمة المميزة لعصر الثورة الصناعية (1800-1950) الذى بزغت إرهاصاته خلال أواسط القرن الثامن عشر مع تحول الورش إلى خطوط إنتاج منتظمة وانتقال الحرف وممارسيها (المُعلم «الأُسطى» - المُتدرب) إلى تنفيذ عمليات التصنيع المقسمة إلى عدة مراحل أو أشواط، عقب ابتكار صانع الأسلحة الفرنسى «أونرى لو بلان» (HonoréLe blanc) الأجزاء الميكانيكية القابلة للاستبدال  (interchangeable parts) وبالتالى ظهور مبدأ (التخصص) وهو ما سيكون محور حديث موسع فى الأسبوع المقبل.
ربما قد تسعفنا الذاكرة لاستدعاء بعض دروس مادة التاريخ خلال المرحلتين الابتدائية والإعدادية (فى المدارس الحكومية بالطبع)، هل نتذكر دخول جيوش السلطان العثمانى سليم الأول الغازية إلى مصر فى عهد السلطان المملوكى طومان باى عقب معركتيّ مرج دابق (1516) والريدانية (1517)، تذكر المصادر التاريخية قيام العثمانيين عقب احتلالهم بلادنا بترحيل جميع معلمى الحرف والصناع المصريين قسراً إلى الأستانة. هل وضحت الفكرة؟ أرجو ذلك، بحرمان مصر من أولئك العمال المهرة ومدربيهم تم الإجهاز على التحول الطبيعى لعصر الحداثة،  أى تطور الحرف إلى صناعات، والقرى الزراعية إلى مدن صناعية وفقاً للمراحل الانتقالية التى شهدتها دول أوروبا على الجانب الآخر من البحر المتوسط. 
بعد المقدمة الطويلة الشارحة لمفهوم عصر الصناعات التحويلية كثيفة الإنتاج المعروف بالثورة الصناعية وكيف حرمنا منها لأسباب خارجة عن إرادتنا.. أيها السادة الخبراء، نتأسف بشدة.. لقد انتهى هذا العصر وولًّى منذ نحو 40 عاماً تقريباً دون أن نلحق به، ولا مجال للحاق به فى عالم يشهد تغييراً يجرى دون انتظار للمتعثرين والمتباطئين وأسرى حالة مأساوية من النوستالجيا. دون الحاجة إلى التنظير، نحن نعيش عصر المعلومات وثورة الاتصالات التى أسفرت عن تغيير شامل فى مفاهيم التصنيع ومنظومة الإنتاج السلعى وتسويقه وتوزيعه، بل نحن مقبلين بمنتهى السرعة على عصر آخر تحل فيه الماكينات والروبوتات نتاج تقنيات الذكاء الصناعى (Artificial Intelligence) مكان البشر من أصحاب الياقات الزرقاء والبيضاء على السواء بصورة كاملة.
السؤال المتوقع عقب صيحات الاستنكار من خبرائنا المنتمين لحقبتيّ الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى: هل أغفلنا عامدين المصانع التى أنشأتها الدولة فى إطار إحداث نقلة اقتصادية شاملة من اقتصاد زراعى تقليدى إلى صناعى حديث؟ بالطبع لم ننسَ تلك الإنجازات ولا ننكرها، ولكنها تمت فى إطار اقتصاد موجه من الدولة عقب اتخاذ القرارات الاشتراكية وتأميم الكيانات الاقتصادية الخاصة التى كانت تشكل حجر زاوية اقتصاد مصر قبل ثورة يوليو 1952 وليس تحولاً اقتصادياً واجتماعياً طبيعياً، دون الدخول فى خلاف جدلى حول أثر ذلك التوجه الاقتصادى وما أسفر عنه من نتائج إلى يومنا هذا. لكن ما ينبغى الإشارة إليه أن الدولة فى تلك الفترة أحدثت تحولاً جذرياً فى بنية الاقتصاد القومى من نظام إقطاعى يعتمد على الزراعة إلى اقتصاد اشتراكى يقوده القطاع العام بمصانعه وشركاته.
إذن ما هو الحل؟ ببساطة شديدة، وضع رؤية شاملة لاقتصادنا الوطنى باستخدام منهج التخطيط الاستراتيجى وفقاً لآخر مستجدات عصرنا الحالى دون النظر لأحلام الماضى، ولتنفيذ ذلك يجب تحديد مواردنا المادية والبشرية والتقنية بشكل دقيق وبالأرقام لبناء اقتصاد حديث متعدد الأنماط، لأن التجربة الراهنة أثبتت أن الاعتماد على مورد واحد فقط أدى إلى إفلاس مدينة «ديترويت»، (Detroit) قاعدة صناعة السيارات الأمريكية خلال عام 2013 فى ضوء التحولات الاقتصادية الكبرى التى يشهدها العالم منذ عام 2008.
 لا توجد مشكلة فى قيام القطاع المصرفى ممثلاً فى البنوك العامة والخاصة بممارسة دور محورى فى منظومتنا الاقتصادية على ضوء توافر رؤوس الأموال لديها وتطبيقها قواعد منضبطة لمنح القروض وتمويل المشروعات، ولكن ذلك لا يجعلها المخطط الوحيد للاقتصاد بحيث يتم إسناد تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر إلى بنوك تجارية واستثمارية بالأساس!! لأن ذلك يعد خلطاً للأوراق ويشوبه عدم الجدية فى التعامل مع ذلك النمط من المشروعات.
خلاصة القول، صياغة رؤية اقتصادية حديثة وشاملة بناء على إمكانياتنا ومواردنا والإعلان بشكل واضح عن توجهنا الاقتصادى وأهدافنا خلال فترة زمنية محددة  لا مانع أن يتم تحقيقها خلال 30 عاما مقبلة- يمثل الإطار العام الذى يتيح للجمهور تقييم وجهات نظر الخبراء ورجال الأعمال والصناعة والمؤسسات المالية والمصرفية، دون خلق حالة من التخبط والبلبلة والتأثير على ذهنية الرأى العام سواء بحسن نية أو وفقاً لخلفية بعض (الخبراء) الأيديولوجية أو بهدف تحقيق مصالح فئة ما. أولاً وأخيراً.. لا يمكن أن تتجاهل تلك الرؤية الأثر المتوقع على كل من طبقات المجتمع على حدة ومدى مساهمتها فى تحقيق طموحاتها، فحلم الصعود الطبقى خاصة للطبقة المتوسطة التى تقود المجتمعات على مستوى العالم حتمية تاريخية، بل يترتب على غيابها عن التخطيط الاقتصادى فشل مؤكد لخطط التنمية؛ بل خطر داهم على الاستقرار الاجتماعى والسياسى، ولهذا حديث آخر فإلى لقاء قريب. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس

لن تكون أوروبا كما كانت.. أوروبا التى وضع أساسها الأمريكان بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع جورج مارشال انتهت،  فقد انفج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook