صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

إحنا وهما.. فرمان نسائى بقوة القانون

201 مشاهدة

14 فبراير 2017
كتب : د. حسن عبدربه المصري وريشة: كريم عبدالملاك



عن امرأة من سيدات الصعيد الذى نشأت وتربيت فيه، أحكى لكم.. هنا اشتهر أبناء عائلتى الكبيرة بأنهم مجتهدون فى جميع شئون حياتهم ، خاصة الزراعية.. كلهم على قدر كبير من المفهومية والجدعنة.. ثقافتهم ونقاشاتهم تحظى بالاحترام والتقدير.. مجاملون على قدر طاقتهم.. عدد لا بأس به منهم أنهوا دراستهم الجامعية.. البعض منهم يحتل مناصب تنفيذية مرموقة.. والبعض الآخر فاز بعضوية مجلس الشعب مرة ومرتين.. والبعض الثالث أخذته اهتماماته الدراسية إلى مناصب ومهام تعليمية وسياسية ذات وزن.
بين هؤلاء وهؤلاء.. تفرد عمى الأصغر بأنه الوحيد الذى سافر إلى الخارج وحصل على شهادة الدكتوراه «من بلاد بره» وعاد لينضم إلى تيار الأكاديميين الذين شاركوا مادياً ومعنوياً وعلمياً فى إقامة أول صرح جامعى فى  عاصمة محافظتنا.. وعلى قدر إسهامه فى خدمة طلابه، منح المتبقى من وقته لأبناء العائلة القريبين والبعيدين من أجل تثقيفهم ومساعدتهم على حسن التخطيط لمستقبلهم العلمى والعملى. 
رزق عمى هذا ببنت واحدة، عانت زوجته بعد إنجابها من مرض منعها من الحمل مرة ثانية.. فاض شغفه بالأولاد على أولاد أشقائه وشقيقاته.. وانعكس حبه لهم فى أشكال متعددة.. يغلب عليها الترغيب فى الاطلاع.. فتح مكتبته الخاصة لنا جميعاً للتعرف على ما فيها من كتب ومقتنيات.. وشجعنا بمكافآت مالية رمزية على ترتيبها وصيانتها، وقراءة ما يناسب أعمارنا من كتبها المبسطة والقديم من أعداد مجلات الأطفال التى كان يحتفظ بها.
• اهتمام خاص
احتضننى عمى كابنه الذى لم يُنجبه.. وخصنى منذ الصغر برعاية ملحوظة حيث كان يجلسنى إلى جانبه يشجعنى على الحديث ويستمع إلى.. ولما تجاوزت العاشرة من العمر، أوكل إلى مسئولية الإشراف على من هم فى سنى أو أصغر منى عندما يتواجدون فى البيت الكبير لأى مناسبة.
يسرت لى هذه العادة التفوق فى مرحلتى الدراسة الإعدادية والثانوية.. وبسببها حصلت على مجموع مناسب فتح لى باب الالتحاق بكلية الآداب التى كنت أحلم بالانتساب إليها.. ومع بداية عامى الأول بها أدركت لماذا خصنى عمى بقسط أكبر من الاهتمام بين أقرانى.
شدتنى مناهج النقد الأدبى ونظرياته إلى مزيد من القراءة.. ووجدت فى مكتبة عمى كنزاً يفوق ما توقعه منا أساتذتنا.. طبقت نظريات النقد الأدبى التى كنت أدرسها بقسم اللغة العربية على كل ما سبق لى الاطلاع عليه.. واكتشفت أن ما انطبع فى ذهنى من هذه القراءات الأولى شىء، وما يمكن استنتاجه من القراءة الممنهجة شىء آخر.
استثمر عمى تفوقى الجامعى لكى يدربنى على استخدام المنطق ومناهج البحث بهدف تعزيز احتلالى مقدمة المتخرجين.. يومها رأيت فى عينى ابنته فرحة وسعادة غامرة وفى وجه أمها حناناً دافقاً.
اقتربت أكثر وأكثر منه بعد فوزى بوظيفة المعيد وأمضيت إلى جواره ساعات طوال، طمعاً فى الاستفادة من خبرته لوضع خطة نيل درجة الماجستير.. ولأول مرة تتابع عيناى كيف نضجت بنته وصارت شابة واعدة خلقا وجمالاً.. وبالتدريج لاحظت أنها تحتل مخيلتى بعد أن أغادر منزلهم إلى أن ألقاها بعد العودة من مدرستها الثانوية فى اليوم التالى.
هل هو الحب الأول كما قال الروائى إحسان عبد القدوس؟؟ ربما.
اغرورقت عيناى بالدموع وأنا أستمع إلى رئيس لجنة مناقشة رسالتى وهو يتلو قرار منحى درجة الامتياز، ولم أجد على لسانى ما يعبر عن امتنانى لعمى الذى وافته المنية قبل عام تقريبا إلا أن أهدى تفوقى إليه.. واستكملت ذلك بتقبيل رأس أرملته عرفانا وتقديرا.. وتقبلت تهنئة ابنتها بحب وامتنان عبرت عنه عيوننا.
• منحة الدكتوراة
قبل انقضاء العام فزت بمنحة للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة إكسترا بالمملكة المتحدة.. ورغم انشغالى بتحضير الأوراق والمستندات.. لم أتخلف عن السؤال عن بيت عمى بالزيارة، وعبر الهاتف كنت أسرق بعض الوقت لأطمئن على ابنته.. قبل أن تعطى السماعة لأمها.
وحان يوم السفر إلى القاهرة.
سلمت على الجميع.. وأبقيت بيت عمى إلى قرب النهاية.. وانتهزت فرصة انشغال أرملته ببعض شئون المطبخ.. وأشرت إلى الغالية «ندا» أن تلحق بى فى المكتبة.. تهامسنا بكلمات مضعمة.. وشجعت نفسى على النطق.. وقلت لها إننى أحبها وسوف أعود إلى مصر «مخصوص» بعد أشهر قليلة لأعقد القران عليها.. ونعود معا إلى لندن لاستكمال رسالة الدكتوراه.
كانت مفاجأة غير متوقعة.. أغمضت عينيها حالمة.. انتهزت الفرصة واحتضنت وجهها وطبعت قبلة خفيفة وسريعة على جبهتها.. وقبل أن ألمس شفتيها.. سمعت صوت أرملة عمى.. صاخباً يقول.. «بعد اللى عملته.. البت دى محرمة عليك إلى يوم الدين».. ثم أضافت وهى تشير ناحيتى بطول ذراعها.. «أخرج يا ولد على داركم.. مش عايزة أشوف وشك هنا تانى.. سامع».
فتحت «ندا» عينيها مرعوبة.. عادت خطوات إلى الوراء حتى التصقت بأرفف المكتبة.. جف حلقى وزاغت عيناى.. انسحبت وأنا أجرجر قدمى.
مرت السنوات وعدت بعد نيل الشهادة العلمية.. ولم أدخل بيت عمى إلا للقيام بواجب العزاء فى وفاة زوجته يرحمها الله.
• قرار نسائى مبرر..
القادمون إلى جامعات أوروبا لاستكمال دراساتهم الجامعية أو للحصول على درجات علمية عُليا.. لا يجدون صعوبات كبيرة فى العثور على سكن لهم داخل بنايات كلياتهم أو بالقرب منها.
البعض يُفضل السكنى بعيداً عن لوائح الإقامة داخل الحرم الجامعى، ظناً منهم أن حرياتهم ستكون أكثر اتساعاً وتنوعا .. بينما يتمسك الجادون منهم بالقيود حتى يكونوا أكثر التزاماً بخطط المستقبل التى أعدوا أنفسهم لها.. ثم يكتشف هؤلاء وهؤلاء بمرور الوقت أنهم مخطئون.. فلا انفلات هذه يقضى على جدية التحصيل، ولا قيود تلك تَحد من الحرية.
• صاحبنا..
أصابته فرحة غامرة عندما علم أن الجهات المسئولة وافقت على سفره إلى ألمانيا للحصول على درجة الدكتوراه فى الهندسة الميكانيكية.. توزعت فرحته بين نزعته العلمية التى كانت مُشوقة للنهل من تفوق الجامعات والمصانع الألمانية فى هذا الحقل.. وبين نزعة الحرية العاطفية التى واعد نفسه معها فور أن عرف منذ بضعة أشهر بأن مشروع تخرجه يؤهله بامتياز للحصول عليها.. صال خياله وجال بين ما سمعه وما بدأ يطوف بخواطره خاصة ساعة الخلود للنوم.
خلال أسابيع معدودة.. تمدد طموحه الأكاديمى حتى بلغ السماء السابعة.. أما أحلامه العاطفية فضاعت بعدما استجاب لضغوط الأسرة بقيادة جده أن يتزوج «علشان يُبعد نفسه عن الحرام».. كتبوا كتابه على بنت خاله التى كانت أمه قد وضعت عينها عليها بعد أن عرفت العائلة بخبر ترشحه للسفر للحصول على «الشهادة الكبيرة».
أخيراً، توجت طموحاته العلمية باستلام الأوراق التى سيتقدم بها إلى مكتب البعثة الثقافية المصرية فى بون يوم وصوله إليها.. وبخاتم السفارة الألمانية بالقاهرة على جواز سفره اعترافاً منها بحقه فى السفر إليها ودخول أراضيها والدراسة بها.
أحس بقيمة عامل الزمن بعد أيام قليلة من وصوله.
عرف الطريق إلى جامعته بلا عناء.. عثر على سكن بين حجرات المتزوجين.. فتح حساباً بالبنك.. بدأ من فوره فى تعلم اللغة الألمانية.
• معاناة]
على قدر تعامله المنفتح مع الصدمة الحضارية التى واجهها.. فجرت عروسته، التى فرضت عليها الظروف البقاء بين أربعة جدران معظم أيام الأسبوع، فى وجهه منذ اليوم الأول كل أنواع المشاكل.. الخوف من كل شىء.. عدم القدرة على تذوق وجبات الطعام «اللى ما لهاش طعم».. عدم فهم ما يدور حولها.. اشتياقها المتنامى لأمها وأسرتها.
لم يجد سبيلاً لتطويعها أو ترويضها .. فلجأ إلى تفجير كل طاقاته السلبية والإيجابية داخلها.. ولكنها لم تتغير.. بقيت على حالها.. وزاد من معاناتها.. أنها حملت منه بعد شهرين من زواجهما.
نصحته أمه أن «يقطع لها تذكرة سفر.. لتقضى بقية شهور الحمل بينهما.. لرعايتها والتخفيف عنها».. رد عليها «عايزانى أسفرها من دلوقت».. قالت له «اللى تشوفه يا بنى.. أنا غرضى مصلحتك».
اكتشف بعد أيام قليلة أن أمه نطقت بالحكمة.
سارع بترتيب سفرها إلى القاهرة.. مصحوبة بالمبلغ القليل من المال الذى استطاع أن يوفره لها.. وببعض الهدايا .. وبوعد أن يلحق بها قبل يوم أو يومين من موعد وضعها لطلفهما الأول.
فى اليوم التالى أحس بمشاعر متناقضة.. نجح إلى حد كبير أن يصرف جهده كله للتحصيل العلمى النظرى والتجريبى بعد اختفاء مصدر الإزعاج اليومى الذى كان يقابل به فور عودته من قاعات الدراسة ومواقع الإنتاج.. لكن أفكاره المتضاربة التى تحاصره حول «الأنثى» التى تعود على أن يشم أنفاسها، جعلته يتلطف مع المشرفة التى تدير شئون البناية السكنية.
لاحظ أنه حياها لأول مرة بمودة لما عرف أنها من مسلمى البوسنة.
وأصبح يتابعها بنظراته وهى تتنقل بين الموائد تسأل عن أحوال الدارسين.. وحسد عليها نشاطها وحيويتها.. ولما لاحظت كثرة استفساره عن معانى بعض الكلمات الألمانية الدارجة، شرحتها له.. زاد اهتمامه بها لما عرف انها فى مرحلة مراجعة النتائج النهائية لدراسة تطبيقية فى مجال الطاقة المتجددة.
قربت المعادلات الهندسية بينهما.. منحته معرفتها لأوجه الحياة المجتمعية الألمانية أن يغوص أكثر فى ثقافتها المتعددة الجوانب، وأن يغرقها أكثر فى بحور احتياجه العاطفى لها.. فهمت مقاصده.. وقدرت حاجته إلى الأنثى.. أفهمته بطريق مباشر أنها مطلقة.. وليس فى حياتها من يهتم بها وتهتم به.
زادت مرات اللقاء شبه اليومى من تقاربهما.. أنبه ضميره بشدة صبيحة الليلة التى قضتها فى سريره.. وعاتب نفسه بلين عقب أن نسى نفسه فى حجرتها بعد ذلك بأيام. 
عرض عليها الزواج.. قبلت.
عقد قرانهما بمسجد المدينة.
ورغم زيجته الجديدة، واظب بشكل لافت للنظر على اتصالاته الأسبوعية بأمه وزوجته للاطمئنان عليهما وعلى أسرته.. كانت مكالماته قصيرة وسريعة.. ولكنها كانت منتظمة. 
اكتشف أنها مختلفة عن زوجته المصرية.. هى ند له فى كل شىء.. الدراسة.. تحمل المسئولية.. الاجتهاد.. قادرة على الفصل بين الجد والهزل.. منظمة.. تستفيد من الوقت بشكل لافت.. تتركه وشأنه إذا شطح بفكره بعيداً عنها.
اختلى بنفسه مرات ومرات يفكر فى مستقبل علاقته بها.. هو لا يملك رفاهية البقاء فى ألمانيا بعد الانتهاء من نيل درجته العلمية.. وهى بخلفياتها التى تكشفت له.. ليست بقادرة على التلاؤم مع عائلته ومع مجتمعه المصرى المحافظ الذى لا يمكنه الاستغناء عنه.. عرف أنها تخطط لوضع دراساتها التطبيقية فى خدمة الطاقة المتجدد بوطنها الأم باتفاق عقدته مع الشركة التى تغطى نفقاتها الدراسية.
أنهت مراجعاتها الأخيرة.. ناقشت مع فريق العمل ما توصلت إليه.. فازت بقرض أولى للبدء فى تنفيذ مشروعها.. بارك لها بلوغ طموحها.
سهرا معاً على شاطئ النهر.. صارحته أن العلاقة الزوجية بينهما يجب أن تنتهى قبل سفرها إلى بلدها.. سألها لماذا؟؟ أفهمته أن إقامتها هناك ستطول.. وسيكون من الصعب عليها أن تستضيفه أو أن تأتى إليه ..  لا يعرف لماذا ارتاح لقرارها.. طلقها أمام شيخ الجامع الذى عقد قرانهما.
انكب على برامجه الدراسية بكل طاقته..
• اعتراف
هاتفته أمه فى يوم غائم.. «عامل إيه يا بنى.. بقى لك أسبوعين ما بتتصلش.. أوعى تكون بعافية».. أسهب فى شرح انشغالاته.. عرف منها أن الست الدكتورة قالت لزوجته إنها ستضع مولودها فى الأسبوع الأول من الشهر التالى.
كثف من ساعات تحصيله العلمى.. ومراجعته للتجارب التى يتابعها فى مراكز الإنتاج .. ولما اطمأن لها، استأذن أساتذته فى السفر لقضاء إجازة أعياد الميلاد بمصر .. وافقوا له بعد أن ثمنوا نتائج الأبحاث التى توصل إليها.
لم تفلح زوجته فى استنطاقه.. كيف كان يقضى ليله.. «مهدود، ولا أنت نسيتى».. ذكرها أن سبب قدومها إلى مصر قبل ستة أشهر كان بسبب انشغاله عنها ساعات طوال.. قرأ فى عينيها أنها لا تصدقه.
أعدت له أمه صباح اليوم التالى مائدة إفطار شهية .. ولما حاصرته باستفساراتها.. اعترف لها أنه تزوج وطلق حتى لا يقع فى المعصية. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

فض رابعة.. كان لابد

كانت رابعة خلاصة القول، قول فصل فى نهاية تنظيم خائن، عاش بين الشعب ثمانين عاما وهو يكرهه، يعبث بتاريخ وجغرافيا أقدم دولة فى ال..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook