صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

صرخة روزاليوسف تهز الحكومة!

961 مشاهدة

17 يناير 2017
إعداد: رشاد كامل




• تلخيص
أتينا فى الأعداد الماضية على ذكر المراحل التى عبرت بها هذه المجلة وهى ترفع علم الجهاد فى خدمة القضية المصرية، ووقفت بالقارئ عند قيام الوزارة الصدقية بعد أن تقوضت أركان الوزارة النحاسية الثالثة بأيدى أعضائها، بعد أن فشلت فى مفاوضاتها مع الإنجليز، وكيف أن النحاس باشا رجع من لندن وهمه أن يلقى فى روع الناس أنه وإن خسر المعاهدة فقد اكتسب صداقة الإنجليز، أتينا على هذا كله وانتهى بنا المطاف إلى استلام صدقى باشا زمام الحكم، وإقامته عهد الحديد والنار فى منازلة الوفد ورجاله وصحافته، وكيف أن الوزارة والوفد، كليهما ضرب أرقاما قياسية فذة فى العناد، وفى القسوة، وفى ركوب كل الوسائل للوصول إلى ما يبتغيه كل منهما، وكيف أننى ركبت من العناد «أشقى» الخيول، وبالغت فى مهاجمة الوزارة ورئيسها الحانق.. وكيف انتهت هذه المهاجمة بصدور أمر الوزارة بإلغاء رخصة المجلة إلى أجل غير مسمى!
• القرف والذباب
وإلغاء رخصة المجلة حادث جلل ينطوى على معان كثيرة لها وجوه كالحة يمتد «بوزها» شبرين، وأبرز هذه المعانى ابتداء عهد جديد فى التشرد الصحفي، وفى ضيق ذات اليد، وما يتبع ذلك من أوجاع الرأس والجيب..!
تحملت الكارثة بأسى الصابر، وغيظ الكظيم، ومرح المفلس الطروب!
كان ذلك فى أوائل شهر أغسطس سنة 1930 وكنت أصطاف فى الإسكندرية فى منزل يقع بجوار معسكر الإنجليز بسيدى جابر.
وسرعان ما نبهنى مكثى الطويل بين جدران غرفتى إلى أن البيت الكريم تغشاه جيوش من الذباب والناموس، وبالفحص والمراجعة اتضح لى أن مصدر هذه الجيوش الكريهة المنظر هو المعسكر المذكور، نظرا إلى قربه منا، وإلى أن الذباب من الشباب الناهض السمين كان يشارك الجنود فى أكل «البلوبيف» والبطاطس المسلوقة، وكان هذا النوع من الذباب يتلقى رشاش «الفليت» ولا يبالى، بل كان يلوح لى أنه يخرج لسانه ويقهقه، وشاءت أوجاع النكتة أن تتحرك على أحد الأصدقاء فقال لى:
- دى مؤامرة من صدقى باشا ومن الإنجليز.. يا ست.
وصادفت هذه النكتة، على تفاهة نصيبها من الحقيقة، هوى من عقلى الباطن، فاشتريت «مطرحة» من السلك، وصرت أتسلى بضرب الجنود المعادية وأنصار صدقى باشا بهذه المطرحة.. وكنت كلما أسقطت ذبابة «مفرعنة» أصيح «دوق الضرب يا بوالسباع» وأبوالسباع هنا هو صدقى باشا ولا فخر!
• مجلة الصرخة
وسرعان ما كرهت هذا النوع من الجهاد العقيم، وسرعان ما استرجعت قوى نفسي، واستأنفت الجهاد الحق بإصدار مجلة «الصرخة» على غرار مجلتى التى ألغيت، وأدخلت فى هيئة التحرير الأستاذ محمد على حماد، وهو صديق قديم وكاتب نابه، كان قد أصابه فى المجلة التى كان يصدرها ما أصابنى فى مجلتي، وهكذا اجتمع «المتعوس على خايب الرجا» فى صعيد واحد.. والتعاسة هنا هى قلة الحظ فى اصطياف هادئ كالذى ينعم به الناس، وخيبة الرجا هى خيبة أملنا فى وجود وزارة معارضة، لها من سعة الصدر ما يجعلها تقابل أشواك النقد بالصمت الكريم أو بالرمى بأى نوع من أنواع الأحذية الرخيصة، إلا إلغاء الرخص وغلق المجلات وقطع العيش!
وكان واجب العقل يقضى بالاعتدال فى النقد والتحفظ فى المهاجمة، وكان هذا الأمر على رجاحة كفته فى ميزان التبصر والتروي، شاقا عسيرا عليّ، فكنت أنفلت أحيانا من عقال هذا الذى أسميته عقلا وأنطلق أرسل سهام النقد اللاذع على الوزارة وأرد التحية بأحسن منها للجرائد الموالية للوزارة، لاسيما أن فكرة تعديل الدستور كانت قد بدأت تمد رأسها مثيرة لغطا ودويا فى جميع الدوائر السياسية، ولكن سرعان ما كان يكبح جماحى بعض الزملاء فى التحرير وصاحب امتياز المجلة الذى كان يلقى عليّ فى كل مرة درسا فى التؤدة والرزانة، وفى أن الحرص على إطعام البطون وتغذية سيارتى ولو بالغاز لتثبت وجودها، أهم من الحرص على عكننة مزاج صدقى باشا!
• تعديل الدستور
فكرة تعديل دستور 1923 مبعثها جانب مصرى وآخر إنجليزى.. ولا أريد أن أتحدث عن مبعث هذه الفكرة من الجانب المصرى إلا من الناحية التى تخص صدقى باشا وزملاءه.
كان صدقى باشا يعلم حق العلم أن موقف البلاد بعد أن عطل دستورها عند جلوسه على منصة الحكم أمر لا يصح السكوت عليه، وأنه لابد من أن يعود هذا الدستور على أى وجه، وكان الإنجليز يرون هذا أيضا ولكن ليس هذا حبا فى عيون الدستور، وإنما حرصا على إيجاد حالة استقرار سليمة المظهر، تكسب الوزارة مشروعية فى اضطلاعها بشئون الحكم، وتضفى عليها طابعا من ثقة الجمهور يمد لها طريق المفاوضة مع الإنجليز، وكان إنهاء هذه المفاوضات حلمًا من أحلام الإنجليز يتوقون إلى تحقيقه وقد حنق الإنجليز على النحاس باشا وشيعته لأنهم لم يعملوا على إنجاح هذه المفاوضات.
وكان لابد من تعديل قانون الانتخاب على وجه يضمن فوز الوزارة ويكفل نجاح أعضائها فى الانتخابات وتأليف البرلمان.. ولم يكن فى مصر حزب يكره إجراء هذا التعديل غير الوفد بالطبع، ولهذا لم تثر هذه الفكرة أى جدل بين الأحزاب القائمة التى حرمت دخول البرلمان بمقتضى قانون الانتخاب القديم.
إلا أن هذا التعديل لم يصادف هوى فى نفوس أعضاء حزب الأحرار الدستوريين، وكان أن هبت معركة كلامية أرعدت وأبرقت بين دار الحزب ونادى محمد علي، حيث كان يتربع صدقى باشا يحتسى القهوة السادة المعطرة مع نفر من مروجى هذا التعديل.. وقد ناهض بعض الأحرار الدستوريين فكرة إجراء هذا التعديل وما يمت إليه مما له علاقة بنصوص الدستور عن مبدأ وعقيدة بالنظام الدستورى وفى مقدمتهم محمد محمود باشا ولطفى السيد باشا وحسين هيكل باشا، أما البعض الآخر فانساق إلى المعارضة تحت تأثير دوافع شخصية أهمها «كيف يتربع صدقى باشا فى دست الوزارة وينهى ويأمر وتجرى أمامه وخلفه موتوسيكلات الحرس هذا وصدقى باشا لا يزيد على عضو عامل فى الحزب فى حين أن رئيسه محمد محمود باشا قابع فى داره يترأس مجالس الأدباء، أو منزو فى ركن بكلوب محمد على يلعب الطاولة».
كذلك لم يوافق توفيق نسيم باشا «المغفور له» على التدخل فى إجراء هذا التعديل، وكان إذ ذاك يشغل وظيفة رئيس الديوان العالى الملكى ولم يجد مخرجا له من هذا المأزق إلا أن يعتذر بالمرض الزؤام ويسافر إلى أوروبا، ليعود بعد ذلك ويرفع استقالته إلى الأعتاب الملكية وأيضا باسم المرض الذى لاشك فيه، تاركا حلبة السباق إلى زكى الإبراشى باشا الذى كان يشغل وظيفة ناظر الخاصة الملكية.
لم يبال صدقى باشا بخذلان الأحرار الدستوريين له فى اقتراحات التعديل، ولم يأبه لمعارضة الوفديين وهى معارضة قربت بين وجهات نظر الوفد والأحرار الدستوريين وأصبحت تنبئ بقرب تأليف جبهة خطيرة للمعارضة، بل أجرى تعديل الدستور، وتمت هذه «الطبخة» الفاسدة التى كان يعوزها حُسن السبك فى كل شىء على الوجه الآتى: كان يقدم صدقى باشا اقتراحات التعديل إلى عبدالحميد بدوى باشا وهو مأذون القرية على سِن وألف رمح كما كنا نسميه فى ذلك الوقت فيقوم بدوى باشا بطهى هذه الاقتراحات وتفريغها فى القالب القانونى الممتاز.
ويقال إن مشرعا إيطاليًّا كان يساهم فى هذا التعديل، وفى ترجيح حقوق على حقوق، شأنه فى ذلك شأن الملكيين الذين يتمسكون بالملكية أكثر من الملك نفسه..!
• حزب الشعب
فقد صدقى باشا تعضيد حزب الأحرار الدستوريين الذى أخذ يهدد بالامتناع عن دخول الانتخابات مع الوفد المصرى فكان عليه أن يخرج إلى النور حزبا جديدا يؤازره فى المعركة الانتخابية.. وتمخض صاحب الدولة والكفايات عن ولد شاذ من مواليد الحسومات، ولد أذاق والده أمر أنواع العقوق بعد ذلك.
وانتصب حزب الشعب على قدميه بمال المعز وجاهه، وقد تألف من فلول الأحرار الدستوريين، وأكثرهم من طلاب المغانم والجاه، اجتذب بعضهم باللين، والبعض الآخر بالوعيد، ووراء الطرفين «بنك التسليف الزراعى» وهو أيضا من مواليد تلك الظروف، يمد بإحدى يديه أغصان الزيتون إلى الطائعين الداخلين إلى حظيرة الحزب، ويمد باليد الأخرى سياط الوعيد والعكننة والحجوزات إلى المترددين والمعارضين، هذا وعلام باشا «المرحوم» وحماره الطيب الذكر يتقدمان زمرة الأعضاء الجدد ووراءهما صديقنا الأستاذ سليمان فوزى يدق الجرس وينادى.
• الانتخابات
تلخص الصورة المنشورة فى الصحيفة السابقة وهى من صور عدد «الصرخة» الصادر فى 10 مارس 1931 تلخص هذه الصورة كيف جرت الانتخابات بعد أن امتنع عن الدخول فيها الوفديون والأحرار الدستوريون وخاض غمارها الشعبيون والاتحاديون وأعضاء الحزب الوطنى.
كان على مديرى المديريات أن يقدموا حسابا عسيرا إذا لم يزجوا بأكبر عدد من الناخبين.. وكان أن وقف حسن رفعت بك «باشا» موقفا مشرفا من الحياد فغضبت عليه الوزارة ووضعت مشروع مرسوم بإحالته على المعاش، ولكن.. ولكن المستر كوين بويد المستشار الذى يشار إليه بالبنان والمساعد فى وزارة الداخلية قابل دولة الباشا الساخط وأخذ منه المرسوم قبل إمضائه ووضعه فى جيبه وإلى الآن لم يخرج هذا المرسوم.. وتمت الانتخابات على الوجه المعروف وكانت النتيجة 87 وستة أثمان فى المائة من أصوات الناخبين فى جانب الوزارة والمتقدمين إلى الانتخابات.. ومعنى هذا أن الأغلبية الساحقة تؤيد النظام الجديد وتضع أصابعها العشرة فى أعين المكابرين.
والمكابرون هم الوفديون والأحرار الدستوريون.
• مقالب أبى السباع
مما تقدم ذكره نعتقد أنه من الجور المشين ألا نصف صدقى باشا بأنه رجل قادر.. قادر إلى أبعد حدود القدرة، وأنه رجل مفرط فى الذكاء يكاد يرتقى إلى درجة العباقرة ولكننا مع هذا نرسل زفرة خفيفة تتلخص فى كلمة واحدة، وهى يا خسارة!.. وندع هذه الكلمة يقلبها القارئ على النغمة التى تروق له ونقول: إن صدقى باشا هو فوق ذلك رجل مقالب.. تقدم أخونا سليمان فوزى للانتخابات عن دائرة قسم عابدين.. والأستاذ سليمان أول من قدم القهوة فى داره إلى أعضاء الحزب الجديد.. تقدم إلى الانتخابات وهو يرقص على توقيع أنغام عذبة من الأمانى والأحلام ولكنه تعثر فجأة ولم ينجح، وظهر إصبع القادر إسماعيل صدقى من خلف الستار.
ورقص الأستاذ محمود أبو الفتح نفس الرقصة ولكن على نغمة صبا وعشاق، وخرج من المولد بلا حمص.. والذى حجزت عنه الحمص هى أيضا يد القادر إسماعيل صدقى!
والأستاذ أبو الفتح كان بوقا من أبواق صدقى باشا فى الدعاية للدستور الجديد فى جريدة الأهرام!.. هل يصح بعد ذلك أن نقرر أن صدقى باشا ممن يعملون بالمثل المعروف بأنه يجب أن تكون نهاية خدمة الغز علقة؟!
أم أن الرجل بعيد النظر؟ أم أن له فيما وراء الوعى أى فى أعماق عقله الباطن، صوت ضمير يرتفع أحيانا ويدفعه بسلطان لا يقهر إلى أن يكفر عن أخطاء أتاها وذلك عن طريق توقيع عقوبات على من ماشاه فى هذه الأخطاء أو زين له المضى فيها؟! •


 بيان

كان آخر عهدى بنشر هذه المذكرات مثل هذا الشهر من العام الماضى.
وقد أمسكت عن الكتابة فى هذا طوال هذه المدة لظروف خاصة، وقد قطعت عهدا بأن أترك الكتابة فى هذا الباب مدى عام، وها قد انقضى العام وأصبحت فى حل من ذلك العهد.
وإذا كان هناك شىء أسفت عليه خلال هذه الفترة، فلأننى حرمت لذة التجرد من الواقع لأستريح فترات من الزمن فى أجواء الماضي، والماضى قلب ثان يخفق بين الجوانح، وفى الفزع إلى مراجعة ما فات، تبصر ومعين على ما هو آت، كما أن الخلو بالنفس والانفراد بها، صلاة وضراعة وابتهال.
والعهد اليوم أجدده، وأؤكده للقارئ بأنى لن يحجزنى عن متابعة كتابة هذه المذكرات إلا خروج النفس. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook