صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

تداعيات استقالة النحاس باشا على الدستور والعرش

1129 مشاهدة

3 يناير 2017
إعداد: رشاد كامل





أتيت فى مقالى السابق كيف قامت الوزارة الوفدية الثالثة بأعباء الحكم وكيف كانت حياتها القصيرة مليئة بالحوادث، ثم كيف انتهت وقد خسر رئيسها النحاس باشا المعاهدة وعطف السراى، واكتسب صداقة الإنجليز - كما خلد فى روعه وجدى بذكر لسانه.
ونضيف على ما تقدم ذكره فى صداقة الإنجليز أن النحاس باشا قد خرج على التقاليد من أجل هذه الصداقة يوم أن سعى لانتظار السير برسى لورين، المندوب السامى فى ذلك الوقت، فى محطة القاهرة عند أوبته من أوروبا، فسجل على نفسه أن أول وزير فى عهد الدستور سار بركابه إلى المحطة ليهدى إلى المندوب البريطانى إحدى عبارات الشوق والترحيب.
• بركة يا جامع اللى جت منك!
أبلغ قبول استقالة الوزارة الوفدية الثالثة إلى النحاس باشا صباح الخميس 19 يونيو سنة 1930 ولما لم يمض على تقديمها.. أيام فسجلت رقما قياسيا ثانيا، إذ ليس فى تاريخ السياسة المصرية استقالة قبلت بمثل هذه السرعة سوى استقالة المغفور له ثروت باشا فى سنة 1921 فإن العارفين ببواطن الأمور يؤكدون أن ثروت باشا خرج من السراى بعد أن رفع استقالته، ولكنه ما كاد يرجع إلى داره حتى أقبل عليه من السراى من يحمل إليه الأمر الملكى بقبول الاستقالة!
وقد أثار هذا الأمر عجب الناس، ولكنه لم يحرك دهشتى فى شىء.
كانت أيام الأسبوعين اللذين سبقا تقديم الاستقالة مليئة بالأقوال الجريئة التى لم يجر بها لسان قبل ذلك، فيما له علاقة بموقف السراى من الوزارة والدستور، وأصحاب هذه الأقوال نواب من الوفديين، يتحرك بها لسانهم تحت تأثير أقوال النحاس باشا تحت قبة البرلمان، بل لقد تهجم أحدهم على الذات الملكية بالعيب الصريح، ولم يتحرك رئيس الوزارة بقول أو فعل يدل على أنه يستنكر هذا التهجم الصريح.
وفوق هذا فقد كانت استقالة النحاس باشا تحمل فى طياتها تعريضا بموقف صاحب العرش من الأمة، ومن الدستور وصيانته، ولعل هذا دأب النحاس باشا منذ أن عرف كرسى رئاسة الوزارة إذ ما من مرة يستقيل فيها إلا ويذكر أن الدستور فى خطر، وأنه استقال من أجل عيون الدستور وأن يستقبل عهدا جديدا من الاضطهاد فى صحة هذا الدستور، الذى ما برحت ترتكب باسمه الآثام والمساخر، وتعتلى هامته لتبدو من فوقها رءوس تحملها هامات قصيرة!
• لا تاريخ
وليس أبلغ مما نرويه الآن للدلالة على مبلغ تأثر المغفور له جلالة الملك فؤاد من النحاس باشا، وشيعته فى ذلك الموقف.
على أثر تقديم الاستقالة اجتمع جلالته برئيسى مجلسى الشيوخ والنواب «وهما المغفور لهما عدلى يكن وويصا واصف»، للتشاور معهما فى الموقف، وذلك عملا بأصول الدستور، تباحث جلالته معهما طويلا ثم سمح لرئيس مجلس الشيوخ بالانصراف واستبقى رئيس مجلس النواب، وبعد صمت قصير التفت جلالته إليه وقال «النحاس باشا رمى قفازه» فبهت ويصا بك لهذه القولة وأخذ بعد ذلك يؤكد لجلالة الملك أن النحاس باشا من أخلص المخلصين.
إلى آخر ما يمكن أن يقوله وفدى ما برح يؤمن بالنحاس وعقل النحاس وذوق النحاس فى ذلك الوقت، ولكن جلالته أوقف هذا الدفاع الحار بقوله: «وإنى ألتقط هذا القفاز يا واصف بك»!
والمعنى صريح وواضح، وفيه ما يكفى للدلالة على أن جلالته قبل تحدى النحاس باشا وأنه سيرد التحية بأحسن منها.. وسرعان ما جاءت التحية فى غاية ونهاية!
دعى دولة صدقى باشا إلى سراى عابدين فى اليوم الثانى لهذه المقابلة وكلفه جلالة الملك بتأليف الوزارة.
وما كاد الأمر الملكى يعلن قيام الوزارة الصدقية حتى ركبت العفاريت رأس النحاس باشا فقام يخطب فى بيت الأمة، ويتهم رجال السراى بالتآمر على الدستور ويدعو الأمة إلى الدفاع عن دستورها الذى علق فى رقبته حبل المشنقة.
وصدر بعد ذلك أمر ملكى فى حدود الدستور، بتعطيل الحياة النيابية لمدة شهر ابتداء من 25 يونيو إلى 25 يوليو، وذلك بقصد إعطاء فرصة للنواب ليراجعوا أثناءها موقفهم من الوزارة الجديدة، ولاستجلاء موقف الوفديين من هذا الانقلاب، ولكن سرعان ما أجاب الوفديون على ذلك.
لم يكتف النحاس بهذا التبليغ، بل صمم هو والنواب على سماع هذا الأمر تحت قبة البرلمان فاقتحموا بابه الحديدى بعد أن أمر رئيس المجلس الحراس بفتح الباب وكان مغلقا فحطم الحارس هذه السلاسل وأراد النواب أن يخطبوا ولكن الرئيس لم يسمح إلا بتلاوة الأمر الملكى، ثم أطفئت الأنوار وخرج النواب ورجعوا بعدها هادئين إلى النادى السعدى ليشربوا القهوة ويتناولوا المثلجات!
• الحديد والنار
كانت زيارة النحاس باشا للأقاليم بداية عهد دموى فى تاريخ الوزارات وضربت فيه الوزارة والوفديون أرقاما قياسية فى العناد وفى القسوة وفى ركوب كل الوسائل للوصول إلى ما يبتغيه كل فريق.
كانت الإسكندرية مشعلا وكانت القاهرة أتونا، اكتوى بناره واحترق أبرياء، ذهبوا ضحية مبدأ أساء قادته تصريف الأمور.
أما أنا فصمدت فى الدفاع عن النحاس باشا كسابق عهدى، وحملت المجلة لواء المعارضة الشديدة.. بعد أن وطنت النفس على استقبال عهد جديد من الغلب والقرف.
• سيارتي
وكانت لى سيارة ماركة «ناش» ولم أكن قد انتهيت من دفع أقساطها، وكان كلما خطر ببالى أننى سأضطر يوما إلى إرجاعها لأعود إلى ركوب قدمى بعد العز والفخفخة وأخيرا سلمت أمرى إلى الله وصرت دائما أذكر الحديث الشريف: «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم».
وكنت أصيف فى الإسكندرية، وكنت أمنى النفس بأن يبقى الوفديون فى الحكم حتى أدخل كازينو سان استيفانو مع هيئة الوزارة وأستمتع أياما براحة البال.. هذا ولا يخفى أننى حرمت هذا صيفين متواليين أثناء قيام الوزارة المحمدية، كنت أثناءها أقابل فى الكازينو بغير ما أشتهى، وكنت أجد فيه غير من أحب، ولكن هكذا شاء البخت.
• 25 يوليو
كان الجمهور متعطشا لما عسى أن يعمله الوفديون فى هذا اليوم، وهو اليوم الذى ينتهى فيه تأجيل الحياة النيابية، ويعود البرلمان إلى فتح أبوابه، وهو أيضا اليوم الذى ينتظره الوفديون أيضا ليتقدموا صفحة جديدة فى تاريخ دفاعهم عن الدستور بعد أن فاضت خطبهم بذكر الثورة وبالوعيد الذى لن يقف فى وجههم!
 وحصل أن عقد الوفد جلسة من النواب والشيوخ فى النادى السعدى، وذلك فى ليلة هذا اليوم المنتظر، وأخذوا يتباحثون فيما يجب عمله فى الغد، وهو الذهاب إلى البرلمان واحتلاله بالقوة والمناداة بإسقاط الوزارة، وهنا قام أحد النواب وقال: «اسمعوا يا جماعة إننا مستعدون للموت خلاص فما عليكم إلا أن تروحوا البرلمان وتنادوا بسقوط من كان السبب فى هذا الانقلاب».
وكانت قولة جريئة صبت زيتا على هذه الجعجعة التى يرتفع صوتها كالبحر الهائج من حناجر النواب وقولة صادقة قابلها المجتمعون بالصمت البليغ.
• لعبة
وكانت الوزارة تحسب ألف حساب لتهور النحاس باشا، وكانت لا تود أن تتورط فى استعمال السلاح والشدة مع النواب والشيوخ فأوعزت إلى أحد الضباط الذين يحرسون البرلمان أن يبلغ النحاس باشا وذلك عن طريق مباشر أو غير مباشر بأن هناك مؤامرة لاغتيال حياته فى الغد إذا هو خرج على رأس النواب والشيوخ لاقتحام أبواب البرلمان.
ولعب الضابط دوره على أحسن حال وانتهت الحكاية إلى النحاس باشا فتحسس مكان الشعر المستعار من رأسه وسكت يفكر.
وسرت عدوى التفكير إلى رءوس النواب فأسندوا رءوسهم إلى أيديهم وأمضوا الليل فى النادى يفكرون ويكتبون.
وجاء الصباح.. فإذا بالنواب لا يخرجون بصفوفهم وإنما يخرجون على الجمهور المترقب بعريضة طويلة عريضة يسترحمون فيها جلالة الملك فى إسقاط الوزارة الصدقية وإعادة الحياة النيابية وفى مقدمة الموقعين عليها النحاس باشا.
وكانت هذه الفعلة أشبه بدش بارد هبط على حماس الجمهور فراح يفكر ويراجع بعد أن وضع على حماسه قفلا وحارسا، وأرسل صدقى باشا تنهيدة الارتياح إذ كفى الله المؤمنين شر القتال!
• رد فعل
لو أن النحاس باشا تقدم الصفوف ولقى حتفه فى ذلك الوقت لأراح واستراح، ولكنا أول من ينادى بأن يقام له تمثال من الذهب الإبريز يركب على ظهور فيلة من العاج الثمين، لو جرى ذلك لتغيرت مراحل القضية المصرية التى تلت ذلك العهد، ولانتهينا فى عام 1932 أو 1933 إلى ما لم نصل إليه فى عام 1937!
ولكن يظهر أن الزمن يمهد أحيانا فى أسباب حياة أشخاص من يريد أن يجرى عليهم شريعته وينصب لهم ميزانه ويكشف عن حقيقة أمرهم!
وكان هذا الإحجام من النحاس باشا سببا فى فتور الهمة وقتاما، وكان أول قناع أسقطته الحوادث عن جانب من شخصية الباشا النحاس.
أما أنا فخالجنى لأول مرة شعور لم أحسه من قبل، وأنا المرأة الضعيفة التى لا تعرف لذة المعارك والصدام، لقد ثرت للنحاس باشا، ووددت لو أننى كنت رجلا لألبس ثيابه وأتقدم الصفوف إلى البرلمان وهذه أول مرة حقدت فيها على نفسى، لأننى أنتمى إلى الجنس اللطيف ولو من باب الإشاعة.
وإلى جانب هذا الشعور، بدأت أحس بشىء من الاحتقار، كلما شاهدت النحاس باشا بابتسامته العريضة ووجهه الذى يشتكى الدم الكثير فى حمرة خديه، وهذه حالة غريزية فى المرأة، إذ المرأة تأسرها دائما شجاعة الرجل.
ولكن هذا الشعور الطارئ لم يقلل من إعجابى بالمبادئ التى يمثلها الوفد فى زعيمه، وهى مبادئ سعد العظيم التى أعتنقها عن عقيدة منذ سنوات، فكان أن بالغت فى مهاجمتى للوزارة، وخصصت رئيسها بجميع ألوان الكلام المر والعبارات الجارحة المثيرة، فصدر العدد 184 بتاريخ 5 أغسطس 1930 يحمل على غلافه الصورة التى أعيد نشرها على هذه الصحيفة، وقد كتب تحتها «إسماعيل صدقى باشا يستعين فى حكمه بالعناصر الرشيدة.. الحديد والنار»!
• إلغاء المجلة
كنت بالإسكندرية عند ظهور العدد المذكور فلم يمض يومان حتى جاءنى الخبر أن دولة صدقى باشا ألغى رخصة المجلة إلى أجل غير مسمى! وكانت هذه أول مآثر يد الباشا عليّ!•

هامش الحلقة

استقالت وزارة «مصطفى النحاس باشا» فى يونيو عام 1930 بعد فترة قصيرة، ليتولى رئاسة الحكومة «إسماعيل صدقى باشا» وصدر أمر ملكى بتعطيل الحياة النيابية لمدة شهر، وبدأ «الوفد» فى مقاومة حكومة صدقى! وكانت «روزاليوسف» فى طليعة هذه المقاومة بالمقال والكاريكاتير.
وتبنى أعضاء الوفد فكرة جريئة وغريبة، وهى أن يذهبوا إلى مبنى البرلمان واحتلاله بالقوة لإجبار الوزارة على الاستقالة، وفشلت الفكرة بعد أن علم النحاس باشا بأن هناك مؤامرة لاغتياله إذا ذهب إلى البرلمان.
واكتفى رجال الوفد بكتابة عريضة للملك تطلب فيها بإسقاط حكومة صدقى باشا وإعادة الحياة النيابية.
ووسط ذلك كله تصدر «روزاليوسف» بغلاف من نار يهاجم صدقى باشا، وعلى الفور قرر إلغاء رخصة المجلة إلى أجل غير مسمى! •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

خطط الإخوان.. هدم الأمة

خونة ومرتزقة وقتلة ولصوص وتجار دين وجهلاء. هذا هو تصنيفهم وتوصيفهم. سرطان زرع فى قلب الأرض المقدسة. لم يطرح سوى الدم والدموع و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook