صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

الحكومة وجليطة كاريكاتيرية!

1072 مشاهدة

13 ديسمبر 2016
إعداد: رشاد كامل



أتيت على الكثير مما يحضرنى من الذكريات عن الوزارة المحمدية الأولى (1928- 1929)، وذلك فى المقالات الثلاثة الأخيرة، وقد ضمنت مقالى السابق، ضمن ما ضمنت، تأملاتى عن رفعة على ماهر باشا وكيف جرت مقابلتى له للمرة الأولى، كما أتيت فيه على ذكر استخراج رخصة مجلة «روز اليوسف» من جديد، وذلك عقب سقوط الوزارة المذكورة، بعد أن كان مقضيّاً على هذه المجلة بالغلق الدائم.
• برطعة صحفية
سقطت الوزارة المحمدية بعد أن رفض الوفد قبول معاهدة «محمد محمود - هندرسن»، التى تفاوض الوفد على أساسها بعد ذلك بأربعة أشهر، وقامت وزارة جديدة محايدة برياسة المغفور له عدلى يكن باشا، على أن تعمل على تهدئة الخواطر وإجراء انتخابات جديدة تمهيداً لعودة الدستور..
وفى مثل تلك الفترة التى تعتبر بحق مرحلة انتقال بين نظام ونظام، تلقى الصحافة المعارضة فرجة من الحرية، أغلب ظنى أنها حرية مقصود منحها من جانب الحكومة، لاستطلاع ما يختمر به الرأى العام، وللوقوف على ما ضاقت به الصدور فى عهد مضى وما تختلج به النفوس لاستقبال عهد سيأتى !!
وسواء صح هذا الظن أو لم يصح - وفى هذه الحالة تكون هذه الحرية أمراً طارئاً يقضى به انصراف الوزارة الجديدة إلى تدبير شئونها - فإن الصحافة المصرية لقيت عهداً من الحرية يتولى الوزارة العدلية زمام الحكم، فانفلتت الصحافة ثائرة صاخبة سادرة، شأن كل حبيس يلقى الحرية بعد أن أمضه الأسر طويلاً، فكانت (برطعة) صحفية لا ضابط لها ولا ميزان!!
كانت الصحف الموالية للوزارة الماضية، وهى وزارة الأحرار الدستوريين، تفرش الملاية بالطول وبالعرض لعدلى يكن ووزارته باعتبار أنها الوزارة التى باشرت إقصاء محمد محمود باشا عن الحكم، وكانت تكيل مقروحة للوفد المصرى ورجاله من كل كيل باعتبار أنه الخصم الذى لا سبيل إلى التفاهم معه، وقد ذهب التطاول بإحدى هذه الصحف إلى حد أنها شبهت عدلى باشا بالعبد التنتون الذى يرخص ثمنه كلما تقدمت به السن، وعدلى باشا هذا هو الرئيس الأول لحزب الأحرار الدستوريين.
وكان موقفى أن أدافع عن الوفد كما هو دأبى دائماً، وأن أرد التحية أحياناً عن عدلى يكن باشا، وهى تحية من النوع الذى أسلفنا ذكره، متخذة من ذلك وسيلة لإيغال صدر عدلى باشا على خصوم الوفد وهم الأحرار الدستوريون، ولإيجاد فرصة مناسبة لشهر الغارة عليهم وتصفية ما بيننا وبينهم من حساب قديم . فخرجت وإياهم عن جادة الاتزان وأسرفنا فى النيل من الشخصيات، وكنت مضطرة إلى ذلك بحكم أن خصومى كانوا لا يتورعون عن منازلتى والوفد بأحط الألفاظ وأسوأ العبارات، وقد أشرت إلى هذه الحال فى أحد الأعداد إذ قلت:
«نحن آخر من يقول بالنزول بالخصومة السياسية إلى حضيض الشخصيات وفضح ما لا يجب فضحه من أسرار الناس وما يجب أن يظل فى ضمير البؤس والليلة الظلماء. ولكن إذا لم يعرف الخصم للخصومة السياسية حدها، فنحن فى حل من مقابلة الحصى بالطوب».
• مكرم عبيد والصورة المجليطة
وكان موقفى هذا مع وزارة عدلى يكن لا يرضى الأستاذ مكرم عبيد، فكان دائم التذمر لأننا لا نهاجم الوزارة كما يريد أن تكون المهاجمة. وكانت الوزارة قد أجرت الانتخابات على الرغم من تخلف الأحرار الدستوريين عن دخولها. وكنت أرى أن الوزارة تؤدى مهمتها على الوجه المرغوب وأن نصيب رئيسها لا يختلف عن نصيب رئيس الوفد من أقلام الصحف الموالية للوزارة الماضية.
وفى أحد الأيام أوحى الأستاذ مكرم بصفته المستشار المختار للنحاس باشا رئيس الوفد، أن نلعن أبو خاش الوزارة لأنها أجرت الانتخابات ولما تزل باقية فى الحكم، وكان الإيحاء على شكل إنذار عن طريق غير مباشر، فكان أن صدر العدد 153 بتاريخ 31 ديسمبر 1929 وعلى غلافه الصورة الكاريكاتورية التى يراها القارئ فى الصفحة اليمنى وقد كتب تحتها:
• متى وكيف وماذا؟!
(دولة عدلى يكن) الحمد لله عملنا الواجب لكن مش عارف سبب دا كله إيه عاوز أقوم من الكرسى ومش قادر.. وكان للصورة دوى فى دوائر الوفديين المتهافتين على الحكم، أكثر من دويها فى الدوائر الوزارية، واعتبروا أن هذه «جليطة» منى، مما جعلنى أندم على تورطى فى إصدار تلك الصورة المجليطة!! واحتملت هذا النقد اللاذع ولم أصرح باسم من أوحى إلينا بهذه الجليطة.. ومن ذلك اليوم شعرت لأول مرة بكابوس مكرم عبيد على الصحافة الوفدية وبان لى أن إصبعه تحرك أقدار الوفد؟
• الجنتلمان عدلى يكن باشا
التقيت به مرة فى حياتى..
كنت خارجة من وزارة المالية أجتاز الفناء الذى يفصل بينها وبين رياسة مجلس الوزراء الحالى، وإذا بدولته ينزل من سيارته ويرتقى السلم الموصل إلى هذا الفناء فوقفت حتى لا أعترض عليه صعود السلم، ومر هو أمامى... فلم أتمالك نفسى من الحياء إذ ذكرت فصل الصورة إياها، فأطرقت برأسى إلى الأرض برهة، ثم تشجعت فرفعت رأسى والتقى النظران، فإذا بالباشا تنطق شفتاه بابتسامة خفيفة لم يغرب عنى معناها، وإذا به يرفع يده بالتحية العابرة فأحنيت رأسى مسلّمة، وما إن رفعتها حتى رأيته يبتعد ضارباً نحو باب وزارة المالية، فى قامته المديدة ومشيته الوئيدة الواثقة وفى يده عصاه تضرب الأرض فى رفق وكأنها تتحسس مواطئ طرفها!!!
غاب الباشا رحمه الله وبقيت صورته فى مخيلتى، ومن الصور ما تحتفظ به المخيلة عهداً طويلاً! كان فى هذه المقابلة العابرة ما جعلنى أصدق أن الباشا رجل رقيق الشعور مرهف الحس إلى أبعد حد، وإذ ذاك فهمت لماذا يلح مكرم عبيد فى مهاجمة هذا الرجل، إذ إن مجرد الإحراج البسيط والوخز بأطراف الدبابيس، كافيان لأن يجعلا عدلى يكن يزهد فى الوزارة ويؤثر عليها راحة البال والابتعاد عن ميدان التطاحن على جاه هو فى غنى عنه بحكم عائلته وبماضيه الأبيض فى تاريخ القضية المصرية.. وفى هذه الأثناء ظهر كتاب المستر (بيمان) الإنجليزى بعد أن استقالت الوزارة المحمدية وأطلعنى زوجى الأستاذ زكى طليمات على بعض أبواب منه فغضبت أن أرى إنجليزيًا يمتدح عهد الخديو عباس على حساب صاحب الجلالة ملك مصر (المغفور له فؤاد الأول) بين عهد عباس وعهد فؤاد ما لا يمكن لمبصر أن ينكره أو لكافر أن يجحده، وكان أن أخذت أهاجم الإنجليزى المغرض المتطفل مؤلف ذلك الكتاب..
وكان أن نزل زكى طليمات إلى ميدان الصحافة السياسية للمرة الأولى وجاء العدد رقم 150 تاريخ 10 ديسمبر سنة 1929 يحمل مقالاً بعنوان (شهر التهريج - حول كتاب بيمان عن الخديوى السابق).. وقد ذُيل بالحرفين (ز. ط)!!!
فسررت أن أرى زوجى الممثل والمخرج والموظف والأديب ذا الكعب العالى ينزل إلى ميدان الأدب الرشيق ويجول جولة موفقة..
وحاولت بعد ذلك أن أبقيه فى الميدان ولكنه أفلت كالحصان الجامح، وعاد إلى برجه العاجى يفنى شعرات رأسه فى مطالعة شكسبير وموليير وراسين وأبوزيد والزناتى خليفة، ويبنى قصور الأمانى لإيجاد نهضة للمسرح المصرى، ويأتى بما لم يأته الشيخ سلامة حجازى والخواجة جورج أبيض إلخ...! •

هامش الحلقة
تبدأ «روزاليوسف» مرحلة جديدة فى مشوارها بعد أن تنازلت السيدة فاطمة اليوسف عن رئاسة التحرير إلى الأستاذ «محمد التابعي» وتعترف بأن دورها كرئيسة للتحرير قد انتهى بعد سقوط وزارة محمد محمود باشا الذى تفنن فى محاربتها سواء بالمصادرة أو التعطيل!
وقام «عدلى يكن باشا» بتشكيل الحكومة، وكان حزب الأحرار الدستوريين الذى يرأسه فى خصومة حادة مع الوفد وسعد زغلول مع ذلك فقد لقيت الصحافة المعارضة وعلى رأسها روزاليوسف مساحة كبيرة من الحرية بلغت حد التطاول على رئيس الحكومة نفسه ونشرت «روزاليوسف» كاريكاتير ساخراً ينتقد «عدلى يكن باشا» ولم يغضب منه!! وتعترف «روزاليوسف» أن الرجل كان غاية فى الرقة والحياء!!.. ويصدر كتاب إنجليزى يهاجم الملك فؤاد، وغضبت «روزاليوسف» وطلبت من زوجها «الفنان زكى طليمات أن يقوم بتلخيص الكتاب وهكذا أصبح كاتبا سياسيا!!•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook