صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

روزاليوسف وحكومة الاضطهاد!

879 مشاهدة

22 نوفمبر 2016
إعداد: رشاد كامل




أوقفت مقالى السابق على ذكر المصادرات التى نزلت بهذه المجلة أثناء قيام الوزارة المحمودية الأولى سنة 1928ـــ 1929، وأبنت عن الملابسات والظروف التى كانت تحيط بموقفى فى ذلك الوقت، وقد استقام لمجلتى طابع وفدى صريح وصرت أحمل على صدرى وسام «لك الفخار يا سيدتى»، وهو وسام كنت وما برحت أحمل لنفسى ذكريات عميقة، إذ ألمح فيه مرحلة جهادى الأولى فى سبيل قضية البلاد ومن أجل مبدأ سعد العظيم.
عهد البطولة وعهد القتل بالذباب
كانت أسطورة تلك المرحلة، مرحلة 1928ــ1929 قد خلفت فى تاريخ الصحافة المصرية صفحة منقطعة النظير، إذ تحمل بين سطورها أعجب نضال بين عناد الصحافة وجبروت السلطة التنفيذية.
مصادرة خمسة أعداد تحتوى على 104.000 نسخة وإصدار أربع مجلات.. كل هذا فيما يقرب من عام وربع العام! تلك هى القائمة لبعض كروب ذلك النضال العجيب، وهى قائمة بيضاء أنصع من الثلج إذ أخذت منها أبلغ العظات وأحسن التجارب، وعلى ضوئها عرفت نفسى فعرفت الناس، وفى حرها صهر من الزمن روحى ليفرغها فى القالب الجديد الذى تستقر فيه الآن.
تعلمت، وكنت لا أعلم قبل ذلك،  أن العسف لا ينال إلا من النفوس الضعيفة، أما النفوس التى تملأها العقيدة ويذكيها الإيمان فتزداد قوة على قوة، وأن الفكرة الصائبة خليقة بالحياة، فهى تشق طريقها وسط المحن والأهوال ولا تعبأ بشىء مهما تكاتفت عليها أسباب الفناء.
وتعلمت أن الأخذ بالمصادرة للحد من حرية الصحافة لا يجدى شيئا فى الفضاء على فكرة يختلج بها الرأى العام، وإنه إذا خلق هذا شيئا فإنما يخلق أبطالا للفكرة ويهيئ لأصحابها قبولا وعطفا لدى الجمهور.
وكذا كان حالى فى أشهر قليلة ارتقيت إلى درج ما كنت لأصل إليه إلا بعد أعوام طويلة، وأكسبنى اضطهاد الوزارة عطف الجمهور، فارتفعت مقطوعية مجلتى إلى أضعاف ما كانت عليه قبل أن ينزل بى ذلك الاضطهاد السعيد وامتلأت محفظة يدى بالأوراق المالية التى كنت أسمع عن لونها ولا أراها..وواجب الاعتراف بالجميل يقضى بأن أسجل أننى مدينة بكل ذلك إلى رفعة محمد محمود باشا، إذ لولا معارضتى لسياسته فى ذلك الوقت ولولا وقوفه معى ذلك الموقف الذى أسهبت فى ذكره فى مقالى الماضى لما لازمنى التوفيق الذى انتهيت إليه فى حياتى الصحفية.
ويقينى أنه لو درى محمد محمود باشا بأن هذه ستكون نتيجة مصادراته واضطهاده وبأنه مهد لى بعناده طريق البطولة والشهرة لو كان يدرى هذا لأمسك عن محاسبتى عن ثلث الثلاثة كام، فقد كان بينى وبينه فى ذلك الوقت حب مفقود..ويقينى أن دولته تعلم هذا أخيرا بدليل أنه اليوم، وهو رئيس وزارة كما كان فى عام 1928 لا يحاسب الصحف النحّاسية على ما تكتب على الرغم مما هى متورطة فيه من معارضة تدفعها دائما إلى الحرج وإلى الطعن الفاضح فى الوزارة القائمة والنظام الحاضر، ومما لا شك فيه أن دولته، وقد تقدمت به التجارب والسنون قد زهد فى عهد الأساطير والبطولة، فصار واقعى المذهب يؤمن بأن القتل الصامت أسلم عاقبة وأبعد أثرا من محاولة الصراع وسط الجلبة والضجيج، ولا أدرى من رفعته قولة «ريشيليو» الوزير الفرنسى الكبير فى القرن السابع عشر، وهى «إذا كان لك عدو فلا تقتله بسيف أو طلق نارى وإنما اقتله بذبابة»!!.
نحمد الله أننا لم نتشرف بعد بتلقى الموت الزؤام عن طريق الذباب والصراصير.
زكى طليمات..
وفى أواخر عام 1928 عاد زوجى الأستاذ زكى طليمات من فرنسا على ظهر الباخرة «شامبليون» وقد أتم دراسته الفنية على أحسن حال فى أوروبا.
استقبلته مع المستقبلين فى الإسكندرية فكان أول حديث أجراه معى خاصا بموقفى المعارض للوزارة، وطلب منى أن أغلق المجلة بالضبة والمفتاح وأذهب معه إلى باريس بعد تصفية أعماله فى مصر لنعيش هناك ردحا طويلا من الزمن يقوم هو بتأدية رسالته الفنية فى مسارح باريس، بعد أن عرض عليه أستاذه مدير مسرح الأوديون منصبا فى الإدارة الفنية، وأخذ يزخرف لى القول ويبنى لى القصور ويمنينى بأننا بعد ذلك نعود إلى مصر لنعتلى خشبة المسرح العربى فى ظروف طيبة غير هذه الظروف.
أصغيت إليه جيدا، وكان يتكلم بيديه ورأسه ولسانه ومنديله المهفهف فخُيل إليًّ أننى أراه يمثل دورا جديدا لا أعرف كيف أتقنه، وبعد أن تأملته باسمة، وكان الطربوش على رأسه والقبعة فى يمينه قلت له بحماس:
- برافو يا زكى..
- يعنى خلاص «إل نيابادى» سياسة
 وكان الجواب «اتلهى على عينك» واتلهى «التحمس» على عينه وقدم نفسه إلى الوزارة فى اليوم التالى ليدخل رقبته معى فى «الخية» وليتلقى ألوان الاضطهاد «الدواوينى».
وشد ما تألمت له إذا جاء بعد ظهر أحد الأيام يحمل تحت أبطه ملفا يحوى مشروع ميزانية إدارة الفنون الجميلة وقد طلب إليه أن يجرى لها ترجمة باللغة الفرنسية.
نشر المسكين الأوراق أمامه فإذا هى مليئة بالاصطلاحات المالية من درجة «معلى على» و«محتسبا فى » إلى غير ذلك من العبارات التى تحتاج إلى شرح يقوم به رئيس قلم أو مدير حسابات خلع أضراسه بين الميزانيات وإدارة الحسابات، وأخذ الأستاذ خريج مسرح الأوديون يجرب فنون الإخراج والإضاءة والتمثيل فى استخراج معانى هذه العبارات ومايشاكلها، فلم يفتح الله عليه بكثير، فعمد إلى شعر رأسه يشده وأخيرا أتينا له بصديق ضليع فى أمور الميزانيات وتفاعيلها، ترجم له تلك العبارات العربية بألفاظ عربيه برضه.. وكان أن قام بالترجمة المطلوبة وهو يصيح من وقت لآخر..
- بقى يا أخونا لسه ماليش جمعة سايب التياترو فى باريس آجى ألاقى ترجمة ميزانية فى الوزارة.. أنا حاتجنن يا خلايق!.
ولم يجن ولا حاجة لكنه أمضى ما يقرب من عام وهو يقوم فى الوزارة بأعمال تافهة، يكابد أثناءها  ألم الحرمان من العمل فيما درسه فى بعثته بأوروبا إلى مضاضة الانتظار، انتظار تعديل مرتبه ومنحه الدرجة الإدارية التى يستحقها بمقتضى الشهادات التى يحملها.
وخاطبه مرة كبير فى وزارة المعارف فى شأن التأثير عليَّ لتغيير خطة المجلة أو الاعتدال فى المعارضة بعد أن وعده الوعود الطيبة الخاصة بالمرتب والوظيفة،  فأفهمه زكى بأنه تعلم أن يحترم إرادة الغير، وأننى فى حياتى العامة شخصية مستقلة عنه، وأن لا سلطان له عليًّ إلا فى حياتى الخاصة، ولكن الموظف الكبير لم يقتنع بهذا وجرى بينهما هذا الحديث الذى بدأه الموظف الكبير بقوله:
-أنت مش راجل يا أستاذ زكى؟
-أظن كده!
-طيب مش تعرف إن الرجال قوامون على النساء؟
- تمام يا فندم.. بس..
- بس إيه؟
- يظهر أننى مش راجل فى الموضوع ده!
وانتهى الحديث بأن أكد له زكى بأن ليس له علاقة ما بالمجلة ولا بسياستها ولا يشتغل مطلقا بالشئون السياسية أيا كان لونها.
محمد التابعي
وعلى ذكر اشتغال الموظفين بالسياسة تأتى حكاية صديقى الأستاذ التابعى.. كان التابعى بالبرلمان وكان يشتغل فى تحرير المجلة عن طريق التهريب، وشأنه فى ذلك شأن بقية الزملاء الذين كانوا يساهمون فى التحرير، واستمر على هذه الحال لا يسترعى عمله فى المجلة أنظار الوزارة حتى كان ذلك العهد الذى تقدمت فيه المجلة الصحف السياسية المعارضة فأخذت الوزارة تبث العيون لمعرفة مصادر التحرير فى هذه المجلة.
وأخيرا وصل إلى علم الوزارة أنه يحرر القسم الأكبر من هذه المجلة،  وبدأت العيون تلبس لون عرف الديك وترمقه بنظرات مخيفة فكان أمام أمرين لا ثالث لهما، إما أن يترك التحرير وإما أن يترك وظيفته فى البرلمان و..بعد أن أخذ ورد بينه وبين نفسه وبينه وبينى رضى بالثانية فأخذ عفشه من البرلمان وأصبح جنديا صريحا سافرا فى خدمة الصحافة وقضية البلاد.. وقد كانت الظروف المحيطة بالموقف على أحسن ما يكون إذ المجلة رائجة وربحها وفير وكنت أقتسم وإياه مناصفة هذا الربح، وإذ المستقبل يبتسم لكلينا ويبدى أسنانه اللؤلؤية فى غير تحفظ ولا تكليف.
حفنى بك محمود وخشبة باشا
وترك التحفظ والتكليف، أو أهملهما على الأقل، كانا من مميزات خصومى السياسيين والشهادة لله.
 كنت أقضى عادة أيام الجمعة والسبت والأحد من كل أسبوع بالإسكندرية وكنت أمضى أكثر الوقت فى بهو كازينو سان استيفانو حيث يستمتع الوزراء بالهدوء يحيط بهم أنصار الوزارة ويستمتع الجميع بالماء والوجه الحسن. وكنت كثيرا ما أجلس إلى بعض الموالين للوزارة أتجاذب معهم الحديث فى الموقف السياسى من غير حرج ولا كلفة وكنا نتبادل أعذب النكات وأشهى الأحاديث.
وسرعان ما توثقت عرى الصداقة بينى وبين الأستاذ حفنى محمود بك شقيق «دولة» رئيس الوزراء وكان تعارفنا على يد الأستاذ الكبير المرحوم داود بركات شيخ الصحفيين فكنت أبحث عن مجلسه لأستمع إلى حديثه الشهى وأدبه الوافر، وكان يرحب بمقدمى على الرغم أن ما بيننا يدخل فى دائرة ما صنع الحداد وزيادة.
وكان حفنى بك فى تلك الأيام مصابا بالمرض الذى يقضى على صاحبه أن يجلس على مخدة منفوخة من الكاوتشوك. وكانت لحفنى بك فى كل يوم زفة حينما يقبل على البهو ليأخذ مكانه فيه.
 كان فى الغالب يتقدمه أحد الجنود ويأتى وراءه الأستاذ عزيز عثمان، الذى هو فرخة بكشك عند آل محمد محمود، يحمل المخدة بإحدى يديه وخلفه خادم يحمل فوطة.
 وعزيز عثمان  مطرب فنان يصاب أحيانا بداء الغناء لوجه الله، فكان يطلق صوته علينا و نطرب، وأحيانا كانت جلالة الغناء تأخذ بدورها حفنى بك فيبدأ بإلقاء أبيات من الشعر الجيد ثم  ينتقل بعد ذلك إلى الدندنة فالغناء..
يا عينى يا عينى!
•••
وفى إحدى المرات شاءت الصدف أن أقف ومعالى أحمد خشبة باشا أمام الباب الذى «يلف» والذى يؤدى إلى بهو الكازينو...
-اتفضلى يا مدام
-لا والله يا معالى الباشا
واستمرت هذه الحال برهة غير قصيرة من الوقت يحجز كل منا أدبه وظروفه عن التقدم بالمرور قبل الآخر، وقد يتجاهل كل منا صاحبه فى الظاهر، وإن كانت النظرات والبسمات تنم عن غير ذلك، وكانت «فرجة» ظريفة على هذا الموقف من الوزراء ورجال السياسة.
وفى اليوم التالى جاءنى الأستاذ عزيز عثمان يحمل ثلاثة منتجات من الصنف الفاخر وقال لى:
- يا ست خشبة باشا بعتلك الهدية ديَ!!
وكانت أكلة منجة لذيذة.. ولكن لذة طعمها لم تمنعنى من أن أرد عليه التحية بما تقتضى به واجبات المعارضة السياسية. •



هامش الحلقة

بدأت أكبر معارك «روزاليوسف» ضد حكومة «محمد محمود باشا» التى أطلقت عليها المجلة لقبا ساخرا هو «يد من حديد فى ذراع من جريد»، صودرت المجلة وعطلت، ولم تستسلم «روزاليوسف.
ولجأت الحكومة للتهديد، واستدعى وزير المعارف الفنان «زكى طليمات» زوج السيدة «فاطمة اليوسف» وطالبه بأن يطلب منها الاعتدال فى سياسة المجلة وفشلت المحاولة.
وحتى ذلك الوقت كان الأستاذ «محمد التابعى» لايزال موظفا فى البرلمان ولم يظهر اسمه أبدا على الصفحات، فقد ترك وظيفته والتفرغ التام للصحافة!
رغم هجوم «روزاليوسف» على أعضاء الحكومة، فإن روح الود والتفاهم والاحترام المتبادل كانت سمة العلاقة بين «روزا» وبينهم!.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook