صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

من التعطيل إلي المصادرة يا أهلاً بالمعارك!

1095 مشاهدة

15 نوفمبر 2016
إعداد: رشاد كامل



أبنت فى العدد الماضى كيف صودر العدد رقم 134 من هذه المجلة بعد قيام الوزارة المحمدية فى الحكم بثلاثة أيام وكيف جرت مقابلتى للمرة الأولى مع النحاس باشا والأستاذ مكرم عبيد فى بيت الأمة على أثر هذه المصادرة لأسمع منهما أنشودة ( لك الفخار يا سيدتى وإلى الأمام).
••
أجل كانت أنشودة حماسية ألهبت حواسى فى موقف غمرتنى فيه موجة من الأسى والتعب.
هل رأيت الجندى يرتمى إعياء على الأرض بعد تمضية نهار طويل فى خط النار حتى ليظن أنه لن يستطيع الوقوف على قدميه إلا فى نهار اليوم التالى، ولكن ما أن يصل إلى أذنيه ضرب الطبل الداوى وصوت البوق العزاف حتى يهب واقفا موفور النشاط مستكمل العدة لمعاودة الحرب وقد نسى أتعابه !!
كذلك كان حالى..
شد ما هى محببة إلى نفسى تلك الأيام، أيام كنت أحسن الظن فيها بالناس، أيام كانت تفيض نفسى فيضا بالإخلاص الصرف فيبدو لى أن كل الناس مخلصون مثلى يعملون للمبدأ لا لشىء آخر!
وما أهنأ من يعيش وله أرباب يقريها عبادته، وأمثلة عليا يريق فى سبيلها عصارة القلب والروح ويبذل من أجلها كل مرتخص وغال!!
كنت أرى فى مصطفى النحاس خليفة لسعد العظيم فى إخلاصه وفى بعد نظره وفى حسن اضطلاعه بالأمور، وكنت ألمح فى مكرم عبيد ومضات من ذكاء سعد ومن بيانه ومن حسن اقتداره على إلهاب الشعور والارتقاء بالنفوس إلى مقام البذل والتضحية.. كنت أرى فى هذين الاثنين أقباسا من نور الزعيم الراحل فما ترددت فى السير تحت لوائهما مستعينة على الفقر بالقناعة، وعلى المصائب بالصبر والجلد.
 كنت أحيا آنذاك كشخص يعيش فى أسطورة، كل شىء فيها يجرى بالمعجزات؟!
 وكانت المعجزة إذ شاء الله أن أسترد قواى فى يوم وليلة بعد أن نزلت بى هذه المحنة التى قصمت ظهرى بمصادرة عشرين ألف نسخة من المجلة فى جرة قلم.. وفى غمضة عين !!
••
رفعت فى الحال قضية مستعجلة بقصد الإفراج عن النسخ المصادرة فأفتت المحكمة بعدم الاختصاص، وأحالتها إلى المحكمة الابتدائية للنظر، فاتضح لى أن القضية تسير بقطار الصعيد الذى يقف لاهثا فى كل كفر وقرية وكان لى أن أتعاطى حبات صبر أيوب أمام تباطؤ إجراءات التقاضى، وفى النهاية، وبعد أن اتضح لمحامى أن لا فائدة ترجى من الإفراج عن الأعداد المصادرة أخذنا نطالب الحكومة بالتعويض باعتبار أن المجلة قد صودرت والدستور قائم- ولا يهم إن كان قائما على قدم واحدة - والمادة 15 من الدستور تنص نصا صريحا على أن الصحافة حرة فى حدود القانون، والرقابة محظورة إلا فيما هو ضرورى لوقاية النظام الاجتماعى، هذا ولم تصدر المجلة بشىء يهدد النظام الاجتماعى فى شىء مما يدخل فى الشيوعية أو غيرها من النظم الإباحية.
وأصدرت العدد 134 (مكرر) وفيه أهم ما نشرته فى العدد المصادر ما عدا الصورة الكاريكاتورية التى هى السبب المباشر للمصادرة غير المشروعة واستعضت عنها بصورة أخرى باسم (مشروع تمثال يجب إقامته لأحمد زيور باشا) أجرت فيه ريشة المصور رسما يمثل زيور باشا معتليا ظهر حمار (يقمص) تشبها بتمثال إبراهيم باشا (مع الفارق العظيم بين راكب الحصان وراكب الحمار) وكتب تحتها الرجل الآتى:
دستورنا فى عهد زيور خد خزوق فينو مقادفه فى البحر ضاعت وأتلعن دينه
وأهو النهارده فى إيد حتة جدع نونو.
فى جمعة واحدة ضرب زيور على عينه مش برده زيور يليق له فى البلد تمثال.
ونعود ونرجع نقول كان ابن حلال!
وفى أثناء هذه الفورة وقع حادث جدير بالملاحظة..
انبرت جريدة البلاغ - وكانت وفدية مثلى فى ذلك الوقت- لتخطئة الحكومة فى شأن المصادرة وأخذت تنشر محتويات العدد المصادر، حتى الصورة الكاريكاتورية إياها بحجة إيراد البراهين على أن ما نشرته المجلة ليس فيه ما يهدد النظام الاجتماعى باشمئناط أو خلع ضرس، أو وجع راس، وهكذا اطلع الناس على محتويات العدد المصادر.. ولم تحرك الوزارة ساكنا، ولم تصادر أعداد جريدة البلاغ !!
ظاهرة عجيبة ولا شك لم أتمكن من تفسيرها بأكثر من أن الوزارة كانت قد تورطت فى أمر المصادرة من غير تفكير، وتحت تأثير خاص ثم هى تنبهت بعد ذلك إلى ورطتها. أما مصدر هذا التأثير فهو الأستاذ فريد رفاعى مدير إدارة المطبوعات فى ذلك الوقت، وهو رجل أتيت على وصفه فى مقالى السابق وأبنت أنه نفعى جرىء، وقد أخفق فى أن أغير خطتى وأبيع ضميرى، فلم يجد بدا من أن يزين لرئيس الوزراء أمر المصادرة ليبدو فى ثياب المخلص الأمين الغيور على الوزارة.. وهكذا قام الأستاذ بتمثيل دور الدب الذى هو صديق جاهل!!
وكانت جريدة البلاغ تشترك معى فى رد التحية على الجرائد الموالية للحكومة وهى (السياسة) و(الاتحاد) و(الأخبار).
أما مجلة (الكشكول) فكان حسابها خاصا بى، وهو حساب يدخل فى قائمة حسبة (برمة) وأحاديثنا من أحاديث الأفاعى والثعابين لا يتفهمه إلا (الحواة) أمثالى وأمثال زميلى الأستاذ سليمان فوزى !!
وقد هبت تلك الجرائد تبرر المصادرة بدعوى أنها وقعت من أجل المقال الذى عنوانه (الأمير أحمد سيف الدين وكيف اعتدى على الأمير أحمد فؤاد) واعتبرته مقالا فيه ما يمس مقام الجالس على عرش البلاد، وأخذت تضرب على هذه النغمة مقدمة إيانا إلى الجمهور بصفة أناس قليلى الأدب والحياء.
ولكن لما نشرت جريدة البلاغ المقال المذكور، ووضح للجمهور كذب هذا الادعاء لم تجد تلك الجرائد بدا من الاعتراف بأن المصادرة وقعت من أجل الصورة الكاريكاتورية سابقة الذكر.
وبعد ذلك بأيام وقف النحاس باشا يخطب فى حفل كبير اجتمع بسراى آل لطف الله بالجزيرة منددا بتدخل الوزارة فى الحد من حرية الصحافة بل وفى خنقها، وصرخ بالصوت العالى (وها هى صحيفتنا روزاليوسف تصادر) مقدما بذلك البرهان على ما يذهب إليه فى اتهامه..
وكان لهذا التصريح أثره العميق فى نفسى إذ نلت براءة الرتبة الجديدة وهى أن روزاليوسف الصحيفة وفدية على سن ورمحين.
وعلقت جريدة (التيمس) على خطبة النحاس بها وتبعتها فى ذلك بعض الجرائد الإنجليزية والفرنسية ففرحت إذ رأيت اسم مجلتى تتناقله الصحف الأجنبية، ورأيت فى هذا فدية ما نالتنى من أضرار المصادرة وآلامها فأصبحت ومصر لا تسعنى، وصرت لا أمشى ولا أقعد إلا وأنا محاطة بفرسان الشرف الثلاثة، وهم الأستاذ التابعى وأحمد حسن وإبراهيم خليل، ووظيفتهم جمع الأكاليل التى كنت أتصور أنها تنهال عليًّ من كل جانب!
آه من يأخذ عمرى كله ويعيد الطفل والجهل القديم !!
••
وحدث بعد ذلك أن ألغى الدستور وأقفل البرلمان بالضبة والمفتاح، على أن تجرى انتخابات جديدة بعد ثلاث سنوات.
وكان الموقف السياسى يتلخص فيما يأتى.. الوزارة جادة فى إجراء عملية التطهير والإنجليز وعميدهم فى مصر اللورد جورج لويد يصفقون لها ويذللون لها العقبات فى سبيلها، والشعب مستغرق فى ذهوله وعلى رأسه الوفد يناضل لاسترداد الدستور، والقصر واقف على الحياد يتفرج ويراقب الأحوال بعين رئيس ديوانه العالى المغفور له محمد توفيق نسيم باشا وهو يمتعض تارة ويحك رأسه أخرى بعد أن ارتدى مسوح الرهبان أولياء الله وصارت قولته المأثورة راجل فى حالى دعوتى صالحة.
ادعى بها للكل. يصبح كلهم هانى كما سجلنا ذلك تحت صورة كاريكاتورية لدولته.
 وكانت تقع بين الوزارة وبين رئيس الديوان أشباه من سوء التفاهم يرد عليها التحية ورحمة الله وبركاته الوزراء والاتحاديون وعلى رأسهم على ماهر باشا، فيرقدون فى الخط وتقوم بينهم وبين الوزراء الدستوريين مباريات فى التبويز وشد الشعر، وهكذا أصبح على ماهر باشا خميرة العكننة للوزارة المحمدية ولا فخر!
ومن هنا وجدت الجرائد المعارضة للحكومة وفى مقدمتها هذه المجلة، ثغرة لتضرب فيها.
وكانت (روزاليوسف) تستقى أخبارها من مصادر عليمة بما جرى فى أمعاء الوزارة من المغص، ولذلك كان لما تنشره أثر كبير فى اشمئناط الوزارة!!
ولكن الدستور كان قد ألغى وبإلغائه قام على الصحافة سيف لا يرحم، إذ أعيد العمل بالقانون القديم فى معاملة الصحافة، وهو القانون الذى أصدره اللورد كرومر عام 1881، وفيه المادة رقم 13، وهى مادة تخول للحكومة حق خراب بيوت الصحفيين من غير إحم ولا دستور!
وبذلك استقبلت روزاليوسف عهدا عجيبا فى حياتها الصحفية.
••
كان أول بشائر ذلك العهد إنذارا تلقيناه من وزارة الداخلية وأمرنا بنشره على الرغم مما جاء فيه من تحية تعكر نهر النيل !
وفى يوم 15 سبتمبر سنة 1928 وكنا بالإسكندرية عرفنا أن البوليس صادر ثمانية وعشرين ألف نسخة كان قد تم طبعها وأعدادها من العدد144، كما عرفنا أيضا أن الوزارة كانت انتهت إلى قرار التعطيل منذ أيام ولكنها تعمدت أن لا تبلغنا القرار إلا يوم السبت، أى بعد تمام طبع العدد (حتى تكون الخسارة خسارتين وحتى يكعوا آخر قرش ربحوه من تضحيك الناس علينا).
ما علينا.. ولكن ما العمل؟
عدت إلى مصر واتفقت مع المرحوم الأستاذ جورج طنوس على الاشتراك معى فى تحرير مجلة (الرقيب) وصدر العدد الأول منها بعد أمر التعطيل بأسبوعين فأقبل الجمهور عليها وكأنه شم رائحة روزاليوسف بين صفحاتها!
وثارت الوزارة لهذا الأمر واعتبرته نوعا من التحدى- وهو ولا تحدى ولا حاجة وإنما هو مكابرة نصر للمبدأ فأعادت تمثيل المأساة السابقة، وأصدرت أمر التعطيل وقد وقفت على أقدامها ثلاثون ألف نسخة تنتظر الصفارة لتنطلق إلى الجمهور فى سباق عنيف.
ومرت الشهور الأربعة - وهى شهور الزنزانة - وصدر العدد 144 (مكرر) من روزاليوسف فى 15 يناير 1929، وصدر بعد ذلك عددان ثم أبلغتنا الوزارة قرارها بتعطيل المجلة نهائيا.
وما دمنا فى موقف التعطيل فيصح أن نستبق ذكر بعض الحوادث الواجب التعليق عليها لتتم بقية القائمة.. إتماما للفائدة فى معرفة أحدث الوسائل الحكومية فى خراب المنازل الصحفية!!
اتفقت مع محمد بك صفا على تحرير مجلة (صدى الحق)، وفى 23 فبراير، بعد أن قاربت الانتهاء من طبع القسم الأول من المجلة داهم البوليس المطبعة وصادر عشرة آلاف نسخة وأبلغ صاحب الجريدة قرار الوزارة بتعطيل المجلة نهائيا !!
ثم جاء دور مجلة (الشرق الأدنى) لصاحبها الأستاذ أمين سعيد، ولكن الله كتب لها السلامة من يوم صدورها فى منتصف مارس إلى يوم أن عطلت فى 2 يوليو، ودائما وفى اليوم الذى تكاد تفرغ المطبعة من إعداد العدد، وكان عدد ضحايا العدد الأخير منها ستة عشر ألف نسخة. والسر فى بقاء هذه المجلة طيلة هذه المدة أن صاحبها كان يقيم على ما أنشره فيها رقابة مرة أخذ أصولها ولاشك من المراقبة العسكرية على الجرائد فى أيام الحرب الكبرى.
وكانت آخر المجلات التى أصدرتها مجلة (مصر الحرة).
وبذلك تتم قائمة أربع مجلات ومصادرة خمسة أعداد و104.000 نسخة، والعاشق فى جمال النبى يصلى عليه..
وهكذا أصبحت (قرافة مجاورين) للمجلات ولا فخر، ولما أقتنى لنفسى لا بيت ملك ولا طاحونة شرك!•



هامش الحلقة

كانت مصادرة «روزاليوسف» حديث كل بيت مصرى، ولم يعرف القراء سبب المصادرة، فقامت جريدة البلاغ الوفدية بنشر كل محتويات العدد المصادر من مقالات وكاريكاتير.
ويشيد الوفد وقادته بروزاليوسف ويخطب مصطفى النحاس باشا فى مؤتمر جماهيرى متحدثا عن المجلة قائلا:
ها هى صحيفتنا تصادر!!
وقامت الصحف الإنجليزية بتوجيه التحية إلى مجلة روزاليوسف وتستمر حرب الحكومة ضد «روزاليوسف» فتصادر العدد رقم 144 ولم تستسلم السيدة «فاطمة اليوسف» فأصدرت مجلة الرقيب ثم صدى الحق ثم الشرق الأدنى ثم مصر الحرة، وتتعرض كلها للمصادرات أو التعطيل طوال حكم محمد محمود باشا رئيس الحكومة، ولم تستسلم «روزاليوسف» ومضت فى طريقها دفاعاً عن الدستور والحرية والعدالة.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook