صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

روزاليوسف في بيت الأمة

871 مشاهدة

8 نوفمبر 2016
إعداد: رشاد كامل



أبنت فى مقالى السابق كيف أننى ضربت بالمجلة بعيدا فى بحر السياسة،  وكيف استقام للمجلة طابع فى نضالها الحزبى، وانتهيت فيه  بذكر ذهابى لأول مرة فى حياتى إلى النيابة لأقف أمام الأستاذ سليمان فوزى صاحب (الكشكول) وأسمع شكايته من الحملة الكتابية التى أثرتها عليه تحت تأثير عامل الحزبية وعامل الدفاع عن واحدة من بنات جنسى، هى حرم الأستاذ مكرم عبيد.. وانتهيت بالقارئ، كيف أن المجلة.. زادت مقطوعيتها بحكم إقبال الجمهور على مطالعة أنباء تلك الحملة الكتابية، وقد كنا  نتبادل فيها مع الأستاذ سليمان أمَرّ عبارات الخدش والتجريح وأعجب ألوان فرش الملاية على المفتوح.
••
كانت وزارة النحاس باشا قائمة فى الحكم منذ شهر ديسمبر 1927:  وهى وزارة ائتلافية قامت على أثر رفض البرلمان لمعاهدة (ثروت شمبرلين) واستقالة وزارة ثروت باشا. وكان الائتلاف اسما لشيء لم تعمل به هذه الوزارة نظرا إلى تباين وجهات النظر بين الأحزاب التى تؤلف الوزارة، ولذلك لم يكن عجبا أن ترى جرائد كل حزب من هذه الأحزاب تصدر فى لهجات مختلفة ليست فيها رائحة لذلك الائتلاف المزعوم.
وفى مثل ذلك الجو الذى  تتطاحن  فيه الأحزاب على لسان جرائدها، تلاقى الصحافة رواجا وازدهارا يعلو ويهبط نصيبه عند كل صحيفة بحسب قدرتها على الدفاع عن الحزب الذى تنطق باسمه، وبما تبديه من الجرأة والصلابة فى مهاجمة خصوم حزبها !
وكان نصيب هذه المجلة من الرواج كبيرا، فضاعفت اهتمامى بطبعها وبتنسيقها، وبعد أن كان غلافها يصدر بصور كاريكاتورية تمثل حادثة اجتماعية أو تفسر (نكتة) أو (قفشة) أصبح لا يحمل على أديمه إلا صورا تعالج أهم المواقف السياسية ابتداء من العدد 129 وكانت الصورة تمثل النحاس باشا فى موقف (بابا) يصلح بين طفلين شقيين، أحدهما الرجل ذو  اللحية الواقفة، عبدالحميد سعيد، والثانى الرجل محمد محمود باشا، والأول يمثل الحزب الوطنى والثانى يرمز به إلى حزب الأحرار الدستوريين. والصورة تمثل بحق ما كان قائما بين الأحزاب من الأخذ والرد وحرق العشب تحت الأقدام، وتجهيز أسباب  تصدع الائتلاف.
وصدر العدد 130 بتاريخ 5 يونيو سنة 1928 من الإدارة الجديدة للمجلة بشارع الأمير قدادار، وهى شقة وجيهة فى الدور الأول من العمارة رقم 22،  بعد أن بقيت ثلاث سنوات تقريبا وهى تصدر من البدرون المعهود،  بدرون عمارة المرحوم أحمد شوقى بك بشارع جلال -  وقد جرى الانتقال بعد أن أقمت مع الأصدقاء والزملاء حفلة شائقة  دخن فيها الجميع أحسن أنواع السجاير، بعد أن كنا ندخن أعقاب السجاير التى كل عشرة منها بتعريفة أو صاغ، وودعنا البدرون بعد أن  تذاكرنا أيامه الحلوة - ولا أدرى كيف انقلبت حلوة فى تلك الساعة وهى أيام كنا نشد فيها الحزام على البطن ونلف وندور، ونلبس الليل هربا من الدائنين - فعلنا ذلك ثم قبَّل كل منا صاحبه، وقبَّل جميع الزملاء جدران البدرون وكسرنا على بابه كل (القلل) التى كنا نشرب فيها الماء الساخن.
••
وكان انتقالنا إلى الدار  الجديدة مصحوبا بمتاعب جديدة  وبمخاوف لم نكن نعرفها من قبل ؟
هذه الأيام لا يمكن أن أنساها!
ففى اليوم الأول من قيام الوزارة الجديدة استدعانى بالتليفون الدكتور فريد رفاعى مدير إدارة المطبوعات. فذهبت إليه فى مكتبه وقابلنى بلطفه (الكليشيه) المعروف، وبعد أن قدم لى دروس الوعظ فيما يجب أن يكون عليه الصحفى فى زعمه، طلب إليَّ ألا أتورط فى مهاجمة أعضاء  الوزارة الجديدة  لأنها وزارة قوية ستأتى بالعجائب وأن أول عجائبها تعطيل البرلمان لمدة شهر ابتداء من ذلك اليوم، ونصحنى بأن أمسك العصاية من الوسط.. وأن القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود، وأشار إلى  الدواة المملوءة بالحبر الأسود،  فنظرت إلى الحبر ثم إلى وجهه وصارحته بأن لا شيء يستطيع أن يغيرنى عن عقيدتى وأننى سأناصر النحاس باشا مادمت أعتقد أنه على حق!!
وانصرفت وأنا أفكر  فى هذا الرجل العجيب!! بعد أن كان يحادثنى منذ أسبوعين فى فضائل النحاس باشا ويهنئنى على خطتى  التى أسير عليها فى مناصرة الوفد..
فتذكرت  أنه نفس الرجل الذى خان سيده الأول وولى نعمته ثروت باشا بعد ترك رئاسة الوزراء، فقبل أن يعمل مع النحاس باشا فى إدارة المطبوعات وصار  حريا على ثروت، وهاأنذا أراه الآن يخون سيده الثانى، ويعمل مع محمد محمود باشا، وانتهيت إلى أن الرجل يسير مع الرايجة، يغير مبادئه وأفكاره كما أغير أنا ملابسى الداخلية!!
وانطلقت إلى إدارة المجلة أطالب الزملاء المحررين بأن يشتدوا فى حملتهم على الوزارة.
وفى اليوم الثانى، وكانت الساعة الثانية بعد الظهر، جاءتنى مربية ابنتى تعلن عن قدوم زائر غريب فى الصالون..
دخلت الصالون فإذا بى أرانى وجها لوجه مع الأستاذ فريد رفاعي! جاءنى يريد أن يطمئن على حالتى النفسية بعد الموقف الذى وقفته معه فى مكتبه بالأمس، وأخذ يبذل لى وعودوا جديدة..
يقول المثل العامى (غشيم ومتعافي) وقد كنت كذلك فى موقفى معه إذ ذاك، فلم أجد ما أرد به على وعوده سوى ذكر مانويت نشره فى عدد المجلة الذى يجرى طبعه، وأخذ يستدرجنى بخبثه المعهود حتى وقف على محتويات العدد من مقالات وصور، وتركنى وأنا منتفخة زهوا وخيلاء!
وفى الساعة التاسعة من صباح يوم 30 يونيو، وهو اليوم الثالث لقيام الوزارة الجديدة دق جرس التليفون، وإذا بى أسمع أحد عمال المطبعة يقول لى فى صوت مرتعش : (تعالى يا ست لأحسن بيصادروا العدد)!
كان أول عجبى أن يكون هناك شيء اسمه (مصادرة) لمتاع أملكه  اشتريته بدمى وكفاحى.(وكبست) البرنيطة على رأسى وأنا ذاهلة عن نفسى، وجريت إلى المطبعة فوجدتها محاطة برجال البوليس، ووجدت بداخلها مأمور قسم عابدين الأستاذ رضا عقدة (وهو الآن وكيل مديرية أسيوط) وضابطا من القسم السياسى واثنين من الكونستابلات الإنجليز.
كان أول همى أن استوثق من أن مقالات العدد وصوره قد أجرى طبعها كما أريد، ولشد ما كانت دهشتى عندما منعنى الضابط عن أخذ نسخة واحدة من العشرين ألف نسخة المكدسة أمامى فى شبه أعمدة من الرخام !
وبعد أخذ ورد سمح لى بأخذ نسخة واحدة تصفحتها على عجل حتى انتهيت إلى الصفحة رقم 13 وفيها صورة كاريكاتورية  كبيرة تمثل رئيس الوزراء وهو يدوس الدستور ليجلس على كرسى  الوزارة فانبسطت، أجل انبسطت أسارير  وجهى وأخذت أرى المأمور والضابط والكونستابلات تلك الصورة التى كان يقابلها كل منهم بسحنة عجيبة!
وإذ أردت أن أحتفظ بالنسخة وأخرج بها، منعنى الضابط فقامت خناقة بينى وبينه وكنت مثل القطة المجروحة.
وهنا انبريت أمنع الجنود من حمل الأعداد إلى العربة الكارو الواقفة على الباب استعدادا لنقلها إلى وزارة الداخلية، وكاد يقع ما لا تحمد عقباه من أظافرى لولا أن فتح الله على الضابط النشيط بفكرة عجيبة إذ قال لى بأنه  يمكن الإفراج عن هذه الأعداد إذا ذهبت وقابلت النحاس  باشا وأخذت منه أمرا بالإفراج..
وكان الضابط يتكلم فى لهجة جدية أردفها بمنحى نسخة ثانية من العدد، داعيا لى بالتوفيق!!
••
وجريت إلى بيت الأمة..
وأطلعت الأستاذ مأمون الريدى والحاضرين خبر المصادرة فارتفعت  الأصوات تكيل لرئيس الوزراء أحدث أنواع الشتائم.
وأخيرا حضر الباشا النحاس ومكرم عبيد الأستاذ، وكانت المقابلة الأولى.. إذ إننى لم أكن قد تشرفت قبل اليوم برؤية وجهيهما إلا عن طريق الصور وعن طريق النظر من بعيد لبعيد!!
جريت نحو النحاس باشا، ومن غير سلام ولا كلام، صحت «يا باشا صادروا روزاليوسف وأنا عاوزاك تأمر بالإفراج عنها)!!
وصاح الباشا بدوره : (أيوه. أيوه.. لازم.. لازم)
ثم انخفض صوته بعض الشيء ليقول (ويعنى كنت منتظرة إيه من الوزارة المجرمة  دى اللى تصادر حرية الصحافة ؟؟)
وهنا تقدم نحوى الأستاذ مكرم وقال فى لهجة خطابية : (لك الفخار يا سيدتى وإلى الإمام)!.
ولكننى لم أسر إلى الأمام بل بقيت فى مكانى بعد أن اتضح لى أن الضابط النشيط ضحك على ذقنى وصرفنى بصنعة لطافة وأنا هبلة زى طور الله فى برسيمه!!
وأخذ الجميع يتداولون، وأخيرا قرر قرارهم على رفع دعوى مستعجلة على الحكومة ومطالبتها بالتعويض !..
•••
وخرجت من بيت الأمة وأنا أذكر العوض الذى هو على الله ودخلت بيتى والساعة تدق السادسة  مساء فقابلتنى آمال ابنتى وهى تصيح ضاحكة !
-إيه ده يا ماما أنت لابسة البرنيطة كده ليه ؟!
- ونظرت إلى المرآة فإذا بى أرانى لابسة البرنيطة بالمقلوب !!
وهنا ارتسمت على شفتى أول ابتسامة فى ذلك النهار الذى صودر فيه العدد رقم 134 والذى شعرت فيه بلوعة لا أذكر أننى أحسستها من قبل!! •

 

 فى أول أيام حكومة «محمد محمود باشا» فوجئت السيدة «فاطمة اليوسف» بمدير المطبوعات يطلب منها عدم مهاجمة الحكومة لأنها ستأتى بالعجائب، وكان رد فعل روزاليوسف أنها طالبت المحررين بالهجوم الشديد والقاسى، وكانت النتيجة مصادرة العدد الذى يحمل رقم 134 بسبب كاريكاتير الفنان صاروخان الذى رسم رئيس الحكومة يدوس بقدميه على الدستور ليجلس على كرسى الوزارة!!
 وذهبت «فاطمة اليوسف» إلى بيت الأمة تشكو ما حدث  إلى زعيم الوفد «مصطفى النحاس باشا» وكانت المرة الأولى التى تتعرف  فيها إلى زعماء الوفد رغم أنها كانت وفدية الهوى.
 وبدأت رحلة «روزاليوسف» مع الاضطهاد دفاعا عن الدستور وحرية الرأى. •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook