صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

من ذكرياتي الصحفية (روزاليوسف أمام النيابة!)

825 مشاهدة

1 نوفمبر 2016
إعداد: رشاد كامل



وقفت بالقارئ عند سفرى إلى باريس لرؤية زوجى زكى طليمات، بعد أن أبنت أن مدى اضطلاع المجلة بالشئون السياسية لم يتجاوز التعليق العابر على أهم الحوادث السياسية، وكان ذلك يشغل صفحتين أو ثلاثا من العدد الواحد.
••
وعدت بعد ثلاثة أشهر إلى مصر، بعد أن تشربت آراء جديدة، طالعنى بها المجتمع الفرنسى، فقد أدهشنى الدور الذى تقوم به المرأة الفرنسية فى الحياة العامة.
عدت وأنا أحس بجرأة جديدة تملأ قلبى، وعزم شديد يتولانى، وحرية فى التفكير تشغل رأسى!.. فكان أن ارتفعت حرارة تعليقاتنا السياسية بعض الشىء، وخرجت إلى معالجة الشئون السياسية والحزبية فى نطاق أوسع، فازداد دفاعى عن سعد زغلول قوة - وما كان قبل ذلك ضعيفا - وأخذت أجاهر بمظاهر عظمته، وهى مظاهر طالما شغلتنى وكانت تدفعنى إلى مطاردة سعد فى كل حفل يخطب فيه، ولم أعد أخاف أن أصرح برأيى فيمن يحيطونه من رجال التحرير إلا بالإشارة، وطالبت الجميع بأن يستبدلوا كلمة «ست» فى مخاطبتى، بكلمة أستاذة.. الأستاذة روزاليوسف، وهو لقب سبق أن منحنى إياه الأستاذ إبراهيم رمزى.
إلا أن الأستاذة روزاليوسف كانت تخلع أستاذيتها فى كل يومين أو ثلاثة، حسب الظروف، حينما كنت اضطر مع الأصدقاء إلى مراجعة «جغرافية» الخط الذى نسلكه ونروح فيه ونجىء!
وإلى القارئ حكاية هذه الجغرافية.. كنت كما كان أصدقائى، ولا فخر، من أصحاب الديون، بحكم أن الأزمة المالية تصاحبنا لوجه الله منذ أن اشتغلنا بالصحافة وكانت مطالبة الدائنين شديدة لا تنقطع، وكانت وعودنا ومعاذيرنا أيضا كثيرة ولا تنقطع. فالأستاذ التابعى له حسابات جارية وديون نائمة عند بائعى السجاير، وأحمد حسن مدين بما يمتلئ به كرشه لبائعى الساندويتش وله علاقات خفية مع بائعى السجاير النقالى، وأنا مدينة لصانع الأحذية ولمكوجى بعيد عن المنزل، بعد أن أقسم المكوجى الذى تحت العمارة التى أسكنها ألا يستلم شيئا للمكوى إلا إذا أخذ أجرته مقدما على داير مليم.. أما إبراهيم خليل فكان يخاف من كل الناس.. فإذا سألته عن علة هذا الخوف أجاب «كده» ثم يهز رأسه ويمشى خافت الخطى زى القط... كان لابد  من أن نروح ونجىء، وكان لابد لأصحاب الديون من أن يضيقوا علينا الخناق ويصرخوا بديونهم فى وجوهنا..
فماذا نعمل؟!
كنا نجتمع فى جلسة فوق العادة ونرسم خطة السير، خطة أمينة لا تعرضنا لأنظار وألسنة الدائنين، فكنا نختار الشوارع والحارات التى نجتازها دون أن نتعرض فيها للنظرات الحادة والأصوات العالية،  ولم يكن يهمنا ما نتكلفه فى سبيل ذلك من اللف والدوران، والانتقال من رصيف إلى رصيف، فكنا فى بعض الأحيان، إذا ما حكمت الظروف بأن نمر فى مكان فيه أكثر من دائن لنا، نمشى الواحد خلف الآخر كخط من خطوط النمل، يتقدمنا الأستاذ التابعى، باعتبار أنه خفيف الرجل رشيق الحركة واسع الحيلة.. ونحن  نحاذر ونتعمد الابتعاد عن مواطن الضوء... هذا منظر لن أنساه، ولا أخجل من تسجيله وروايته، كلما رجعت بالذكرى إلى تلك الأيام، لأنه يمثل لى مغامرة جريئة فى مرحلة من مراحل جهادى، كنت أسير فيها وصدرى وجيبى خاليان إلا من الحلم الكبير، والعقيدة الصادقة، والأمل البعيد.
••
وأقبل صيف عام 1927 والأزمة المالية فى المجلة، على أحسن ما يكون ازدهارا، وقد أفلست جميع الخطط، جغرافية كانت أو بهلوانية، فى الهروب من الدائنين، فقررت السفر إلى فرنسا، طلبا للراحة والنوم الهنئ، فى جوار الزوج المذكور الذى كانت تأتى خطاباته، وهى تفيض بأخبار الفنون والفنانين، وبتوفيقه فى فن الإخراج والذى منه، مما جعلنى أرغب فى رؤيته وأتأكد من سلامة عقله.
وجمعت الأصدقاء والزملاء فى جلسة فوق العادة، بدأناها بالسطو على علبة سجاير جناكليس، افتتح بها أحمد حسن حسابا جديدا عند بائع سجاير حديث العهد بشارع عماد الدين، وأخذنا نتذاكر فى موقفنا من الدنيا القديمة ومن الدنيا الجديدة، التى تمنى النفس بالوصول إليها، ونتباحث فى خطة جديدة تسير عليها المجلة، تكفل لنا الدخل الذى يجعلنا نعيش كسائر مخاليق الله، من غير هموم، ولا ديون، فاتفقنا على تكبير حجم المجلة، ورفع ثمن العدد إلى قرش صاغ، وتواصينا على الاقتصاد فى شرب القهوة والسجاير، وانتهت الجلسة بانتهاء سجاير جناكليس وبرطمة أحمد حسن الذي رفع احتجاجا صارخا على خروجنا على لوائح الاقتصاد فوعدناه بتطبيق اللوائح ابتداء من الساعة!
واستقللت الباخرة إلى فرنسا بعد أن أقسمنا يمين الولاء والإخلاص على بطيخة يافاوى ذبحها لى إبراهيم خليل فى مساء ليلة الرحيل.
••
لم أنعم بالراحة التى كنت أنتظرها فى باريس..  كانت المجلة وشئونها تركب رأسى أينما ذهبت، وأصبح لى بريد ثقيل الحمل يأتينى به خادم اللوكاندة فى كل يوم اثنين وخميس، وبلغ عدد رسائلى التى أكتبها أكثر من عشرة فى الأسبوع الواحد، وكلها إلى هيئة تحرير المجلة، وكلها لت وعجن واقتراحات وأوامر وتهديد، ثم وعود بإرسال هدايا من باريس.. إلخ.
وكانت المجلة تصدر فى كل أسبوع تحمل مقالا منى، يتناول مشاهداتى وتفكراتى، ولم ينجز الأصدقاء ما اتفقنا عليه بشأن تكبير حجم المجلة، بدعوى أن الصيف فصل كساد لكل الجرائد والمجلات.
ووصل إلىَّ نعى سعد باشا فى شهر أغسطس، فحزنت لذلك حزنا شديدا، ولزمت غرفتى يومين لا أبرحها، حاولت أثناءها أن أسجل دموع العين والقلب فى سطور فلم أستطع، وهجس بخاطرى أن أهجر الصحافة، ولكن سرعان ما زال هذا الهاجس، بعد أن أمعنت النظر فى الماضى وفى جهاد عامين مليئين بالمفاجآت والحوادث.. وحمل البريد إلىَّ العدد 95 من «روزاليوسف» مجللا بإطار أسود، حزنا على فقيد البلاد وباعث نهضتها، وفيه كتابان من الأستاذين عبدالعزيز البشرى وعبدالرحمن صدقى، ينبضان بما يحس به كل مصرى يستشعر فداحة المحنة التى نزلت بالبلاد بفقد سعد زغلول.
وبعد وفاة سعد بيومين، أصدر مجلس الوزراء قرارا بجعل بيت سعد أو بيت الأمة ملكا للحكومة والشعب، وأوفدت الوزارة اثنين من مكتب مجلس النواب لعمل قائمة بمحتويات  مكتبة سعد، وكان أحدهما الأستاذ عثمان رمزى ابن أخت زوجى وهو الآن قاض بالمحاكم الأهلية، وعثر الأستاذ رمزى على كراسة تتضمن بعض مذكرات الفقيد العظيم، فقطع منها بعض الشىء وسلمه إلى هيئة تحرير المجلة.
وصدر العدد 98 بتاريخ 22 سبتمبر سنة 1927 محلى بثلاث صفحات تحوى هذه المذكرات، بعد تنميقها وصياغتها فى أسلوب صحفى أخاذ.
فأعجب الناس بهذه المذكرات، وإذا أعجب الناس بما تنشره صحيفة ما، أقبلوا على قراءتها!.. وحصل ذلك بالفعل فارتفعت مقطوعية المجلة بعض الشىء، وكان ذلك سببا فى أن عدت ألح فى تكبير حجم المجلة، ورفع ثمنها إلى قرش صاغ، لاسيما أن الأستاذ التابعى أصيب بفتح الشهية للجلوس على مائدة السياسة، بعد أن تحركت أقلام كثيرة للكتابة فى مآثر سعد، وفى الموقف السياسى الدقيق الذى كان على القضية المصرية أن تجتازه بعد وفاة قائدها الأكبر.. واستهلت «روزاليوسف» عامها الثالث فى فستان جديد، فصدر العدد 103 بتاريخ 27 أكتوبر سنة 1927 يحمل على الغلاف ولأول مرة، رسما كاريكاتوريا ملونا لسعادة حسن نشأت باشا، وهو إحدى الشخصيات الكبيرة التى كانت تلعب دورا خطيرا فى سياسة القصر والبلاد.
وكتب تحت الرسم البيتين الآتيين:
قد أظلم الجو لمقدمه
وطيره بالشئوم قد ملأه
حلفت أن النحس يلزمه
أما ترى شارته حدأة
وهما للأستاذ الشاعر رمزى نظيم.
وجاءنى هذا العدد ومعه خطاب من إبراهيم خليل، عاهل المجلة  ومديرها المسئول يحتج فيه على تبذير التابعى، لأنه دفع ثلاثة جنيهات للمصور الكاريكاتورىست المعروف «المسيو سانتيز» لعمل هذا الرسم، وهدد بإطلاق لحيته ويصرح بأن هيئة التحرير قد فتحت حسابا عند أحد الحلاقين!
ولكن فرحى برؤية المجلة وهى تختال فى غلاف ظريف محلى بالألوان، أنسانى لحية سى إبراهيم ودخول الحلاق فى قائمة الدائنين.
وحلا للظروف أن أقابل نشأت باشا وجها لوجه فى فرع بنك مصر بباريس، فتولانى خجل عظيم، ولكن الباشا الظريف ابتسم ابتسامته الهادئة المبطنة بالدهاء والكرم وقال لى:
- بأه أنا وشى نحس يا ست روزا؟!
وكان جوابى:
- لا.. أبدا يا باشا.. دى مقطوعية المجلة زادت على وشك الحلو!.
وسارت المجلة تضرب فى بحر السياسة بالمقذاف لا بالقلع، ورسائلى إليها لا تنقطع من باريس ترسم لها الخطة وتوجهها إلى ما أريد من حيث الناحية السياسية.
وكان يتولى مركز المدير المسئول عما يكتب فيها إبراهيم خليل، وكان القلم الذى يملأ أكثر صفحاتها هو قلم الأستاذ التابعى، وحصل بعد ذلك أن أخذت المجلة تنشر ضمن ما تنشر مقالات تحت عنوان (ملوك أوروبا تحت ستار الظلام) تناولت بعض ملوك أوروبا وأمرائها من نواح شخصية لم يسبق لصحيفة مصرية أن نشرت شيئا عنها، فأثارت اهتمام الجمهور كما أثارت التفات النيابة. وكانت آخر هذه المقالات واحدة ظهرت تحت عنوان (الخديوى إسماعيل والملكة فيكتوريا.. معلومات لذيذة لم يسبق نشرها) وذلك فى العدد رقم 110 بتاريخ 15 ديسمبر 1927، رأت فيها السلطات مساسا ببعض المقامات العالية التى جاء ذكرها فى المقال المذكور.
وخرج العدد الذى يليه وفيه اعتذار عما سبق نشره خاصًّا بذلك المقال، ولكن ذلك لم يشفع فى شىء!!
برمت النيابة شاربها وأرسلت من ألقى القبض على المدير المسئول الأستاذ إبراهيم خليل وقادته إلى سجن (التخشيبة) وهو يجر ساقيه الطويلتين ويلف عنقه على ذراع عسكرى البوليس الذى سحبه من قفاه ولم يعبأ بمقامه الجليل.
وهناك أمام النيابة اعترف بسلامته بأن كاتب تلك المقالات هو الأستاذ التابعى الموظف بالبرلمان.. وعليه لم تمض ساعة من الزمن إلا وكان الاثنان يتبادلان عبارات الحب المفقود فى السجن لمدة خمسة أيام، خرجا على أثرها بكفالة قدرها 50 جنيها لكل منهما، خرجا متصالحين بعد تصفية الحساب وهما يتذكران المقولة المعروفة (برضه السجن للجدعان)!
صحيح جدعان.. ولكن النيابة أصدرت أمرا بإيقاف المجلة ريثما تختار صاحبتها مديرا مسئولا جديدا يكون من غير طائفة الجدعان الذين أكلوا عدس الميرى مقدما إليهم من عقب الباب.
ووصلت إلى كل هذه الأخبار، وقضيت ليلة لن أنساها، شاهدت فيها طلوع النهار تحت سماء باريس. وبعد الأخذ والرد بينى وبين الجدعان وسائر الأصدقاء فى مصر، أرسلت خطابا إلى الأستاذ عبدالعزيز الصدر برسمه مديرا مسئولا، وكان الأستاذ عبد العزيز إذ ذاك يدير مطبعة تتولى من ضمن أعمالها طبع المجلة.
وقبل الأستاذ أن يتولى منصب الإدارة فعادت المجلة إلى الظهور بعد أن احتجبت عن قرائها شهرا وبضعة أيام، وظهر العدد 112 بتاريخ 2 فبراير سنة 1928 وقد أصدره المدير المسئول الجديد بمقالة أتى فيها على موقف الأسرة الصحفية من المحنة التى نزلت بالمجلة وبعض المتطوعين للعمل فيها.
وهو موقف تحرج فيه بعض الصحفيين ممن كانوا يظاهرون الوزارة القائمة إذ ذاك، وهى وزارة المغفور له ثروت باشا، وكانوا بحكم هذه المظاهرة يجنون على الصحف التى لا تؤيد تلك الوزارة فى حين أنها تؤيد الوفد ورجاله، وكانت من ضمن تلك الصحف مجلة روزاليوسف.
••
وعلى الرغم من عودة المجلة إلى الظهور لم أطق الإقامة فى باريس، وعبثا حاول زوجى أن يقنعنى بالبقاء، وعبثا أخافنى من ركوب البحر فى فصل الشتاء.. لم أعبأ بكل هذا وحملت طفلتى (آمال) على كتفى وركبت البحر فى 21 فبراير وكان البحر هادئا على غير المعتاد.
ولكننى ما إن وصلت القاهرة إلا ووجدت بحر السياسة هائجا مزبد الموج، فحمدت الله على هذا الاستقبال البديع !
كانت وزارة ثروت باشا تعمل على ترويج مشروع (ثروت- شمبرلن) ووراءها صحفها الموالية تتقدم الزفة وتدق الطبول وفى مقدمتها الأستاذ سليمان فوزى يتولى زعامة فتوات الزفة، ويشرع من مجلة (الكشكول) سوطا يفرقع به فى الهواء ويهوى به على المعارضين.
وكان الوفد من ناحية أخرى يعمل على عرقلة هذا المشروع ومعه الصحف التى تشد أزره فى هذا العمل، وكنت بحكم ولائى لمبدأ سعد العظيم أناصر الوفديين فى ذلك الوقت.
كان الجو مضطربا مكهربا يلمع فيه الشرر فتكهربت بدورى، وتقدمت بالمجلة خطوة جريئة فى نضالها الحزبى، وصدر العدد رقم 117 وفيه صورة كاريكاتورية بعنوان (أجزاخانة الوفد المصرى لصاحبها مصطفى النحاس صيدلى قانونى) مثلت فيها الصيدلى مصطفى النحاس واقفا أمام خالتى زبيدة (رمز مصر) وجرى بينهما هذا الحوار :
(خالتى زبيدة) - الدكتور ثروت والمقصود (ثروت باشا رئيس الوزراء) كتب لى يا ابنى على شربة ملح إنجليزى.
(الصيدلى) - لكن المكتوب فى الروشتة يا ستى.. سم هارى إنجليزى !.
وكانت هذه الصورة اصدق بيان عن موقف المجلة من وزارة ثروت باشا ومن مشروعها فى المفاوضة.
وعندما لاحظت أن المدير المسئول للمجلة بدأ يبدى مخاوفه من أخذنا بأسباب هذه المعارضة، لم أتردد فى أن أحل مكانه، وصدر العدد 120 يحمل اسمى بصفتى المديرة المسئولة عن سياسة المجلة.
وكان لى أن أنزل إلى معركة ثانية..
••
دأبت مجلة (الكشكول) على مهاجمة الوفديين فى حياتهم العامة وفى حياتهم الخاصة وكان كلما اشتد معارضة الوفديين اشتدت مهاجمة (الكشكول)، وكنت أقابل تحية الكشكول بتحية أحسن منها، ولكن بغير مبالغة فى الخدش والتجريح.
وأخيرا حلا لتلك المجلة أن تهاجم حرم الأستاذ مكرم عبيد على طريقة فرش الملاية على المفتوح.. فلم أتردد فى الكيل للكشكول من نفس الوعاء الذى يرش منه الماء الآسن يدفعنى إلى ذلك عاملان : عامل الحزبية وعامل الغيرة على واحدة من بنات جنسى.
وبدأت معركة حامية بينى وبين الأستاذ سليمان فوزى أثارت اهتمام الناس وارتفعت مدتها مقطوعية المجلة، وسرعان ما انقلب الاهتمام إلى دهشة بعد أن رأى الناس أنه يوجد فى السويداء سيدة تضرب رجلا ، ولا ككل الرجال، على عينيه الجوز، رجل لم يسلم أحد من لسانه !!
وفى ذات يوم من أواخر شهر مايو وصلنى إخطار من نيابة مصر بدعوتى للحضور إليها لإجراء تحقيق معى بناء على شكاية الزميل سليمان فوزى!!
كانت دهشتى عظيمة وكان زهوى أعظم !
دهشت أن أرى الرجل الذى لم ينج أحد كبيرا كان شأنه أم صغيرا من لسانه، الرجل الذى يجرح الكرامات ويثير الغبار فى كل وجه، يتأثر أخيرا من جرح كرامته وما أثرته فى وجهه من غبار !!
وزهوت إذ رأيته يلتقى السلاح ويلتجئ إلى النيابة!!
وهكذا سرت إلى النيابة للمرة الأولى فى حياتى، يتملكنى زهو وإعجاب ذهبا بكل ما كان يصح أن يتولانى من خوف ورهبة.
••
فى مثل هذه القضايا يتولى التحقيق أحد وكلاء النيابة. ولذا عجبت العجب كله إذ أدخلونى حجرة رئيس نيابة مصر على سن ورمحين !!
وكان يشغل هذا المركز فى ذلك الوقت المرحوم محمد بك نور. دخلت الحجرة يصحبنى الأستاذ زهير صبرى المحامى فوجدتها غاصة بعدد كبير من المستشارين ورجال القضاء والمحامين فوجمت، ولكن حسن استقبالهم لى أعاد الريق يجرى متدفقا فى فمى وعلمت بعد ذلك أن هذا الجمع قد جاء ليتفكه برؤية الجدع سليمان يشكو الحرمة روزاليوسف!
والجدع سليمان رجل ولا كل الرجال، وبعد برهة حضر الأستاذ سليمان فوزى يصحبه محاميه الأستاذ أحمد رشدى.
وفتح المحضر الفكاهى الذى لن أنساه، وهو محضر شفوى لم نثبت فيه أقوال ولا أفعال، وبدأ سعادة رئيس النيابة هذا التحقيق الخفافى:
- ما كنت مسافرة ياست فاطمة - يعنى أنا - وكان الواحد أهو بيمرمط فى العيال الصحفيين اللى عندك، ومد يده مشيرا إلى أخينا الجدع سليمان فارتفعت ضحكة عالية أطلقها الأستاذ زهير صبرى محامى الهمام، وابتسمت أنا بدورى.
- بتشتمى ليه حرمة سليمان أفندى ؟!
-هو كمان بيشتمنى وأنا كمان حرمة.
- أيوه لكن أنت حرمة عمومية..
فذهلت لكلمة (عمومية) هذه وبدا عليَّ التأثر، ولاحظ سعادته ذلك فأخذ يشرح، فى اعتذار وتلطف أن المعنى الذى يقصده بهذه الكلمة هو أننى صحفية وأننى بحكم ذلك فى طائفة كبار الناس الذين لهم جانب عام ملك للجمهور.. ففرحت!
وبدأ الأستاذ سليمان يشكو ويبدى ألمه من شرفه الذى أصبح يشلب دم، وأخذت بدورى أدافع، وبين الشكاية والدفاع كان الضحك لا ينقطع فخيل إليَّ أننى فى (صهبة) ولست فى النيابة.
وأخيرا، وبعد الضحك والذى منه، وتشفى الحاضرين فيما نال الجدع سليمان من الحرمة روزاليوسف، طلب إليَّ أن أعتذر إلى الجدع سليمان فرفضت.. وراسى وألف سيف!
وانفضت الجلسة على أن يفتح المحضر من حق وحقيقى على يد الأستاذ زكى سعد أحد وكلاء النيابة. وانصرفت بعد أن حييت صديقى اللدود الجدع سليمان تحية مناويشية قابلها بهرش الرأس بعد أن ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة قبلت أطراف أذنيه!.•

هامش الحلقة

كانت السيدة «روزاليوسف» فى باريس عندما وصلها خبر رحيل «سعد زغلول» زعيم الأمة والتى كانت تكن له كل التقدير والاحترام. وتنفرد «روزاليوسف» بنشر صفحات من مذكرات «سعد زغلول» عثر عليها «محمد التابعى» وتخاطف القراء كل نسخ المجلة.
وبدأ دخول الكاريكاتير على يد الفنان الإسبانى «سانتيز» ثم بدأ التابعى ينشر سلسلة مقالات عن ملوك أوروبا وأسرارا تذاع لأول مرة، وتصدر النيابة أمراً بإيقاف المجلة عن الصدور لفترة من الوقت.
وشيئا فشيئا أصبحت «السياسة» وهموم الوطن على رأس أولويات المجلة وخاصة دفاعها عن الوفد ومبادئ الوفد! •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook