صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عندما قال لى أمير الشعراء: هذا الباب علمنا التواضع!

1182 مشاهدة

18 اكتوبر 2016
إعداد: رشاد كامل



(5)
علم القراء مما وقفنا عنده فى ذكريات العدد الماضى، أننا عقدنا اتفاقا مع المتعهد على توزيع عدد معين بغير مرتجع.
وكان الاتفاق مشجعا للمحررين على بذل جهودهم فى الحصول على الطريف من الأنباء، والتلطف فى سرد الأخبار، وتدبيج المقالات فاتخذت المجلة طابعا خاصا تشيع فيه «خفة الروح» وتتجلى فى معظم صفحاته.
وأقبل الجمهور على المجلة، إثر شعوره بخصومتها مع «الأدب العالى»، وارتفع رقم التوزيع من ألفى نسخة إلى ثلاثة.. فأربعة.. حتى وصلنا إلى تسعة آلاف نسخة، ولما تتجاوز المجلة عددها الثلاثين.
وألفت أن أتجول فى أنحاء العاصمة، يوم صدور المجلة، فإذا الباعة ينطلقون بها سراعا فى الشوارع والميادين هاتفين باسم «روزاليوسف» والجمهور يتخاطفها من الباعة فلا تمضى ساعات حتى تنفد الأعداد من أيدى الباعة.
فكان نجاحا هائلا، أشعر بنشوانه كل أسبوع، وكل يوم، بل كلما وقع نظرى على نسخة من المجلة، سواء فى البيت أو الشارع.. وبدأت المجلة تثير اهتمام أبناء الطبقة الراقية المثقفة وتتغلغل فى قصورهم وتتداولها أيدى فتياتهم وفتيانهم.
وانتقل الاهتمام بالمجلة إلى الدوائر العليا فكنت أرى الكثيرين من العظماء يحملون المجلة، ويخفونها فى الصحف اليومية، حتى لا يقال عنهم إنهم من المهتمين بمطالعة المجلات الفنية الطويلة اللسان بعض الشىء.
وآلمنى أن أشعر بهذه الحقيقة، فاعتزمت فيما بينى وبين نفسى أن أكره الجميع على احترام مجلتى، وإعطائها المكانة الأولى بين المجلات.
•••
كانت المجلة توزع أسبوعيا تسعة آلاف نسخة.
وعدد كهذا يباع من مجلة أسبوعية، كان يجب أن يدر الكسب الوفير ولكن الأمر على العكس تماما.. فقد كان ثمن الورق مرتفعا جدا وكذلك أجر الطبع، فإذا لوحظ أننى كنت لا أدخر وسعا فى انتخاب أجود أنواع الورق لمجلتى، كان كسب المجلة بعد بيع هذا العدد الوفير عنها لا يوازى شيئا مذكورا.. وهذا، فضلا عن أن تحرير المجلة بأكمله لم يكن يكلفنى إلا القليل، والقليل هنا هو ما يستهلكه المحررون من القهوة أثناء العمل!
على أننى كنت راضية مغتبطة.. أليست مجلتى الآن مسموعة الصوت نابهة الذكر فى أنحاء القطر المصرى وغيره من الأقطار؟! وماذا أبتغى غير هذا؟!
لقد كنت قبل أن أصدر مجلتى، لا أعنى بالناحية الأدبية منها قدر عنايتى بالناحية المادية، ولكنى عندما اندمجت فى الصحافة، وتجاهلت الناحية المادية، لم يبق أمامى سوى هدف واحد أرمى إليه.. هذا الهدف، هو أن أصل بمجلتى إلى ذروة الكمال، فأقدم من على منبرها إلى بنى وطنى، دروس الحكمة وعبر الحوادث.
ومن أجل هذا، كنت أجاهد وأناضل طيلة الشهر كله، ولا أكاد أخرج بنفقات ما أستهلكه من الأحذية أثناء قيامى بالمشاوير من الإدارة إلى المطبعة ومن المطبعة إلى حفار الكليشيهات، ومنه إلى مراجعة مواد العدد ومراقبة تنظيم الصفحات.. إلخ.
•••
وضاق منزلى ذرعا بكثرة زوار المجلة، تبعا لكثرة انتشارها، وكان لابد من استئجار إدارة.. تخفف الضغط عن منزلى، وترحم المحررين غير المأجورين من صعود أربعة وتسعين سلما بضع مرات فى اليوم الواحد.. وكان استئجار «إدارة جديدة» يعد حادثا خطيرا له تأثيره فى مالية المجلة التى يقبض عليها الصديق إبراهيم خليل بيد من حديد.. واجتمعنا ثم وضعنا مسألة «الإدارة الجديدة» على بساط البحث.. ولم يطل بنا الحديث، فقد تم الاتفاق على استئجار «بدرون» المنزل المقابل لمنزلى، وكان يملكه أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقى بك، وهو نفس المالك للمنزل الذى كنت أقيم فيه أيضا..
وكان البدرون يحتوى على غرفتين متداخلتين، وردهة صغيرة، لا تتسع إلا للقليل من الأثاث وإيجاره مائتا قرش فى الشهر.
وللوصول إلى «الإدارة» الجديدة ينبغى أن يهبط المرء أكثر من اثنى عشر سلما أو أكثر.. وهكذا انتقلت الإدارة من الارتفاع الشاهق إلى هذه «الهوة السحيقة» كما كان يدعوها أمير الشعراء!
على أن اغتباطى بهذه الإدارة المستقلة كان كبيرا.. فأقبلت أزين جدران «الإدارة» بالورق الملون، وأستوحى كل ما وهبه الله للمرأة من «الذوق» فى تنسيق هذه «الهوة السحيقة» حتى استحالت - بعد مجهود - إلى «إدارة» بحق وحقيق، يرتاح المرء للجلوس فيها، ويطمئن الكاتب على عدم شرود خياله منها!
ولم يمض وقت طويل حتى صارت الإدارة، عشا جميلا يرتاده كبار رجال الصحافة والفن والشعر والأدب.. وكان أكثر الزائرين ترددا على الإدارة الأساتذة الأفاضل، محمد توفيق دياب، وعبدالقادر المازنى، وإبراهيم رمزى وغيرهم كثيرون من كتاب الدرجة الأولى.
أما كتاب وأدباء الدرجة الثانية فكانوا أكثر من أن يتناولهم الحصر والعد.. وكثيرا ما كانت تنقلب الإدارة إلى قاعة محاضرات علمية أو فنية أو صحفية، وتشتد المناقشات ويكثر الأخذ والرد حتى لكأن المكان صورة مصغرة من مجلس النواب!.. ولم يكن ضيق المكان، وغرابة مدخله، ليثنيان كبار حملة الأقلام والفنانين من الإقبال على زيارته المرة بعد الأخرى.
فقد كان على «النازل» إلى الإدارة إذا كان متوسط القامة، أن يثنى قامته عند اجتياز المدخل، وكان هذا العيب موضع قفش بعض الأدباء، وأذكر أن المرحوم شوقى بك، كان كلما اجتاز المدخل، فاضطر إلى انحناء قامته هتف يقول:
- الباب ده علمنا التواضع يا ست روز!
وكان أخوف ما أخافه، وقت أن يحضر الأستاذ العقاد لزيارتى، فيجد نفسه أمام مشكلة، فإما أن يعود أدراجه، وإما أن يطوى قامته إلى قسمين ليتسنى له اجتياز الباب.
•••
وكانت هيئة التحرير كما هى..
التابعى، ومحمود عزى، وأنا.. أما الصديق أحمد حسن، فقد كان يقوم بمهمة المدير المالى، ولكن كان مديرا «زهورات» أعنى أنه كثيرا ما كان يختفى لئلا يقوم بعمل ما.
وكان القسط الوافر من تحرير المجلة يقع على عاتق الأستاذ التابعى، على الرغم من قيامه بعمله فى مجلس النواب.
وكان التابعى يقطن فى فندق يقع بميدان العتبة الخضراء، وكنت أقطن كما قدمت، بشارع جلال، ولما كان العمل يضطرنا إلى الالتقاء يوميا، فقد ثارت بيننا مشكلة هو لا يستطيع أن يقطع هذه المسافة سيرا على الأقدام، لأنها تأخذ من وقته كثيرا، خصوصا أنه مضطر بعدها إلى قطع المسافة من شارع جلال إلى مجلس النواب ليصل إلى محل عمله فى الموعد المحدد.
وأنا لا أستطيع الذهاب إلى مكان سكنه، لأن المكان لا يسمح لنا بالمباحثة فى شئون المجلة.
وأخيرا اتفقنا على تعيين مكان يقرب المسافة بيننا ووقع اختيارنا على حديقة الأزبكية بجوار كشك الموسيقى.
فكان هو يضطر إلى مبارحة الفندق فى ساعة مبكرة جدا، من الصباح ليكون بالحديقة فى تمام السادسة صباحا، حيث أكون بانتظاره وأنا أحمل له ما تيسر من الصور والكليشيهات وغيرها ليذهب بها إلى المطبعة أو إلى حفار الكليشيهات.
فإذا التقينا جلسنا نتباحث فى شئون المجلة حتى إذا حان وقت ذهابه إلى عمله، انصرف مسرعا وهو يطوى الأرض طيا بساقيه الطويلتين.
ومن المناظر المألوفة فى ذلك الوقت، أن تقع الأنظار على التابعى وجيوبه منتفخة لكثرة ما أودع فيها من كليشيهات المجلة..
وقد حدث ذات يوم، أن التقينا وأخذنا نتباحث فى شئون التحرير، فوقع بيننا خلاف حول مسألة معينة، فأصر كل منا على رأيه وساقت الحدة مناقشتنا، فلم يرق لى هذا الإصرار من جانبه، وثارت أعصابى فلم أتمالك شعورى وأعمانى الغضب، فإذا بيدى تمتد وتهوى على وجنة الصديق فيكون لها دوى شديد كان له رد فعل فى نفسى الثائرة، فشعرت بالخجل.
وكانت دهشة التابعى لهذه المفاجأة غير المنتظرة شديدة جدا.. فتراجع مذعورا.. وهو يحملق فى بنظرات الدهشة والعجب.
ولم تقو عيناه على احتباس دمعة انحدرت فنمت عن عظيم تأثره لما حدث، وبغير أن يفوه بحرف واحد، انصرف يوسع الخطى لا يلوى على شىء!
ومضت برهة وأنا مأخوذة بما حدث.. ولم ألبث أن راجعت نفسى، فساورنى الندم وأيقنت أن الصديق كان على صواب فى إصراره على رأيه فما عتمت اعتزمت أن ألحق به، وأزيل أثر هذه الصفعة بكلمة اعتذار.
وكان التابعى قد قطع مسافة طويلة، فليس من سبيل للحاق به إلا أن أستقل عربة، وتحسست حقيبتى فإذا بها لا تضم بين جنباتها أكثر من ثلاثة قروش فسرت نحو موقف العربات، وهنا بدا لى الموقف حرجا جدا.. كيف «أفاوض» العربجى.. وأنا لم أتعود إلا دفع الأجر مضاعفا بحيث لا ينطق لسان العربجى بالشكوى؟!
وبدا لى الموقف حرجا جدا.. لكنى استجمعت أطراف شجاعتى، وتقدمت من أول حوزى يقف فى الصف وقلت له فى حدث:
- اسمع.. توصلنى لمجلس النواب وتاخد تلاتة صاغ.. مش عاوزة كتر كلام.. أيوه والا لأ؟!
وصمت الحوذى وهو يتأملنى دهشا، ولعله ظن أننى أحد النواب متنكرا فى زى سيدة، واعتبرت سكوته قبولا فركبت ولما وصلت إلى مجلس النواب، كان التابعى لم يصل بعد، وحالما رآنى أدرك أنى ندمت وشاء له أدبه أن يكفينى مؤونة الاعتذار، فقال ضاحكا:
- تعرفى يا مدام.. إنه مش من مصلحتك أبدا.. أن تكون المناقشة بلغة الأيدى؟!
فضحكت وضحك، وزال من نفسينا ما كان يسودهما من الغضب، وعدنا للمباحثة فى مواضيع المجلة من جديد.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook