صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

منتهى الونس.. فى مدينة الغرباء (2) : كن مستعدا لمتعة لقاء «الغرباء»!!

1512 مشاهدة

5 يوليو 2016
نيويورك: امل فوزى



يقول البعض عن مدينة نيويورك إنها مدينة الغرباء، حيث يأتيها بشر كثيرون من جميع بقاع الأرض، ليس كسياحة فقط، ولكن كإقامة دائمة أو حتى مؤقتة، كثر من الناس يعتقدون أن أمريكا هى نيويورك، وأن من لم يزر نيويورك، كأنه لم يذهب إلى أمريكا.
وفى هذه الزيارة تحديداً كنت فى مزاج التأمل، وعدم الانشغال فى أفكارى الخاصة، بل محاولة قراءة كل ما هو خارجى دون تحليله، ولكن بتدريب الخيال على تأليف قصص تدور حول موقف معين، أو شخص معين أراه فى الشارع.
ويبدو أن هذا ما يطلقون عليه فى علم تطوير الذات.. هو أن تكون فى حالة استعداد واستقبال من العالم الخارجى.
نعم كنت مستعدة أن أفتح باباً على عالم الغرباء فى مدينة الغرباء..حتى هذه اللحظة وبمنتهى السذاجة تفرق معى جدا تفصيلة، اعتبرها جوهرية فى إحساسى بالراحة والبراح كلما سافرت فى بلاد لا تحكمها ثقافة الرقابة الإنسانية والأحكام المتسرعة والجاهزة على البشر كما هو متحقق يشكل مرضى فى بلادنا وأغلب المجتمعات العربية، وهى أن أى شخص يتحدث إليك أو يضحك لك، غالبا هو يريد منك شيئا، والأمر يزداد بلاء إذا كنا نتحدث عن أن طرفى المعادلة  «رجل وامرأة».
فى أغلب الأحيان هذا غير موجود فى أمريكا، وكم يفرق فى يومى أن يقابلنى عامل بناء مثلاً فى الشارع فتلتقى أعيننا فيلقى التحية بمنتهى الود! أو سيدة عجوز فى محل ملابس تبتسم بحب وتحكى قصة عن أنها حائرة مثلاً فى شراء هدايا لأحفادها الذين يعيشون فى فلوريدا، وهى ستسافر لهم بعد أسبوع للاحتفال بعيد ميلاد أحدهم، والأمر لا يخلو من أنها تذكر أعمارهم، وتتحدث عن أمهم «ابنتها»، وانشغالها الدائم، وكيف أن طقس فلوريدا مزعج بالنسبة لها، رغم استمتاعها بالبحر، والحكى لا يستغرق دقائق قليلة، وينتهى بابتسامة ودودة كما بدأ، وما أن تذهب السيدة تظل صورتها عالقة فى ذهنى، واعتبر أن هذا الحوار العابر الدافئ هو رزق إنسانى منحه الله لى.
ويبدو أننى فى هذه الرحلة كنت واسعة الرزق، ويبدو أن كلمة السر كانت هى أننى مستعدة للانفتاح على الغرباء...كانت أمتع لحظات استمتاعى هى أن أجلس على المقاعد الحديدية الملونة فى التايم سكوير، حيث تأمل جموع وجحافل البشر فى حركاتهم وضحكاتهم ولغة أجسادهم، ولغاتهم المتعددة وتحديد جنسياتهم، ورصد ملابسهم، وتحليلى لدرجة شعور كل منهم بالبرد من خلال طبقات الملابس التى يرتديها، وقراءة وجوههم، هذه اللعبة كانت مسلية وتزداد متعتها إذا ساعدنى خيالى فى تأليف قصة ولو فى جزء من حياتهم.
وأثناء صمتى، وجدت فتاة يبدو أنها فى أوائل العشرينيات، طلبت منى بأدب أن تجلس معى وتتحدث عن بحث تقوم بإجرائه، وقلت لها أننى غريبة ولا أعلم إذا كنت مفيدة لبحثها أم لا؟
عرفتنى بنفسها، وقالت إنها من «نورث كارولينا»، وأنها أتت إلى مانهاتن حيث الاختلاف والتنوع البشرى كجزء أساسى فى موضوع بحثها، الذى اتضح أنه بحث شخصى، لا علاقة له بتكليف دراسى أو وظيفى، إنما هى مهمومة بأسئلة ما، وتريد أن تبحث لها عن إجابة، وسألتنى عن إن كنت أنتمى لدين معين، فأجبتها أننى مسلمة، وبالفعل بدأت تحكى عن أنها مسيحية، وكيف أنها كانت بعيدة عن الدين  ورافضة لكل ما هو ملزم لها، حتى إن علاقتها بوالديها كانت شديدة التطور، إلى أن وقع لها حادث ما، غير الكثير من أفكارها وبدأت تتقرب إلى الله، أو على حد تعبيرها، أخذت تبحث عن المسيح، وتبادلنا حديثاً شيقاً جداً حول فكرة وجود الله فينا، وأننا جزء من روح الله، وأن الإنسان لابد أن يكون مقدراً وسامياً، واستمرت المناقشة لمدة ساعة وأكثر، كانت تستخدم الفتاة أوراقها، والكتاب المقدس، وتفسيره، الذى يبدو أنها تستذكره بعناية ..وخلال استمرارنا فى الحديث، كانت تحاول إقناعى بأن المسيحية هى الطريق الوحيد إلى إيجاد النفس والوصول إلى الله، وناقشتها حول إيمانى بأن هذا هو جوهر الأديان جميعها، وأن الله يكمن بداخلنا، وبحثنا عن الله لا يخص دينا واحدا، وأن هذه هى المشكلة أن نقع فى فخ مسميات الأديان، فكلنا واحد كنفس بشريه لها نفس آلامها وصراعاتها وأحلامها، وهدفها واحد هو أن تصل إلى السلام، والسلام لا يصنع باسم الديانة، ولكن بتطبيقنا وفهمنا بالصلة بيننا وبين الله.
بأدب شديد قالت لى إنها غير متفقة معى، ولكنها سعدت بالحديث إلى، وانصرفت..وأخذت أفكر فى هذه المقابلة العشوائية، وسط هيستيرية المكان  «التايم سكوير».. كان حديثاً جانبياً للبحث عن الروحانيات وعن الله وعن السلام .
ولا أعتقد أن لقائى العابر بهذه الفتاة مر هكذا لكنه خلق ذكرى وتداعيات أفكار كثيرة، ستحضرنى بلا شك كلما وجدت فى تايم سكوير.
فى شوارع مانهاتن ليس أمراً مستغرباً على الإطلاق أن ترى متسولين أو HOMELESS  فى الشوارع، يجلسون وبجوارهم لافتة مكتوب عليها طلب المساعدة، لكنه أمر غير معتاد أن تجد من يتحدث أو يرتفع صوته، وبالمصادفة كنت أمر فى أحد الشوارع ولفت انتباهى سيدة متسولة، ترفع صوتها وترجو الناس فى أداء درامى واضح، نظرت باتجاهها للحظات، فإذا برجل يسير بجوارى، قال لى، لا تنزعجى، إنها هنا من 20 سنة، كل هذا ونحن نواصل السير، وحكى لى أن عمله بالقرب من هذا الشارع، فهو يعرف المنطقة عن ظهر قلب، وكيف أن هذه السيدة تعتبر التسول وظيفة ومهنة، وظللنا نتحدث عن نيويورك، ومفاجآتها، وسألنى من أين أنا قادمة، وماذا أعمل، وظل الحديث بشكل إنسانى لمدة عشر دقائق، ثم انصرف وتمنى لى يوماً جميلاً، وانعطف نحو اتجاه اليمين، وافترقنا.. وهكذا الحياة يمكن أن تسير تحت مظلة «البنى آدمين» دون أى حسابات أخرى..وفى مشهد آخر مشابه، كانت الكاميرا التى أصور بها، هى مدخل الحديث، حيث استوقفنى شاب، عرفت فيما بعد أنه صينى الأصل، درس فى جامعات أمريكا، سألنى إن كنت أصور فيلما أو شيئاً إخبارياً حيث إن الكاميرا التى أحملها ليست للهواة، حدثته عن عملى بالأفلام التسجيليلة والصحافة، وحدثنى هو عن عمله بالعقارات منذ خمسة أعوام، وكيف أن أسعار العقارات فى نيويورك باهظة ولا يقدر عليه الكثيرون، وكيف أن جزءاً كبيراً من الراتب يضيع فى استئجار شقة صغيرة، وكيف أن معظم الناس يعانون من هذه الأزمة السكنية والاقتصادية، ولكن مع ذلك هو مستمتع بالعمل والعيش فى نيويورك، قائلاً على حد تعبيره: يكفى حرية الحركة والانتقال من مكان لآخر بسهولة، رغم الازدحام والكثافة الأمنية العالية ، لكنها مدينة حرة..بالفعل إن الانفتاح على الغرباء قد يكون أمراً مفيداً للغاية، وهذا ما ثبت لى عندما قابلت «جايلين»، هى شابة كانت مع رفيقتيها، استوقفتنى،  وسألتنى عن وجهة نظرى إذا كان الله رجلاً أم إمرأة، وكان السؤال غير متوقع بالنسبة لى على الإطلاق، وأخذت تتحدث جايلين عن فكرة الأمومة التى هى من رعاية الله، فالأم تحتضن وترعى وتحب وتغفر وهى سمات غالبة على الأم أكثر من الأب، وهذه هى من صفات الرب، وقد دعتنى الفتاة لحضور معرض فنى يحمل هذه التيمة «الأم»، وكان ذلك أيضاً بمناسبة الاحتفال بعيد الأم لديهم فى 8 مايو وأعطتنى العنوان، وانصرفت..فى اليوم التالى، قررت أن أذهب إلى المعرض
ذهبت، شعرت أن زيارتى لهذا المعرض كانت من أسعد وأمتع الأنشطة التى قمت بها خلال الرحلة.
 معرض متميز باللوحات الفنية مع شعر، مع تجارب يتم حكيها إما بالتسجيل الصوتى الذى يمكن للزائر أن يستمع إليه عبر سماعات وهو يقف أمام اللوحة، أو تجربة مكتوبة، مثل تجربة الابنة التى سجلت حبها لأمها، التى كانت تعمل فى مصنع بعد رحيل الزوج، وأصبحت هى السند الحقيقى لابنتها، وأصبحت الابنة هى مشروع الحياة الذى لابد أن يكتمل على أفضل نحو، وبالفعل أصبحت هذه الابنة طبيبة، تحكى الابنة بصوتها وبدموعها  بمنتهى الصدق الذى تفاعلت معها، وكأننى أراها، وأخرى تحكى عن أمها التى أصرت أن تحيك لها فستان زفافها بنفسها، ثم مرضت الأم وانتقلت إلى المستشفى ولم تتمكن من حضور حفل زفاف الابنة إلا عن طريق «سكايب» عبر شاشة كمبيوتر، وكل هذه اللحظات تم تجسيدها بالصور، وبكتابة القصة كاملة عن هذه اللوحات التى كانت تمثل ركناً من أركان المعرض، حتى ركن المطبخ، لم يغب عن روح هذا المعرض، بتفاصيل رقيقة كيف أن الأمهات يضيعن وقتاً طويلاً داخل المطبخ، من أجل عمل وجبة بحب لأولادهن.
من القصص المؤثرة الواقعية، ما تحكيه الأم التى تم تصويرها، وهى تخضع للعلاج الكيميائى حيث أصابها المرض أثناء رضاعتها لوليدها، واضطرت لإيقاف الرضاعة أثناء خضوعها للعلاج، وكيف كانت تحكى مشاعرها وأوجاعها لأنها كانت تتمنى أن ترضع ابنها، وماذا فعلت فيها تلك التجربة فى علاقتها بطفلها..ومن الصور التى خطفت القلب هو مشهد الوداع، أو مشهد الاستقبال بين أمهات المارينز، وقوات حفظ السلام وبين أطفالهم أثناء عودتهن من مهمة عمل، أو خلال توديع أطفالهن للذهاب إلى مهمة عمل، لا أحد يعلم إذا كان اللقاء سيكررنه بينهما أم لا..قصص كثيرة وجوانب إنسانية متعددة، شديدة العمق والبساطة والرقة فى هذا المعرض، تمتزج فيه المشاعر، بالحكى، باللوحة المرسومة، بالصورة الفوتوغرافية، بقطع منحوته، باكسسوارات مكملة لصناعة القصة، بأبيات شعر، وموسيقى هادئة فى الخلفية ورائحة عطرمريحة للأعصاب تفوح فى المكان..كم هو رائع وبديع أن تكون مستعداً لاستقبال رزق إنسانى يمنحه الله لك. فقط لأنك كنت جاهزا له دون أحكام مسبقة ولا قيود معطلة لفكرة واحدة  «نحن البنى آدمين موجودون فى سبل بعضنا البعض لسبب وحكمة».
شكراً للغرباء. •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ضحايا الإنجلوساكسون 8 - خوسيه لوبيز بورتيللو - المكسيك

لم تواجه دولة فى العالم أزمات متتالية - سياسية واقتصادية واجتماعية - كما واجهت المكسيك. الدولة التى تقع على الشريط الحدودى الج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook