صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

رحلات «صباح الخير» ترانيم على جسر الذهب

1363 مشاهدة

23 فبراير 2016
من ايطاليا: مى الوزير



من ساحة الدومو تتفرع ستة شوارع، منها أربعة رئيسية فى الاتجاهات المختلفة التى تؤدى إلى معلم رئيسى من معالم فلورنسا التاريخية السياحية، فهذا الشارع يؤدى إلى سوق سان لورنزو أشهر سوق للمنتجات الجلدية فى العالم من الصناعة الإيطالية حول كنيسة سان لورنزو التاريخية، وذاك الشارع يقود إلى مركاتو سنترال، ذلك المبنى الكبير المرتفع لثلاثة أدوار الذى يضم كل أصناف وأنواع محلات الأطعمة ومطاعمها.

والشارع الآخر يؤدى إلى محطة القطار الرئيسية سانت ماريا نوفال والمسماة على اسم الكنيسة هناك، والشارع الأخير، شارع Via dei Calzaiuoli، فهو الشارع الذى يؤدى جسر Ponte Vecchio مرورا بـ Piazza della Signoria وUffizi Gallery  المتحف الكبير الذى يضم بعضا من الأعمال والمنحوتات الأصلية لفنانى عصر النهضة، حسمت ترددى وقررت أن يكون الشارع الأخير «فيا دى كالزيولي» أولى جولاتى سيرا على الأقدام.. فى هذا الشارع الذى توحدت مبانيه وتقاربت بالتزام معظمها بالطابع القديم الأثرى الذى تشتهر به مبانى إيطاليا ورغم هذه العراقة التى فرضت نفسها على الشارع والتى فرضتها الإضاءة الخافتة ذات اللون الأصفر الهادئ، إلا أن هذا لم يتناقض أو يتنافر مع وجود محلات لأشهر الماركات العالمية وبعض محلات المنتجات المحلية للجلود وغيرها ومحلات المأكولات المختلفة من الإيطالى والهندى والتركى الحلال وغيرهم، تنوع غريب  فى مكان تتقاطع فيه العراقة مع علامات الحداثة، الماضى والمستقبل، العالمية والمحلية..  كل هذه التناقضات المحببة غير المتنافرة صنعت المعادلة الرئيسية فى تحريك المشاعر المختلفة تفاعلا بها ومعها، فى اتفاق غير مكتوب على إحداث الأثر النفسى والمادى للمدينة مبدعة عصر النهضة فى وجدان زائرها، فلا يتصور أن تكون هذه هى الزيارة الوحيدة وبلا شك لن تكون الأخيرة.
• عشاق البتزا
فإن كنت عاشقا للبيتزا فأنت فى مكان من اخترعها ووضعها على قائمة المأكولات العالمية، تستطيع أن تطلب من أنواعها المختلفة واحدة تاتيك فى حجم كبير مع اختيارك من المشروب (7 يورو، وإن كنت من عشاق الباستا وهى اختراع إيطالى أيضا، فحدث ولا حرج عن الأنواع والأشكال فهى تعجن وتطهى لحظيا (3 يورو)، أما إذا اشتقت للشاورما بنكهتها الشرقية واسمها (حلال) فوجبتها تكفيك يوما كاملا (3.5 يور، ويبقى الآيس كريم الإيطالى (جيلاتو) هو المذاق الخاص الذى يصعب أن تجده فى أى مكان فى العالم (1.75 يورو)، حتى فى أقسى درجات الجو برودة، لا يمكن أن تقاومه، فقررت أن يكون الجيلاتو أول ما أتناوله فى شارع «دى كاليزيو».
واستمرت جولتى فى الشارع الشهير المتلألئ بأضواء أعياد الميلاد مع لفحة البرد المنعشة، وقد قاربت الساعة على الثامنة مساءً، والحيوية والنشاط ترتسم على وجوه السائرين الزائرين للمدينة العتيقة الساهرة، لا يخبئون سعادتهم ولا يخفون انبهارهم، ولا أتوقف أنا عن النظر إلى «فاترينات» المحلات، لتستوقفنى فتاة شابة فى العشرينيات من عمرها ضمن مجموعة من الفتيات والشباب تجمعوا على شكل حلقة دائرية، تسألنى من أين أنا؟ فقلت من مصر (إيجيتو)، فأخبرتنى أنها زارت الإسكندرية، فهى أرمينية وصلت إيطاليا للدراسة الجامعية وأنها وأصدقاؤها ينظمون حملة لمكافحة تعاطى المخدرات وأطلعتنى على مطبوعات توضح خطورة تعاطى المخدرات نفسيا وبدنيا، وطلبت منى أن أساهم تبرعا لعلاج مدمنى المخدرات، فتذكرت على الفور هذا النوع من الحملات عندنا «وساهم يا مؤمن»،  فأخبرتها بأننى لا أحب فكرة التبرعات من هذا النوع، فتغيرت ملامحها غاضبة تعبر عن مفاجأة قاسية، وقالت لى بالطبع لا أجبرك، ولكن كيف يمكن أن تمتنعى عن مساعدة إنسان؟
من جديتها بالإحساس بالمفاجأة، صدمتنى فكرة الامتناع عن مساعدة إنسان، أخجلتني، ربما لأننا فى مصر استهلكنا هذه الفكرة بجميع الوسائل حتى أصبحت فكرة ممجوجة فى الشاشات التليفزيونية والشوارع وإشارات المرور، أبعدت القيمة الإنسانية بالمشاركة فى إنقاذ إنسان وحولتها إلى «شحاتة»، قلت لها سأتبرع، قالت لى: سجلى اسمك وتوقيعك وبلدك فى اللائحة لأننا سنعلقها على جدران محطة القطار مرة وعلى جدران الجامعة مرة أخرى.
• جسر الذهب
الصباح هنا فى فلورنسا له طابع مختلف والجو له رائحة مميزة، والثامنة صباحا لم تكن وقتا مبكرا، فعندما خرجت إلى الشارع فى هذه الساعة من الصباح وجدت أن الكثيرين قد سبقونى إلى درجة الزحام اللطيف، رمادية الجو البارد سمحت فى بعض الأحيان بتسلل شعاع الشمس الدافئ وفى أحيان أخرى تنحسر لتسمح بمساحات أكبر من الشمس الدافئة.. كان كل هدفى ألا أترك شبرا فى تلك المدينة دون التمتع به بطاقة تمنيت ألا تخزلنى طوال هذه الأيام، فتوجهت أولا إلى (Ponte Vecchio)  وتعنى بالإيطالية الجسر القديم، وهو يقطع نهر أرنو ويُستخدم اليوم كمركز تسوق، حيث تقوم على طوله المتاجر وهى محلات للمشغولات الذهبية. محلات مزدحمة لا تخلو من السائحين طوال الوقت تلك المحلات التى كانت فى الماضى محلات للجزارة وبيع اللحوم.
يشكل الجسر القديم بالمدينة اليوم أشهر معالم المدينة، وهو الجسر الوحيد الذى أبقاه الألمان فى المدينة بعد محاولتهم وقف تقدم الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث قاموا بتفجير جميع الجسور الأخرى.
بطبيعة الحال فى أى مكان سياحى التقطت صورا لى على الجسر تظهر النهر من خلفى لأجد نفسى فى تلك الصور، أقف وسط لوحة فنية كاملة التفاصيل فى مشهد لم أشاهده فى حياتي، كترنيمة من ترانيم زمن الإبداع الفنى والنهوض بجماليات الإنسان روحا وجسدا، شاهدت محلات الذهب على طول الجسر تتلألأ بفضل انعكاس الشمس على المشغولات الذهبية وكأنها مشهد مقصود لجذب النساء وإغرائهن بتفقد تلك المحلات، فالألوان والإضاءة تجذب المارة من أى اتجاه ورغم الزحام صعوب التحرك إلا أنه كان من أجمل الأماكن التى شاهدتها فى فورنسا، ولن أنسى تلك الحالة من الحماس والحيوية المفرطة.
• ساحة السيادة
ومنه وبعد أمتار ليست بالقليلة ذهبت إلى ساحة Piazza della Signoria أو ساحة السيادة وهى الساحة المركزية فى فلورنسا ومقر القوة المدنية وهى تقع أمام قصر فيكو Palazzo Vecchio (القصر القديم) وقلب الحياة الاجتماعية فى المدينة.. والتى تعتبر متحفاً مفتوحاً فى الشارع للمارة فهى تتيح لك التجول بين تلك التحف المعمارية البديعة والتقاط الصور هنا وهناك وتقع بين بونتى فيكيو وبين ساحة الدومو وهو موقع يربط المدينة ببعضها البعض، وهى الساحة الوحيدة فى العالم التى تضم مجموعة فريدة من أهم الأعمال النحت منها نسخة «ديفيد» النبى داوود المنحوتة الشهير لمايكل أنجلو بينما النسخة الأصلية للتمثال فى معرض أكاديمية الفنون الجميلة Uffizi Gallery  فى خلفية الميدان.. تمثال النبى داوود وهو يحمل المقلاع على كتفه اليسرى وبيده اليمنى الحجر. ويسجل (ول ديورانت)  فى قصة الحضارة أن رخامة عظيمة كانت فى حوزة مجلس الأعمال (الابراى) ارتفاعها ثلاث عشرة قدماً ونصف القدم كانة مهملة، لا يدرون ما يصنعون بها. بقيت عندهم مائة عام!! وقيل بل كانت منحوتة لتمثال رجل لم تكتمل. فعهدوا للفنان أنجلو أن ينحت منها عملاً مفيداً. يقول ديورانت « وظل المثَّال يكدح فى هذه المادة القاسية عامين ونصف العام؛ حتى انتزع منها بجده وبطولته تمثال داود؛ وانتفع بكل أصبع من ارتفاعها».
 وهناك فى الساحة تمثال الفارس كوزيمو الأول وكذلك أسود مديتشى ونافورة نبتون الشهيرة.
ما هذا الجمال وهذا الكم من الفنون المبعثر بدقة هنا وهناك مع كل تمثال أو نافورة أو حتى المبانى القديمة المحافظة على طلتها البهية فتنعكس عليها الأضواء ليلا كأنها السماء تضيء سطح الماء فتبعث فى النفس شعورا بالراحة والمتعة، ما هذا الفن الغارقون فيه أنتم أيها الإيطاليون!!! مئات الأعوام مرت ومازلتم تحترمون تاريخكم وفنكم وأنتم غارقون فيه ويُشبع روحكم فأنا فعلا أحسدكم.
وكيف لا يحترمون الفن؟ فتلك البلدة تحديدا التى أقف على أرضها الآن احتضنت مايكل أنجلو وليوناردو دافنشى ورفائيل وغيرهم من رسامين ونحاتين صنعوا تاريخا وانطلقت منها أشعار «الكوميديا الإلهية» لـلعظيم دانتى التى تعدت الأربعة عشر ألف بيتا شعريا فى الجحيم والمطهر والجنة، فكيف كان لنفسى أن تكون إذا نشأت أنا فى نفس المكان وهذا الجمال، هل ستكون حياتى ذاتها؟ أو اختياراتي، اللهم أضف على روحى ونفسى وقلبى بمثل هذا الصفاء والجمال والسكون.
فبعد أن اتخذت النهضة موطنها الأول فى فلورنسا وبفضل تنظيم صناعتها، واتساع نطاق تجارتها، وأعمال رجال المال كان أهلها يزدادون حدة فى العقل والذكاء وتعلقا بالفن فجعلوا بذلك مدينتهم باعتراف الناس جميعا عاصمة إيطاليا الثقافية.. فأخذت الأسر المتنافسة ينازعون بعضهم البعض فى رعاية الأدب كما كانوا يتنازعوا على السلطان وكان هذا ميلاد النهضة والرقى وهكذا نشأت النهضة فى فلورنس بعد أن تجمعت فيها كل أسباب هذه النهضة وبواعثها وأصبحت هذه المدينة بذلك أثينا إيطاليا.
ويدين التاريخ لتلك الأسرة ال مديتشى بأن آل ميديتشى لم تنازعهم فى مناصرة العلم والفن والثقافة أية أسرة فى تاريخ البشرية المعروف ..  فالتاريخ المعروف لفلورنسا فى سنة 59 قبل الميلاد حين أسسها يوليوس قيصر، لجنود رومان سابقين. كانت مقرا لأسقفية منذ القرن الرابع، تقدمت المدينة ابتدأُ من القرن العاشر، وفى عام 1115 أصبحت بلدية ذاتية الحكم.
أخذت فلورنسا مؤقتا مكان تورينو كعاصمةٍ لإيطاليا فى عام 1865 بناءً على طلب نابليون الثالث على أساس اتفاقية سبتمبر، ولكن هذا الدور نـُقل إلى روما بعد ست سنوات إثر انضمامها إلى المملكة. تضاعف سكان فلورنسا في القرن التاسع عشر، ثم زاد ثلاثة أمثاله في القرن العشرين مع نمو السياحة والتجارة والخدمات المالية والصناعة.. خلال الحرب العالمية الثانية احتل الألمان المدينة لمدة عام (1943-1944)  ثم تحررت من قبل المقاومة في الحادى عشر من أغسطس، عام 1982 أعلنت اليونسكو المركز التاريخى لفلورنسا كموقع تراث عالمية لأهمية التراثية. يضم المركز جدران من العصور الوسطى كانت قد بنيت فى القرن الرابع عشر للدفاع عن المدينة بعد بدء نموها الاقتصادى الشهير والمهم.
• سان لورنزو
 من ساحة عصر النهضة دخلت فى الشوارع الرئيسية ومنها إلى الأزقة الجانبية لأصل إلى ساحة piazza san Lorenzo, سان لورنزو وهى ساحة تقع بها الكنيسة المسماة باسمها، ويوجد خلفها قبة مصلى الأمراء، وتشتهر كذلك هذه الساحة بسوق سان لورينز المتخصص فى بيع المصنوعات الجلدية التى تشتهر فلورنسا بصناعتها وهى جلود طبيعية صناعة ايطالية.
وفى هذا السوق شاهدت حالة من البهجة والصخب لم أشاهدها من قبل سواء من قبل البائعين بجنسياتهم المختلفة سواء من إيطاليا أو الهند أو أرمينيا أو من قبل السائحين أنفسهم.
الكل يروج لبضاعته بطريقته، أغلب البائعين اتسموا بخفة ظل غير طبيعية ولعلهم اكتشفو أنها افضل طريقة لاجتذاب السائح ورغم أن بضاعتهم الإيطالية الصنع أغلبها تُعلن عن نفسها وعن جودتها، ولكنهم يتعمدون فتح مجال للحديث وغالبا ما يبدأون حديثهم بسؤال عن بلدك، وما أرضى بعض الغرور لدى أن معظمهم كان يظن أننى من إسبانيا حتى فى المطاعم التى كنت أذهب إليها أثناء الرحلة- وهو إطراء لو تعلمون عظيم.
تنقلت من هنا لهناك لإلقاء نظرة على مكان تفحصته لشهور على الإنترنت أثناء استعدادى للسفر، ولكن للواقع دائما مذاق خاص ومختلف يفوق الخيال لذة وبهجة، وهذا هو المكان الأمثل لشراء الهدايا للأصدقاء واقتناء بعض المنتجات إيطالية الصنع.
• حالة من البهجة
خطوات من سوق سان لورينزو وكنت أمام mercato central وهو مبنى مكون من 3 طوابق به مجموعة كبيرة من المطاعم المتخصصة فى الطعام الإيطالى والحلوى والأجبان ومحال أخرى لبيع أنواع النبيذ المختلفة، فى هذا المكان لم أرى سوى الزحام وبشر يتناولون الطعام وبالكاد يستطيع الشخص الاستماع لمن بجواره من شدة الزحام والضوضاء، ولكن لم أشعر باستياء رغم كرهى الشديد لهذه الحالة العبثية والأصوات المرتفعة، فالجو كان مبهجاً خاصة بالتزامن مع عرض مباراة كرة قدم كان الجميع يتابعها بحماس، أخذت جولتى لأقرر ما هى وجبتى الأولى فى فلورنسا، فشاهدت فى كل جزء محلا متخصصا فى طعام ما فهنا يقف شاب يصنع البيتزا والمعجنات بكل مهارة ويتابعه الجميع بإعجاب، وتلك الإيطالية الجميلة تعرض على  قطعة شيكولاتة مصنوعة يدويا بكاكاو من أفخم الأنواع وحولها باقة من أجمل أشكال الشيكولاتة التى قد شاهدتها يوما وفاكهة مغطاة بالشيكولاتة البيضاء والسوداء، وهناك يقف شاب فى العشرينيات من عمره يقدم شرائح الجبن على المخبوزات الإيطالية كما تفضلها أنت، وأثناء المباراة تجمع مجموعة من الشباب والفتيات فى هذا الجو القارص البرودة حول محل لبيع المشروبات بأنواعها المختلفة، أما المأكولات البحرية فحدث ولا حرج فتوقفت أنا هناك وقررت أن تكون هذه هى وجبتى الأولى فى فلورنسا الجميلة.
وعلى مرمى البصر من ميركاتو سان لورنزو تبدو محطة القطار محطة سانتا ماريا نوفيلا (Stazione di Firenze Santa Maria Novella)  وهى محطة القطارات المركزية فى فلورنسا، وتخدم قرابة 59 مليون مسافر فى السنة وتقع إلى جانب كنيسة سانتا ماريا نوفيلا شمال مركز المدينة ومنها سانطلق غدا pisa التى تبعد نحو  الساعة لزيارة إحدى عجائب الدنيا السبع، برج بيزا المائل، وبلدته ذات الطبيعة ساحرة التى جذبتنى صورها قبل سفرى بأشهر قليلة، والآن حان موعدى معها. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook