صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

الآن يمكن سماع تسجيلات «يوسف المنيلاوى» كاملة

149 مشاهدة

6 فبراير 2019
كتب : رشدى ابو الحسن



 موضوع هذا الكتاب، ليس فى دائرة اهتمامى، دائرة الموسيقى الكلاسيكية الشرقية، أو دائرة معرفتى بعالمه إلا بدرجة واهية وهى درجة الاستماع غير المدقق، أو المتعمق.. عنوان الكتاب «يوسف المنيلاوى مطرب النهضة العربية عصره وفنه»ومن المفيد أن أنبهك أن المنيلاوى
–مطرب مصرى– والكتاب يشير بوضوح أنه يدور حول المطرب والموسيقى والنهضة المصرية.

وعصر النهضة المقصود به، تلك الانطلاقة الشاملة نحو التقدم والخلاص من التخلف الطويل.
والذى بدأ مع قدوم الحملة الفرنسية، وعصر محمد على، فى منعطف القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر. ولايزال إلى اليوم مستمرًا، فى صعود وهبوط، لم ينجح فى اجتياز العتبة التى تضعه على بداية طريق التقدم الشامل.
وإذا لم تكن الموسيقى تجذبنى، فإن قضية النهضة تشغلنى. ولذلك قلبته لأعرف مضمونه.
وبدا لى أنه مكتوب لأهل الاختصاص. بالذات فيما يتعلق بالموسيقى. وإن كان مفيدًا للمثقفين والمستمعين. أما قضية الارتباط بين جو النهضة العام، وبناء مدرسة فى الموسيقى والغناء والطرب، فقد أوفاها حقها تمامًا، بخطة محكمة، بسطت الموضوع من كل جوانبه، من خلال حياة مطرب، تمثل حياته وإنجازه وتراثه، كل فى ذلك العصر من إنجازات وتحديات وتضحيات وإبداع.
هناك فصول لم أستطع استيعابها. ولم أكملها.وإن كان الكثير من أمثالى سيجدون فيه ما يفيدهم وينفعهم.
بل إننى أرى أن إصدار مثل هذا الكتاب، يستحق الاحتفال، وعظيم التقدير، لكل من أسهم فى إصداره، وإضافته للمكتبة العربية.
هو ليس كتابًا من ورق وغلاف وعنوان وفهرس وفصول، هو إعلان عن مشروع عظيم الشأن، هدفه جمع وصيانة وترميم وحفظ وتبويب وإعادة تراث الموسيقى التراثية وطرحه للناس، بأحدث الوسائط العصرية، وبأنقى صورة ممكنة.
وليس الكتاب إلا إعلانًا عن هذا المشروع الكبير: والذى يقف وراءه، هو مؤسسة التوثيق والبحث فى الموسيقى العربية، وهى مؤسسة قامت فى لبنان، تحركها أهداف طموحة، تدور كلها حول الموسيقى الكلاسيكية، الشرقية، من أبعد نقطة يمكن أن نصل إليها. وهى بدايات القرن العشرين. وإن كانت تحاول أن تنقذ ما تستطيع إنقاذه من منجزات العقود السابقة.
 ستة آلاف أسطوانة
ويبدو لى أنها أهم المؤسسات العربية فى هذا المجال، حتى الآن، وليصحح لى من يعرف أكثر. ورغم حداثة عمرها، فهى تمتلك ستة آلاف أسطوانة من تسجيلات عصر النهضة، بدءا من سنة 1903 إلى ثلاثينيات القرن العشرين.
وهذا الكتاب، والتسجيلات التى يمكن الحصول عليها معه، لاستكمال الفائدة هو باكورة إنتاجها. وكما لو كان خير إعلان عنها.
وهى ليست مؤسسة رسمية، ولكنها من ثمار المجتمع المدنى، الذى بدأ يعلن عن نفسه، فى البلدان العربية، مسلحًا بمزايا هذا القطاع من إمكانيات المبادرة والإبداع ومواجهة التحديات والجدية والاعتماد على العلم.
وقد عهدت المؤسسة، بتأليف الكتاب إلى ثلاثة، أولهم فرنسى هو فردريك لاغرانج أستاذ الأدب العربى فى جامعة السوربون ومتخصص فى الموسيقى العربية، وبالتحديد فى عصر النهضة، وتونسى هو محسن صوة مترجم وباحث فى الموسيقى العربية ومؤسس «منتدى زمان الوصل للموسيقى الشرقية»، ومصرى هو مصطفى سعيد وهو باحث فى الموسيقى.
والمدة الزمنية التى يطمحون فى تغطيتها، تبدأ من مطلع القرن التاسع عشر وإلى اليوم.
وتبين لهم، أنه من الصعب عليهم، الوصول إلى مادة ملموسة، تعود إلى النصف الأول من هذا القرن.
ومن المراجع المتاحة، ووسائل أخرى توصلوا إليها، نجحوا فى رسم صورة لتلك الفترة، لا أقول متخيلة. ولكن تقترب من ذلك الواقع.
والمراجع التى اعتمدوا عليها وسجلوا قائمة بها فى آخر الكتاب، تبلغ 75 مرجعًا باللغة العربية وتسعين بلغات أجنبية.
وقد كانت الموسيقى فى تلك المرحلة البعيدة نسبيًا، تعتمد أساسًا على الإنشاد الدينى والأذكار والغناء الشعبى. وكان القائمون على هذه المهنة، يندرجون فى مراتب، أدنها الصهبجية، الذين تعتمد عليهم الأفراح. ثم تأتى شريحة أعلى أكثر احترامًا تؤدى الأدوار والموشحات فى بعض المقاهى، ولهم شيخ ينظم أمورهم. وكانت الموسيقيات تمثلهن العوالم التقليديات فى الأفراح والأعراس، والمقاهى أحيانا. وكانت بضاعتهم تتسم بالغش والخلاعة. ثم تأتى ما يمكن وصفه ببشائر الموسيقى الراقية.
أما بالنسبة للنصف الثانى من القرن التاسع عشر، فإن الصورة نسبيا أوضح ويمكن التأريخ لبداية تأسيس مدرسة موسيقية من هذا التاريخ. وبالتحديد فى عصر إسماعيل.
موسيقى البلاط
الخديو إسماعيل هو الذى أعطى إشارة البدء، فى محاولته للنهوض الشامل، والوقوف فى وجه السيطرة العثمانية. ولأن الموسيقى العثمانية كان قد مضى على قيامها ثلاثة قرون. فقد رسخت جذورها. وبدأ الخديوى محاولته أولا بالاستعانة بأرباب هذا الفن من المصريين وربطهم بالبلاط وأصبغ عليهم رعايته وصقل مواهبهم وربطهم بأعلام الفن فى الخارج.
ونجوم هذه البداية، عبده الحامولى ومحمد عثمان وسلامة حجازى وكانوا مطربين وملحنين وكانوا أبناء عصرهم يحذقون أصول الفن، الذى يرتبط أساسًا بالإنشاد الدينى وبجمهور قليل.
ولمح الخديوى ما يملكون من عبقرية وقدرة على تشرب الجديد. وأرسلهم إلى أستانبول واستقدم أعلاما من هناك.
وبدأت المدرسة فى التشكل. تحت رعاية البلاط تعلموا من المدرسة العثمانية والفارسية. ولكن لم يمض وقت طويل، كما يؤكد هؤلاء الباحثون، حتى نبذ هؤلاء العباقرة التقليد. وبنوا أسلوبا مصريا خالصا.
ولكن الدافع الأكبر جاء من قدوم شركات التسجيلات الأجنبية، بفعل الانتفاح الذى دعمه الخديوى.
وكان لهذه الشركات التى ساد نشاطها منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فضل كبير على تأسيس مدرسة موسيقية فى عصر النهضة. ليس فقط بتسجيل ما هو قائم بالوسائل الحديثة «الفوتوغراف والأسطوانة 78 لفة»، ولكن بتوسيع الجمهور الذى كان منحصرًا فى الارستقراطية، إلى دائرة أوسع، إلى أن أصبح الفوتوغراف فى بيوت كثيرين من أفراد النخبة المصرية.  وبذلك دخل الجمهور طرفا فى المعادلة. وفى تشجيع ما يروق له، بعد أن كان حكرا على البلاط.
جراموفون
 ولم تكن شركات التسجيلات الأجنبية وحدها «جراموفون وأوديون وبيكا» هى الوافد الوحيد. كان هناك القادمون من استنابول ومن الشام وبالذات من حلب، وأشهرهم أبو خليل القبانى رائد المسرح الغنائى والذى حل بالإسكندرية سنة 1884، وأسرة الشوا.
واختلط هؤلاء بموسيقى النخب غير المصرية من أتراك وشركس وأرمن ويهود وأوروبيين وبموسيقى أبناء البلد المصريين. ونجحت أجيال متتالية فى ولادة موسيقى مصرية متميزة بلونها.
كان على رأس الجيل الأول عبده الحامولى وسلامة حجازى، ثم جيل يوسف المنيلاوى وعبدالحى حلمى وتلاهم داود حسنى ومحمد عثمان. وكانت هذه الأجيال متقاربة.
وإلى جانب هؤلاء الأعلام، كان هناك عشرات آخرون من الذين أسهموا فى إرساء دعائم هذا الفن، حاول المؤلفون أن يكشفوا بصعوبة، حتى عن مجرد أسماء.
 ونحن حين ننطق أسماء هؤلاء الأعلام اليوم، نتصور أنهم تولوا هذه الإمارة بسهولة. إنهم لكى يصلوا إلى ولادة هذا الفن وتقدمه، مروا بأهوال. إن عبده الحامولى كى يخلع الجلابية ويلبس البدلة، كأنه يخوض حربا. بل إن يوسف المنيلاوى رفص إلى آخر اليوم أن يخلع العمامة. وسلامة حجازى رائد المسرح الغنائى قضى ردحًا من الزمن مؤذنًا ومنشدًا وانتقاله إلى الغناء الدنيوى، تم بمشقة وعناء. وقد يعجب اليوم عندما تقرأ إن المأذون رفض إتمام عقد زواج سيد درويش، عندما أجاب أن مهنته موسيقى، مما اضطره أن يقول أنه أستاذ.
 وقد أفاض الكتاب المهم، فى وصف عملية الانتقال إلى الموسيقى الحديثة واكتساب مقوماتها، والذى حمل عبئه هؤلاء الأفذاذ.
 ولم يجد مؤلفو الكتاب أحدا بمثل هذه الأجيال العظيمة، أفضل من يوسف المنيلاوى، يمثلهم على كل المستويات خلقا وسلوكًا وورعًا وثقافة فنية وموهبة باذخة.
 هناك القليل المكتوب عن سيرته. ولكنهم نجحوا فى تقصى مسيرته، منذ كان منشدًا متدينًا وصوفيًا متقشفًا ثم تحول إلى الغناء الدنيوى. ولم يتخل عن روح الورع والتقشف.
ولخصوا عنوان مسيرته فى صوته الفريد وثقافته الفنية ونظرته إلى الغناء وحللوا هذه العبارة تفصيلا فى عشرات الصفحات.
 وكان اعتمادهم الأساسى على التسجيلات، التى نجحوا فى إنقاذها، ثم تنقيتها وإصلاحها ونقلها على أقراص.
67 عنوانًا
فقد اكتشفوا أن أول ما أمكنهم الحصول عليه، هو ما سجلت شركات الأجنبية سنة 1903، وبالنسبة للمنيلاوى وعبده الحامولى ونظرائهما، فالمتاح بدءا من التعاقد معهم سنة 1905، حيث أعادوا للحياة 67 عنوانًا، للمنيلاوى لم تكن متاحة للاستماع.
وقاموا بتحليل دقيق لهذه التسجيلات واعتمدنا فيه اعتمادًا شبه كلى على تجربتنا السمعية الطويلة، فى معاشرة مواد الغناء العربى القديم عامة وتراث المنيلاوى خاصة» وهو تحليل مبدع خاص. لا يحس بقيمته إلا المتخصصون.
والتسجيل لم يكن يزيد على دقائق لكل وجه من وجهى الأسطوانة. ولكنهم رأوا فيه عصارة مكثفة من السهرات التى كان يحييها المطرب القدير بالساعات. وحاولوا أن يتخيلوا حجم التلاوين والتصرفات والحلى التى كان يمتع بها الفنان جمهوره.
رأوا فى هذه التسجيلات، عينة ممثلة بوجه من الوجوه الممارسة الحية فى مجالس الغناء طوال القرن التاسع عشر، وبالذات فى نصفه الثانى.
لقد توقفوا طويلا عند تحليل هذا الصوت الفريد. وسأنقل لك فقرة لترى نتيجة الجهد:
«ويتميز المنيلاوى بالتأنى والنزوع إلى تقصى قصارى ما تتيحه الجملة اللحنية أو المقطع من إمكانيات التصرف والتلوين. هو ما يجعل المنيلاوى لا يعجل فى الانتقال من مقام إلى مقام، بل كثيرا ما يطيل المكوث فى نفس المقام لا يكاد يبرحه، أو لا يتركه إلا لحين تلوينات عارضة خاطفة، قبل أن يسارع إلى العودة إليه مثلما نلاحظ مع السيكا فى دور «يا من أسرنى بالجمال»، كما أنه لا يبرح مقام الحجاز كان فى دور «الله يصون دولة حسنك»، وهو المقام الأساسى فى هذا الدور، إلا فى الدقيقة الخامسة من أصل تسع دقائق، ليقف هنية عند النهاوند ثم الراست ثم يعرج سريعًا على الصبا قبل الرجوع إلى الحجاز كار».
وإذا كان هذا التحليل للمتخصصين، فإنه يعطيك عند الحالة التى كان عليها المطرب من السلطنة والاندماج وروعة الأداء فى سهرات تستمر حتى الفجر.. قبل عصر التسجيل.
معهم الحق كل الحق، حين يكتبون بسعادة:
لقد كان المنيلاوى بمثابة قطعة باقية من القرن 19، قدر لنا أن نسمعها ونمسك بتلابيبها قبل أن تختفى وكان فنًا استثنائيًا، ذا قدرة على حفظ التوازنات بين أصالة فنه ومتطلبات التجديد الحادثة وما جاءت به الحداثة وجعلته بين يديه من أنماط جديدة للاستهلاك الموسيقى».
وإذا كانت المؤسسة الجادة، لا تطمع فى العثور على إنتاج موسيقى، قبل بداية القرن التاسع عشر، فإنهم عازمون على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنتاج الموسيقى من بداية القرن العشرين. وهو إنتاج لا يسمع ولا يؤدى ولا يفحص ولا يدرس ولا يحفظ حتى مجرد حفظ، بمعنى الصيانة من التلف والضياع، كما يؤكدون.
وتراث المنيلاوى الذى أصبح بين أيدينا كاملا، ليس إلا أول الغيث. وقد وعدوا أنهم يواصلون هذه الرسالة ويطورونها. وعلى ثقة أنهم سيوفون بهذا الوعد وأكثر.•



مقالات رشدى ابو الحسن :

سيرة ذاتية وكتاب فى التاريخ: أقدام زكى عبدالقادرعلى الطريق
جولة فى المطبخ القبطى..
أدونيس فى القاهرة
زواج يوسف إدريس من شيوعية وماركسية
الهروب الكبير من معتقل الواحات
«خفير الدرك» الذى لم يترك موقعه
يكتب لمصر من أى مكان
نظرة عامة على كشف الإنتاج
أحمد بهاء الدين رئيسا لآخر ساعة والشيوعيون خارج السجن..
سنوات كثيرة وحصاد قليل
من هو كاتبك المفضل؟
حكاية تجربة تستحق التصفيق
فكرة من هناك: كيف نستثمر مئات القصور والفيللات المهجورة؟!
يعقوب الشارونى وعمر من الكتابة للأطفال
في الذكري المئوية لمولده: صلاح أبو سيف الذي يعشق مهنته
فى عامه التسعين: تكريم محمود توفيق شاعرا ومناضلا
عبدالناصر لم يخطط لضرب إسرائيل ويده كانت دائما ممدودة للسلام
قاموس لويس عوض الذى لم يتم
ومن ذا الذى لا يحب روما وفينيسيا؟!
مخاوف ماقبل السفر..


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook