صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

« بلدى جدا»

34 مشاهدة

8 اغسطس 2018
كتب : ايهاب فتحي



استوقفتنى طويلا عبارة نستخدمها فى تعاملاتنا اليومية،عندما يشترى أحدنا ملابس ويكون ذوقها رديئاً ننظر لها باشمئزاز ونقول بتقزز «بلدى جدا» يعنى ذلك أن صاحب الاختيار يحمل ذوقا متدنيا وأحلنا هذا التدنى إلى ثقافتنا المحلية فى اللون والشكل والتصميم فى تلك اللحظة التى نطقنا فيها هذه العبارة نظرنا إلى ثقافتنا وهويتنا المعبرة عنا فى الملبس بدونية.
تنقلب دلالات هذه العبارة تماما عندما نشترى مواد غذائية فتصبح نفس الكلمة «بلدى» دليل الجودة والإعتزاز بالهوية فاللحوم، الدواجن، السمن «البلدى» هى الأعلى سعرا ونسعى للحصول على هذا المنتج «البلدى» الراقى فى مواصفاته.
يمر علينا هذا التناقض الدلالى يوميا ولانلتفت إليه أو نتوقف ولو قليلا عنده لنفهم ما نقول حول أنفسنا.
اختلاف دلالات «البلدي»
نطرح سؤالاً بديهياً لماذا أختلفت دلالات كلمة «بلدى» عندما أنتقلت من الملبس إلى الغذاء؟ ففى الأولى عبرت عن الانحطاط وفى الثانية نقلت إحساس بالرقى والقيمة المرتفعة.
تستلزم الإجابة عن السؤال الدخول إلى عقلنا الجمعى الذى أفرز هذا التناقض العجيب ونستخدمه يوميا دون مراجعة بعد أن ندخل إلى هذا العقل نصطحبه معنا فى رحلة أساسها الحوار ونتركه يسترسل فى حديث يكشف مصدر هذا التناقض الغريب فكيف تكن هويتنا فى لحظة ما عاكسة لعدم الاحترام لأمرما وفى نفس الوقت تكن نفس الهوية حاملة التقدير لأمر آخر.
تعطينا بدايات الحوار ملاحظة أولى، اختلفت دلالة كلمة «بلدى» بسبب طبيعة الموصوف فالتدنى أرتبط بالملابس وهى سلعة معبرة عن الشكل الذى يراه الآخر وفى الجانب الإيجابى منها ارتبطت بسلعة غذائية نستعملها وليس لهذا الآخر شأن بها أو لا يراها.
عقل منقسم
تكشف هذه الملاحظة الأولى أننا أمام عقل منقسم بين الشكل والمضمون وأخطر مافى هذا الانقسام أن داخل عقلنا هناك الخوف من الإظهار أو التعبير عن هويتنا أمام الآخر ولكن فى الخفاء نعتز بهويتنا ونراها مرادفا للقيمة الجيدة.
أساس الحوار الأسئلة لذلك سنطرح منها الكثير ونحاول الإجابة عليها، من أين يأتى خوف الإفصاح عن هويتنا أمام الآخر؟ بل وصل الأمر لدرجة تحقيرها لأجل اكتساب هوية أخرى ننال بها رضاء هذا الآخر المتحكم فى أفعالنا.
يأتى مصدر هذا الخوف هذا اجتهاد بسيط من كاتب هذه السطور لأن الموضوع يجتاج مزيد من البحث الأكثر عمقا من تعرضنا خلال فترات زمنية ماضية للأنهزام أمام هويات أخرى أثبتت تفوق نوعى تجاه هويتنا.
جعلنا هذا الانهزام نخشى الأفصاح عن هويتنا تجاه الآخر لأنها أصبحت مرادفة لضعفنا وتذكرنا بلحظة الهزيمة ولم تعطنا الأحداث التاريخية العنيفة والمتوالية التى مرت بالشخصية المصرية الفرصة لإصلاح هذا الخلل.
استمرار الخلل
استمر الخلل متوطن فى الشخصية المصرية وقاد اختياراتها فعاد عليها بمردود تدميرى على بنية المجتمع يكفى فقط الإشارة لأمر اقتصادى نعانى منه ومرتبط بتقدم الصناعة المصرية.
نرفض دائما المنتج المصرى والذى قد يكون أكثر جودة من نظيره الأجنبى سيقدم الأقتصاديين أسبابهم حول هذا الرفض ويحيلوا الأمر إلى قوانين السوق لكن الحقيقة ليس لها علاقة بالسوق وقوانينه.
تشير الحقيقة إلى الخلل المتوطن فى الشخصية المصرية فالاعتزاز بالإعلان عن الهوية يجعل الشخصية تحارب من أجل هذا الإعلان حتى لو كان فى المنتج المعبر عنها بعض النواقص.
فتح هذا الخلل الباب أمام استلاب الهوية المصرية أمام أى هوية دخيلة تريد فرض سيطرتها على المجتمع فعندما تخشى الإفصاح عن هويتك تبحث الشخصية على الفور عن أخرى تتلبسها لتعبر بها عن نفسها.
كانت اللحظة الأخطر فى حالة الخشية تلك عندما تلبست شرائح كثيرة فى المجتمع هوية قاتلة باسم الدين والدين منها براء.. لقد تسللت هذه القاتلة إلى مجتمعنا من ثغرة الخلل الذى لم نعالجه وأهملناه.
استطاع الفاشيست الإخوان وأذنابهم من السلفيين بتوجيه ورعاية خارجية ممنهجة المرور من هذه الثغرة إلى الشخصية المصرية فألصقوا بها هوية غريبة عنها تسلب منها أفضل ما فيها وتسرب أليها سموم تعمل على تدميرها.
رغم ما تعرضت له الهوية والشخصية المصرية خلال الأربع عقود الماضية من تسميم بهذه الهوية المتأسلمة إلا أن هناك جانب إيجابى فى الطرح الذى بدأنا به.
الهوية المصرية الصلبة
يتلخص هذا الإيجابى فى النواة الصلبة للهوية المصرية.. فعندما نعود لأنفسنا ولا نواجه الآخر نعتز بهذه الهوية ونتمسك بها وتصبح كلمة «بلدى» تلك دليل القيمة الجيدة.
يكمن الحل هنا فى أن نجعل هذه النواة الصلبة هى الظاهر فى تعبيرنا عن أنفسنا بدلا من الخشية فى الإفصاح ويستلزم ذلك منا الكثير من العمل والأسئلة التى نوجهها إلى عقلنا الجمعى فى حوارنا معه وأول هذه الأسئلة لماذا ننتظر من الآخر أن يحكم على فعلنا؟
يأتى هذا الانتظار من الأحساس بالضعف وعدم الثقة فى ما نقوم به ولو فحصنا أثر الهوية المتأسلمة التى تسللت إلى العديد من شرائح مجتمعنا سنجده أثر مدمر على العقل المصرى حوله إلى عقل منقاد لهذا الآخر والآخر هنا قد يكون مرشد جماعة إرهابية أو زعيم تنظيم أو جاهل صاحب فتوى ليس لها أصل من دين أو عقل.
يصبح العقل المنقاد فريسة سهلة لكل هؤلاء يفعلوا به ما يريدون ويحولونا إلى مجتمع مستسلم للخرافة والجهل وتتحول الأمة المصرية بسبب هذا التسميم المتعمد إلى أمة مستسلمة أمام الآخر الشرير الذى يقودنا إلى الهاوية.
لن تتحرر الأمة المصرية من هذا الاستسلام وتحصل على الجرعة الشافية من السموم إلا بتحرير العقل المصرى ذاته من تبعيته للآخر الشرير.
يحدث هذا التحرير فى اللحظة التى نكشف فيها لأنفسنا مدى شر هذا الآخر المتحكم فى أفعالنا وننتظر منه أشارة المنع أو السماح لما نقوم   به.
الاطاحه بالفاشيست
استطاعت الأمة المصرية التحررسياسيا من هذا الاستسلام فى 30 يونيو وأطاحت بالفاشيست الإخوان لكن بقت المساحة الأخطر فى العقل المصرى وهى المساحة الاجتماعية التى تنعكس على سلوكنا اليومى وتعاملاتنا فيما بيينا واختياراتنا الحياتية.
يجب العمل اليومى ولانبالغ إن قلنا ساعة بساعة على أمرين غاية فى الأهمية أولهما إعطاء الثقة للعقل المصرى كى يجعل النواة الصلبة  للهوية المصرية التى يخشى إظهارها هى واجهته فى التعامل مع الآخر حتى تعود الهوية المصرية الأصيلة متحكمة فى الشكل والمضمون ولا تختلف دلالات كلمة مهما بدت بسيطة من حالة إلى أخرى.
الأمر الثانى هو كشف مدى جهل ووضاعة الآخر الشرير حتى يتحرر العقل المصرى من سطوته عليه وهذا الكشف يتأتى بطريقتين الأولى إطلاق مناخ تنويرى يجعل من بقاء واستمرار فكر الآخر الشرير مستحيل فالمناخ التنويرى بمفرداته الثقافية والفنية والتقدمية هى التى ستجعل العقل المصرى يعيد حسابات أولويات اختياراته وتحرره من الأنقياد وتمنحه القدرة على النقد والوعى.
الطريقة الثانية هى الاشتباك اليومى مع ما يطرحه هذا الآخر الشرير وتقديم الصورة المغايرة لهذا الطرح وبمعنى أدق تقديم النسخة العقلانية التى غابت عنا طويلا ويجب ألا نضع خطوط حمراء أما نسختنا العقلانية بحجة الثوابت فهذه الثوابت ماهى إلا حيلة ماكرة أبتدعها الآخر الشرير من أجل تقييد وتكبيل العقل المصرى ليخضع له وهذه الطريقة يجب أن يعمل على تنفيذها إعلام واعى يتحرك على كافة المستويات المعتادة وغير المعتادة كالسوشيال ميديا.
الختام
يحتاج تحرير العقل المصرى وإظهار النواة الصلبة للهوية المصرية إلى عمل شاق بل لانبالغ إذ قلنا أنها حرب فرضها علينا احتلال الآخر الشرير لمساحات ليست بالقليلة من عقل مجتمعنا.



مقالات ايهاب فتحي :

الذئاب
قارب النجاة
استكشاف مصر 3 ..مسرح الظلام يستعد
أمريكى فى وادى النيل
طريق هاليفا كس يقود إلى الخراب
صور ملونة للعقل الأملس
دولة بابا شكرى
مصر فى حربها الكبرى
الحرب على عقل أكتوبر
المصافحة المستحيلة
جهــاز كشـف الإلحـــاد


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الهوية مصرية

يتغير العالم. ومصر لا تتغير. تتبدل الأمم. وتختفى ثم تعود. ومصر باقية وشاهدة وشامخة. منذ بداية البشرية كانت مصر. وبقيت. وستظل ب..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook