صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

قارب النجاة

62 مشاهدة

27 يونيو 2018
كتب : ايهاب فتحي



انتهت الثلاث الحلقات السابقة من سلسلة استكشاف مصر إلى نقطة حاسمة, كيف استطاعت الإمبراطورية الأمريكية صناعة نسخة معرفية مسرطنة مزيفة عنا لأننا لم نكتشف أنفسنا وتركنا للآخر المتربص بنا استكشافنا «كانت ذروة التدمير وذروة النجاح للمشروع الإمبراطورى يوم أن تحركت الجماهير فى يناير 2011 ظنا منها أنها تسير إلى النور، لكن الجماهير لم تدرك أن النسخة المعرفية المقلدة والمسرطنة تقودها إلى عمق الظلام وتسلم مقاديرها إلى الفاشيست الإخوان ألد أعداء الأمة المصرية».

يلزمنا تفكيك هذه النسخة المعرفية المزيفة حتى نصل إلى إجابة عن السؤال الذى طرحناه فى بداية هذه السلسلة هل اكتشفنا أنفسنا؟
خطة دينج شياو بينج
من أجل التفكيك والإجابة سنذهب إلى الصين وتحديدا إلى فترة حكم الزعيم والمصلح الصينى «دينج شياو بينج»، لقد بدأ دينج خطة إصلاح طموحة لتحديث الصين وإخراجها من فترة جنون ماو وثورته الثقافية غير متقيد بالمنهج الشيوعى الصارم وقال جملته الشهيرة «لا يهم لون القطة بيضاء أم سوداء المهم أن تصطاد الفئران».. كان المرتكز الرئيسى فى نظرة دينج الإصلاحية هو بقاء الدولة الصينية ذات الإرث التاريخى ثابتة لا تتعرض إلى أى هزات والأمة الوحيدة التى تتطابق مع الأمة الصينية فى نظرتها لمفهوم الدولة هى الأمة المصرية كأقدم حضارتين متواصلتين ولم تتغير حدودهما الجغرافية.
لم يكن مستغربا أن الرئيس الأمريكى ترامب عندما ألتقى بنظيره الصينى شى جين بينج فى بكين فى نوفمبر من العام الماضى قال «سمعت أن التاريخ الصينى يعود إلى 5 آلاف عام». فرد جين بينج: «نعم لدينا 3 آلاف عام من التاريخ المكتوب باللغة الصينية».
رد ترامب : «أعتقد أن الحضارة المصرية هى الأقدم، فهى تمتد لـ8 آلاف سنة».
يعكس الاهتمام من الرئيس الأمريكى بطول عمر الحضارات النظرة الأمريكية إلى تصنيف الأمم التى تواجهها.. فى العام 1989 وعندما حققت الصين الطفرة الاقتصادية الضخمة استشعرت الإمبراطورية الأمريكية القلق من العملاق الذى بدأ يستيقظ.
ميدان تيانامين
هنا كان الظهور الأول للميدان فى مواجهة الدولة أنه ميدان تيانامين «ميدان السماء» فى العاصمة بكين.
تواجهت داخل الميدان نسختان معرفيتان واحدة أصلية صينية تمتد جذورها إلى آلاف السنين وأخرى مزيفة صنعت على عجل فى واشنطن على يد بريجنسكى وجوزيف ناى وحملت اسم أحلام الديمقراطية والتعددية وحمل النسخة المزيفة فى مواجهة الدولة الصينية آلاف من الشباب الصينى المخدوع بالبريق الزائف للنسخة المعرفية الأمريكية المصنوعة فى واشنطن.
نعود للمصلح دينج فقد كانت نظرته الثاقبة تقول إن الصين تحتاج نصف قرن تبدأ من عام الإصلاح فى 1978 وتنتهى فى 2028 لتصبح قوى عظمى والشرط الرئيسى والوحيد لبلوغ هذا الهدف هو استقرار الدولة وبقاؤها ،لذلك كان على الدولة الصينية إنهاء النسخة المعرفية المزيفة ففضت اعتصام تيانايمن وأغلقت ملف الفوضى إلى الأبد واختارت الاستقرار.. تحققت نبؤة الزعيم دينج وتسير الصين بثبات وحزم إلى مكانة القوة العظمى الأولى فى العالم فى اللحظة التى اختارت فيها الصين مفهوم الدولة أكتشفت نفسها وعرفت الطريق.
مواجهة
بعد مرور ثلاثة عقود على مواجهة الدولة الصينية للفوضى اعترف الشباب الذين تواجدوا فى الميدان وقتها وأصبحوا الآن من صناع النهضة الصينية أن قرار الزعيم دنج كان صائبا فالاستقرار هو المحرك لكل هذا التقدم.
لم تكتف الدولة الصينية بالاستقرار كاختيار، بل صاغت له منهجًا صارمًا قائمًا على تأسيس نخب مؤمنة به وبأن الدولة كفكرة هى قلب النهضة وهذا القلب هو المستهدف من أعداء الأمة الصينية.
عندما سأل الرئيس ترامب نظيره الصينى شى بينج الرئيس الصينى من هذه النخب التى ربتها الدولة الصينية وأنفقت عليها الكثير من عمر الدولة الصينية تلخصت الفكرة الأمريكية فى مواجهة خصومها، فرغم أن الولايات المتحدة بها نظام دولة قوى لكنه مختلف فى تاريخ نشأته وتأسيسه وعمله عن نظام الدولة فى الحضارات القديمة مثل مصر والصين وأيضا روسيا.
يختلف نظام الدولة الأمريكى عن نظرائه وأقرب مثال تعريفى ومقارن بينه وبين الأنظمة الأخرى يأتى من علم القانون الدستورى فهناك ما يطلق عليه الدساتير المرنة وأخرى صلبة.
تسمح مرونة نظام الدولة فى الولايات المتحدة بسبب حداثته فى الاستيعاب السريع للصدمات الاجتماعية التى تطرأ على الأمة عكس النظام المركزى الصلب المتجذر فى القدم الذى يحتاج إلى مساحة تاريخية لاستيعاب الصدمات الاجتماعية.. تؤدى الصدمات الاجتماعية المفاجئة إلى انهيار نظام الدولة المركزية ويحتاج هذا النظام إلى فترة زمنية تصيغها الأمة حتى يستعيد عافيته وصلابته من جديد.
ثغرة الفوضى
هذه الفترة بين الانهيار والاستعادة أو مرحلة الفوضى هى الثغرة التى تدخل منها السياسة الأمريكية لإعادة تشكيل نظام الدولة القادم فيصبح مؤسسًا وفق رؤيتها وهى ما حاولت فعله مع الصين وتسربت منها قليلا إلى روسيا وتضغط بها حتى الآن على موسكو.. يبدو الأمر ملتبسا فالصين وروسيا ودعتا الشيوعية ولم يتبق فى الصين منها إلا طلاءً خارجيا يحمى فكرة الدولة المركزية، والدولتان تتبعان منهجًا رأسماليًا فماذا تريد الولايات المتحدة بعد هذا الانتصار؟
حقيقة الصراع من بدايته إلى نهايته ليس صراعًا عقائديًا بل صراع إمبراطورى على مناطق النفوذ والتجارة وطرق المواصلات ،ففى القرن التاسع عشر فى أوج الصراع بين الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية لم تكن فرنسا شيوعية مثلا وإنجلترا هى حاملة لواء الرأسمالية حتى على المستوى الدينى كانت إنجلترا وفرنسا تنتميان إلى العالم المسيحى.
ماتزال قواعد الصراع وستظل قائمة بين الأمم على النفوذ والتجارة وغيرهما، أما من يحيل الصراع لأسباب دينية أو عقائدية أو لتحقيق اليوتبيا باسم الديمقراطية والحريات فهو إما واهم أو مخادع وفى الأغلب الثانية.
نعود إلى مصر وسط هذا الخضم من الصراعات بين إمبراطورية تصعد بقوة وإصرار الصين وأخرى الولايات المتحدة تقاتل بشراسة من أجل منع هذا الصعود وبقائها على عرش العالم .
مصر والصراع الامبراطورى
لم تكن مصر بعيدة عن هذا الصراع المهول بل فى قلبه ومتى كانت مصر بعيدة عن أى صراع إمبراطورى دار على هذا الكوكب؟ فهى حجر الزاوية فى صعود وهبوط الإمبراطوريات والتاريخ رجل أمين يمكن الرجوع إليه فيخبرك بالتفاصيل.
مع بداية العقد الثانى من الألفية بدأت ارتجاجات هذا الصراع الإمبراطورى تصل إلى مصر وتظهر فى شكل هبات ألبستها آلة دعاية.
الإمبراطورية الأمريكية لباس الثورة والتغيير القادم وهى آلة مازالت الصين تفتقدها ولكنها تبنى الآن واحدة مماثلة وفى خلال سنوات قليلة ستتفوق على الآلة الأمريكية.. كان الفشل الأمريكى فى اقتحام قلب الإمبراطورية الصينية الصاعدة سببا فى تغيير خطتها من الاقتحام إلى الحصار عن طريق أحزمة دينية من الإسلام السياسى ويكن حجر الزاوية فيها مصر ثم يتبعها الوطن العريى وبعدها يمتد تأثير هذه الأحزمة إلى الداخل الصينى فى الجزء الإسلامى منه.
وكالة الفاشيست
سحبت الولايات المتحدة نسخها المعرفية المزيفة من السوق الصينية وصدرتها إلى ميادين أخرى فى وطننا العربى وكان الفاشيست الإخوان هم وكلاء التوزيع.
كان اختيار الولايات المتحدة للفاشيست الإخوان ناتجًا عن أسباب أولها المخزون المعرفى الذى تمتلكه الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر عنا وما ورثته من الإمبراطورية الإنجليزية، وثانيها أننا لانمتلك نسخة معرفية مضادة تستطيع مجابهة الزيف القادم لأننا لم نكتشف أنفسنا، وثالثا أن الفاشيست هم أفضل أداة لصناعة ثغرة الفوضى وتخريب الدولة المركزية بغطاء دينى وهى الفرصة التى دائما ماتتحينها الإمبراطورية لأجل صياغة واقع جديد وكان الواقع هذه المرة يرفع راية الإسلام والإسلام منهم براء.
استطاعت الأمة المصرية بمخزونها الاستراتيجى من الحكمة فى 30 يونيو تحطيم آليات الصراع التى فرضت عليها واستعادة الدولة وطرد الوكلاء وأسيادهم والأهم كشف حقيقة النسخة المعرفية المزيفة الملصق على غلافها عنوان إسلامى.. خرجنا من هذا الصراع الشرس بميزة الكشف لكن طبيعة الصراع الإمبراطورى الحالى والقادم يحتاج فى حد ذاته دراسات منفصلة سيزداد شراسة ودائما مصر فى القلب منه وستكون ارتجاجاته المستقبلية أكثر عنفا ولن يكفى فيها الكشف.
هل اكتشفنا أنفسنا؟
أصبح صناعة نسختنا المعرفية عن أنفسنا والإجابة عن السؤال المطروح هل أكتشفنا أنفسنا؟ أمرا حتميا أن إجابة السؤال تلح بقوة وتشير بجلاء إلى هدف واحد هو استعادة الهوية المصرية وتصدير المشروع المصرى إلى العالم، فبهذا نتخلص من أدران نسخ معرفية مزيفة فرضت علينا مرة باسم الدين ومرة باسم الحريات.
إن قارب نجاتنا الذى سيحملنا إلى المستقبل والتقدم وسط صراع لايرحم هو الدولة ويكون مجدافاها هويتنا المصرية والمشروع المصرى.
وسط قلق وترقب وصول المستقبل الذى نسعى إليه والعمل الشاق للدولة على هذا الطريق وصدها لكيد أهل الشر المدفوع من الخارج وأذنابهم فى الداخل تأتى الأمة المصرية بحكمتها لتعطيك فرحة الأمل وسعادة الانتصار والثبات على الموقف.. كان المشهد بسيطًا ولكنه كاشف عن حجم الأصالة فى هذه الأمة، تحرك العقل المصرى دون توجيه عائدًا إلى جذوره الموغلة فى التاريخ.
ذهب آلاف من المصريين إلى مباريات كأس العالم فى روسيا يرتدون زى أجدادهم الفراعنة المنقوش على المعابد.. إشارة أولى تخبرك بأن هذه الأمة الرائعة تكتشف نفسها، تصحح الخطأ، تمحو الزيف واختارت مستقبلاً أساسه هويتها المصرية. •

 



مقالات ايهاب فتحي :

الذئاب
« بلدى جدا»
استكشاف مصر 3 ..مسرح الظلام يستعد
أمريكى فى وادى النيل
طريق هاليفا كس يقود إلى الخراب
صور ملونة للعقل الأملس
دولة بابا شكرى
مصر فى حربها الكبرى
الحرب على عقل أكتوبر
المصافحة المستحيلة
جهــاز كشـف الإلحـــاد


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الهوية مصرية

يتغير العالم. ومصر لا تتغير. تتبدل الأمم. وتختفى ثم تعود. ومصر باقية وشاهدة وشامخة. منذ بداية البشرية كانت مصر. وبقيت. وستظل ب..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook