صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

استكشاف مصر 3 ..مسرح الظلام يستعد

47 مشاهدة

20 يونيو 2018
كتب : ايهاب فتحي



استعرضنا فى الأسبوعين الماضيين كيف كان استكشاف مصر فى العصر الحديث حجر زاوية فى ذهنية أى امبراطورية تريد الخروج للعالم ثم ممارسة السيطرة عليه سواء بالاحتلال المباشر إنجلترا أو عن طريق الهيمنة كالامبراطورية الأمريكية الحالية. يقود هذا الاستكشاف الامبراطورى إلى تكوين حصيلة معرفية مهولة عن مصر قد لا يمتلك مثلها أصحاب البلد أنفسهم، تؤدى هذه الحصيلة المعرفية القادمة من الخارج إلى صناعة صورة عن أنفسنا لم نسهم فى صنعها، وتصبح هى المرجع لنا فى الحكم على حركتنا مع التاريخ والمفسر لما نقوم به ظانين أن ما نفهمه عن مصر وشعبها نتاج عقولنا.

 الحقيقة الصادمة أن كل ما نعرفه عنا نحن تم تصنيعه فى الخارج، ويصدَّر إلينا جاهزًا معلبًا لنستخدمه فى تشويه أمتنا وتحطيم هويتنا وإحلال نسق قيمى مغاير عن النسق المفروض أن نصنعه بأيدينا ثم نتبعه.
برعت الامبراطورية الأمريكية فى تصدير هذه الصور المختلقة عن الأمم، ومن ضمنها مصر، وذلك لطبيعة حركتها فى السيطرة على العالم بالهيمنة، وليس بالفعل المباشر.
اتضح لنا من خلال ما حملته سطور الحلقة الماضية أن الولايات المتحدة امتلكت حجمًا معرفيًّا ضخمًا عن مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر على المستوى العسكرى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى وأخيرًا الدينى، وذلك بسبب بداية خروجها الامبراطورى للعالم، وكانت مصر هدفًا رئيسيًّا لهذا الخروج وركيزة أساسية فيه.
أخفت الولايات المتحدة هذا المخزون المعرفى عنا كما أوضحنا بترويج حملة أنها الامبراطورية المرتبكة التى لا تعرف عن العالم، وعنا شيئًا وهو ما صدقه الكثيرون بجهل وغرور واستخدمت مخزونها عنا فى تصنيع نسخة معرفية مقلدة ومسرطنة تم تصديرها إلينا من أجل إحكام الهيمنة.
دون أن يدرى المغرورون، أصبحوا يستخدمون النسخة الأمريكية دون حذر ظنا منهم أنهم الأعلم فكانت هذه النسخة المسرطنة معول هدم للأمة والدولة والهوية المصرية.
هناك مثال تاريخى يوضح كيف يمكن أن تصدر صورة معرفية مغايرة للحقيقة، وتعمل عليها وأنت تصنع أمرًا آخر تمامًا.. وللحقيقة برعت الولايات المتحدة فى ذلك
ألَّف د.لينوار تشامبرز رايت كتابًا عن سياسة الولايات المتحدة إزاء مصر من 1830 1914والكتاب فى الأصل رسالة دكتوراه تقدم بها «رايت» إلى جامعة كولومبيا عام 1953 وقد ترجمتها د. فاطمة عبدالواحد.
تعتبر رسالة «د.رايت» كاشفة إلى حد بعيد عن بداية النظرة الامبراطورية تجاه مصر، وكيف صنعت الولايات المتحدة النسخة المعرفية الأصلية لها وصدرت المقلدة والتى فرح بها المغرورون، وتقدم رسالة «د.رايت» هذا الكشف من خلال كم كبير من الوثائق.
فى العام 1884 أعلنت الإدارة الأمريكية أنه لا حاجة لعلاقات دبلوماسية مع مصر فمصر فى أهميتها للولايات المتحدة لا تتعدى أهمية جزيرة فى المحيط المتجمد الشمالى.
بالتأكيد هذا التصريح الأمريكى كان لتهدئة الإنجليز، فلم يمر أقل من عامين على احتلالهم لمصر، وأيضا لم ينس الإنجليز تواجد خمسين ضابطًا أمريكيًّا منذ عام 1869وتعاونهم مع الخديوى إسماعيل؛ لتدريب الجيش المصرى، وهذا التواجد الأمريكى كان يثير غضب الإنجليز بشدة ويشعرهم بــــــــأن الولايات المتحدة تريد دورًا إمبراطوريًّا لم يحن وقته بعد.
نعود سنوات إلى الوراء؛ لنكتشف النقيض تمامًا أو الحقيقة فى نظرة الولايات المتحدة إلى مصر ويبرز اسم «وليام هودجسون» وهودبلوماسى أمريكى فى سفارة واشنطن باسطنبول.
أرسلت الإدارة الأمريكية تكليفًا شديد الأهمية لـ«هودجسون» للقيام بمهمة سرية فى مصر وصدر له التكليف من لويس ماكلين، وزير خارجية أمريكا وقتها، وبدأ «هودجسون» مهمته، حيث وصل إلى مصر عن طريق ميناء الإسكندرية، وكانت البداية من القاهرة.
عندما نقرأ التعليمات التى كلف بها «هودجسون» فى مهمته السرية سندهش من حجم ما هو مطلوب فالإدارة الأمريكية كانت تريد كل معلومة عن مصر، وتحديدًا عن الوضع الجديد بها بعد وصول محمد على إلى الحكم، وكيف يمكن له التعاون مع الولايات المتحدة بعيدًا عن الباب العــــــالى والقوى الأخرى والأهم تفاصيل الحياة السياسية والاجتمــــــــــــاعية والاقتصادية المصرية.
 استمر «هودجسون» فى مهمته عامًا كاملًا والتقى بباغوص بك، وزير محمد على، والتقى بمحمد على نفسه، ولم يفصح عن صفته الرسمية ولم توضح الوثائق بأى صفة قابل هود جسون الباشا.
لكن المؤكد حسب الوثائق مسح «هودجسون» مصر من الإسكندرية إلى أسوان، وعرف كل تفاصيل حركة الإدارة فى مصر، وحجم النشاط الاقتصادى، وطبيعة الحياة الاجتماعية.
رفع هودجسون تقريره الأول للإدارة الأمريكية بعد مغادرته ميناء الإسكندرية، ووصوله مالطة وأرفق به أيضا تقريرًا آخر عن حجم تجارة بلاد الصومال مع مصر، وعندما وصل إلى واشنطن قدم تقريره الختامى، ويقول د.رايت فى كتابه عن التقريرين.
«الذى يدرس هذين التقريرين بالتفصيل يرى إلى أى مدى كان هودجسون متفائلا بإمكان ازدهار التجارة بين الولايات المتحدة ومصر وممتلكاتها فقد عنى فيهما بذكر تفاصيل دقيقة جدًا لدرجة أنه حدد أكثر الأوقات ملاءمة لشراء السلع المصرية، وبيع السلع الأمريكية، وأنواع السلع الرائجة فى مصر، خصوصًا تلك التى تحتاجها الحكومة المصرية».
وصف «د.رايت» عن تقريرى هودجسون من حيث دقتهما يبين إلى أى مدى كان الاهتمام الأمريكى بمصر وحاكمها.. ولعله كان التقرير الاستخباراتى الأول عن الأحوال فى مصر.
انشغلت الولايات المتحدة بحربها الأهلية، لكن بانتهاء هذه الحرب بين الشمال والجنوب الأمريكى بدأت الماكينة الأمريكية فى العمل فى اتجاه الخروج الامبراطورى وكانت مصر هدفًا رئيسيًّا من خلال قاعدة معرفية كونتها واستطاعت بها التواصل مع الداخل المصرى عندما  حانت اللحظة.
لذلك لم يكن مستغربا تعاقد الخديوى إسماعيل مع خمسين ضــــابطًا أمريكيًّا لتدريب الجيش المصرى فى 1869 أو افتتاح فرع لصندوق استكشاف مصرفى نيويورك أو وصول المبشرين والأطباء والمعلمين الأمريكان عقب الاحتلال الإنجليزى.. لقد تعددت صور الحضور الأمريكى، ولكن الهدف واحد.
نترك القرن التاسع عشر ببداية الخروج الامبراطورى الأمريكى، ونمر على القرن العشرين دون توقف، حيث دارت تجاذبات عنيفة بين مصر والولايات المتحدة، وهى تحتاج إلى دراسة خاصة.
لكننا نتوقف فى القرن الـ21عند اللحظة التى حانت بالنسبة للامبراطورية لتحقيق مشروعها فى الهيمنة الكاملة، ونقصد بهذه اللحظة بداية العقد الثانى من الألفية واندلاع أحداث يناير 2011 وما سمى بالربيع العربى.
دخلت الامبراطورية الأمريكية هذه اللحظة وهى مسلحة بمخزون معرفى عميق عنا امتد من القرن التاسع عشر إلى يناير 2011، روجت عن نفسها صورة الإمبراطورية المرتبكة التى لا تعرف عنا شيئًا حتى نأمن، وزعت نسخًا معرفية عنا مقلدة ومسرطنة تلقفها المغرورون منا فى سعادة وبلاهة ليهدموا بها الأمة والدولة والهوية.
أعان المخزون المعرفى العميق الولايات المتحدة والممتد لقرنين من الزمن على انتقاء وزرع بذور الخيانة فى الداخل المصرى، فلم تجد أفضل من الفاشيست الإخوان، استطاع الفاشيست وأذنابهم من السلفيين بدعم خارجى أمريكى وإقليمى إدخال الهوية المصرية إلى صحراء التيه والضياع.
امتدت الحرب إلى العقل المصرى ليسقط مترنحًا فى الظلام.
نشطت النسخة المعرفية المسرطنة التى تتحرك مثل الفيروس؛ لتزيد من التدمير والعدوى ونحن بلا مناعة؛ لأننا لم نكتشف أنفسنا وتركنا الآخر يكتشفنا... وللأسف أعددنا بأيدينا مسرح الظلام لتقديم عرض الذروة.
كانت ذروة التدمير وذروة النجاح للمشروع الامبراطورى يوم أن تحركت الجماهير فى يناير 2011 ظنا منها أنها تسير إلى النور، لكن الجماهير لم تدرك أن النسخة المعرفية المقلدة والمسرطنة تقودها إلى عمق الظلام، وتسلم مقاديرها إلى الفاشيست الإخوان ألد أعداء الأمة المصرية. •



مقالات ايهاب فتحي :

الذئاب
« بلدى جدا»
قارب النجاة
أمريكى فى وادى النيل
طريق هاليفا كس يقود إلى الخراب
صور ملونة للعقل الأملس
دولة بابا شكرى
مصر فى حربها الكبرى
الحرب على عقل أكتوبر
المصافحة المستحيلة
جهــاز كشـف الإلحـــاد


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الهوية مصرية

يتغير العالم. ومصر لا تتغير. تتبدل الأمم. وتختفى ثم تعود. ومصر باقية وشاهدة وشامخة. منذ بداية البشرية كانت مصر. وبقيت. وستظل ب..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook