صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

أمريكى فى وادى النيل

143 مشاهدة

14 يونيو 2018
كتب : ايهاب فتحي



أنا الموقع على هذا العقد «كورنيلوس هنت» أقسم بكل خضوع وإخلاص وأعاهد نفسى أمام الله أن أراعى مهمتى بكل دقة وأقوم بكل الالتزامات والتعهدات وأن أودى واجبى كقائم مقام بمدفعية السواحل والثقيلة بكل ما أوتيت من قوة وجهد، وأن أحقق آمال ورغبات حكومة خديو مصر فى كل ما له صلة برخائها وصيانة عرشها.
(من كتاب د محمد محمود السروجى الجيش المصرى فى القرن التاسع عشر)
هذا نموذج من صيغة العقد الموقع بين حكومة الخديوى إسماعيل فى العام 1869من جهة والقائم مقام أو العقيد هنت وهو من بين خمسين ضابطا أمريكيا تعاقدت الحكومة المصرية معهم لأجل التطوير والخدمة فى الجيش المصرى وتدرجت رتبهم من أول قائدهم الأمير اللواء ثاديوس موط إلى رتبة الملازم أول.
كان الاستكشاف الأمريكى الأول لوادى النيل غير متوقع فى شكل حضوره، فهناك المجالات المعتادة  كالآثار والرحلات لكن المجـــال العسكرى بدا غريبا.
فى عام الظهور الأمريكى  كان الخديو إسماعيل كعادته يبحث عن الأجانب فى كل مكان من أجل تحقيق حلمه فى النهضة والتى أفرط فى أمنياته تجاهها حتى اختنق بديونها فى النهاية
أكتشف الخديوى أن كل من سيستعين بهم من أجانب تورط مع دولهم فى ديون وخشى أن الاستعانة بعسكريين من هذه الدول تعنى وقوع مصر وحكمه تحت سيطرة هذه الدولة صاحبة الدين خاصة إنجلترا وفرنسا فأراد دولة ليس بينه وبينها أى ديون أو حتى معاملات سابقة.
وجد الخديوى ضالته فى الولايات المتحدة التى يفصل بينه وبينها بحر ومحيط يبدو الظهور الأمريكى الأول ملتبسا، فهل فجأة تجلت الولايات المتحدة  كحل سحرى أمام الخديوى ؟ أم الأكثر واقعية أن الولايات المتحدة كانت تستعد وتسخن للخروج الإمبراطورى الأولى وأرادت تحسس خريطة العالم وعلى رأسها مصر؟
الجنرال جورج بالتر
يقفز فى عام الظهور الأمريكى اسم الجنرال جورج باتلر القنصل الأمريكى فى القاهرة يتضح من حركة القنصل باتلر ومراسلاته مع حكومته حول موضوع الضباط الأمريكيين وخدمتهم فى الجيش المصرى أن وصول الضباط الأمريكيين لايحمل بساطة الأمر العفوى ولم يكن فى الأغلب تجليا أو رؤية هبطت على الخديو إسماعيل.
بذل القنصل جورج باتلر جهدا لإتمام الأمر وكانت هناك حسابات دقيقة خاصة باحتجاجات إنجليزية وفرنسية على الوجود الأمريكى ومن ناحية أخرى لم ترد الولايات المتحدة إغضاب الباب العالى فى سطنبول المتوترة علاقته مع الخديو إسماعيل.
ترجح هذه المؤشرات أن  قدوم  الضباط   الأمريكان فى العام 1869 كان بداية الاستكشاف الأمريكى المنظم لمصر، فبالتأكيد كانت هناك زيارات أو رحلات سبقت وصول الضباط الأمريكيين وكان منها نشاط محدود لإرسالية أمريكية غرضها دينى وقبل وصول الخديو  إسماعيل   للحكم  بفترة طويلة.
لعل هذا العمل الإرسالى فى بدايات القرن التاسع عشر قدم خدمات معرفية ومعلوماتية إلى من يريد معرفة أحوال مصرداخل الولايات المتحدة وهو ما مهد الطريق أمام الضباط الأمريكيين القادمين للموافقة السريعة على المجيء إلى مصر والانخراط  فى  جيشها.
هذا العدد من الضباط الأمريكيين والذى استمر وجود بعضهم حتى الاحتلال الإنجليزى لمصر فى العام 1882 عادوا إلى بلادهم محملين بكنز من المعلومات والمشاهدات عن مصر وشعبها.
خرجت هذه الحصيلة المعلوماتية فى شكل مذكرات وكتب عن مصر ألفها هؤلاء الضباط ونشروها  وأخرى  تم حفظها كوثائق فى الأكاديميات العسكرية المتخصصة ويمكن القول أن صانعى القرار فى الولايات المتحدة فى هذا الوقت أصبحوا يمتلكون موسوعة «وصف مصر» الخاصة بهم.
خروج الضباط الأمريكان من المحروسة
بعد خروج الضباط الأمريكيين من المحروسة محملين  بكل ما جمعوه من معرفة عن مصر تحول الظهور الأمريكى فى حضوره وبدلا من الضابط ووجهه الصارم جاء المبشر والمدرس والطبيب بابتسامة حانية.
تشهد السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر عقب الاحتلال الإنجليزى لمصر فى 1882 حتى ثلاثينيات القرن العشرين نشاطا أمريكيا كثيفا فى المجالات الدينية والتعليمية والطبية والعمل الخيرى، والملاحظ أن توزيع النشاط  الأمريكى فى هذه المجالات ارتبط بتوازن جغرافى دقيق غطى  مصر من الدلتا إلى الصعيد هذا غير المركز فى القاهرة كعاصمة لمصر وهى نفس الفترة التى افتتح فيها فرع لصندوق استكشاف مصر بنيويورك 1893 كما جاء فى مقال الأسبوع الماضى.
دور الكنيسة
أدى حجم التواجد الأمريكى وتأثيره على الحياة المصرية وقتها إلى استشعار الكنيسة الوطنية المصرية الخطر من كثافته وتحديدا الدور التبشيرى  له الذى تركز فى أوساط  مسيحيي مصر من الدلتا إلى الصعيد وعامل الجذب المصاحب له والمتمثل فى العمل الخيرى فى مجالات التعليم والصحة وكان الغرض محاولة إقامة مستوطنات مذهبية تتبع التوجه الأمريكى.
تصدت الكنيسة المصرية لهذا الهجوم الأمريكى مع بداية القرن العشرين عن طريق حركة نهضة تعليمية وعلمية داخلها وقاد حركة النهضة حبيب جرجس الشخصية الوطنية المصرية وكان من نتاج حراك النهضة تأسيس مدارس الأحاد 1918 لأجل تخريج أجيال من الأقباط على درجة عالية من الوعى تستطيع الوقوف بفهم أمام الهجمة الأمريكية الشرسة.
تشتم المفترسات دائما الخطر واقترابه من مناطق نفوذها قبل سواها، فالإنجليز أو أصحاب الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس نظروا للتواجد الأمريكى فى مصر بأنه ليس تواجدا عاديا بل تواجد له أغراض استكشافية بعيدة المدى وأن هناك على الناحية الأخرى من الأطلنطى إمبراطورية ولدت وتتحسس بثقة طريق خروجها للعالم.
لم يكن من المستغرب أن الإنجليز هم من كانوا يحركون كل ما يعيق التواجد الأمريكى  فى   مناطق نفوذهم وخاصة مصر حتى يعطلوا لأطول وقت ظهور الإمبراطورية الأمريكية القادمة لا محالة.
قواعد صعود وأفول الامبراطوريات
لا تتغير قواعد  صعود وأفول الإمبراطوريات وما يدور الآن من صراع بين الولايات المتحدة والصين  يتحرك على نفس القاعدة، إمبراطوريـــــة ترحل الولايات المتحدة ولكنها تحاول منع إمبراطورية أخــــــــــرى الصين من الصعود واحتلال عرش العالم.
يعطى التواجد الأمريكى بشكله العسكرى أو المدنى الكثيف بوجهه التبشيرى، التعليمى، الخيرى، انطباعات بأن غرضه البقاء والاستمرار وأن يحل سريعا بنفوذه وقوته مكان النفوذ القديم لإمبراطوريات ترحل.
تشير الوقائع  لوضع آخر، فكل الحضور الأمريكى فى هذه المرحلة كان يبغى الاستكشاف والمزيد من استكشاف مصر لأجل لحظة تم ترتيب حساباتها فى ذهنية الإمبراطورية القادمة.
تأسست ذهنية الإمبراطورية الأمريكية القادمة الحالية الآن بدرجة كبيرة على قواعد تختلف عما سبقها من إمبراطوريات فهى تسعى إلى الهيمنة الكاملة على الوضع الدولى عسكريا، سياسيا، اقتصاديا وثقافيا من خلال قوتها الناعمة.
تحقق الإمبراطورية الأمريكية هذه الهيمنة الكاملة مع قليل من الاحتلال المباشر الذى لا يفضله صانع القرار فى واشنطن ويضطر لاستخدامه على أضيق الحدود لأسباب خاصة يطول شرحها وتحتاج موضوعا مستقلا بذاته.
يأتى الاستكشاف الأمريكى لمصر حجر زاوية فى خروجها الإمبراطورى للعالم وهى ليست مبالغة  لبيان أهمية مصرــ رغم أن هذه الأهمية أمر مفروغ منه أو شيفونية منا ولكنها حقيقة ارتبطت بأبعاد أعمق فى الوجدان الأمريكى وليس لمصر يد فيها.
منذ لحظة إعلان الاستقلال الأمريكى وتأسيس الولايات المتحدة على يد الأباء المؤسسين بنيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون وجون أدامز وغيرهم كان هناك تأثر شديد بالحضارة المصرية القديمة ودور مصر فى صناعة العالم.
هووس العالم الجديد بالقديم
اختلط التأثربمصر ودورها الفذ فى العالم القديم عند الآباء المؤسسين الأمريكيين بأبعاد دينية وأسطورية وتنظيمية ظهرت فى لغة خطاب المؤسسين ورموز الدولة الناشئة وقتها بمعنى آخر أصبح العالم الجديد مهووسا بالعالم القديم الذى تجسده مصر وحضارتها ذات الحضور الطاغى.
تعطى رحلة استعراض الاستكشاف الأمريكى لمصر إشارات قوية عن عمق المعرفة الأمريكية بمصر عكس ما يتردد بسطحية المعرفة الأمريكية عنا.. والغريب عندما تتبع خيط الترويج لفكرة السطحية تلك تجد انتهاء طرفه الآخر عند الأمريكان أنفسهم.
لا يمثل الترويج الأمريكى مفاجأة..فحسب الذهنية الأمريكية  المبنية على الهيمنة لايوجد سعى للظهور المباشر، وأن حدث فعلى أضيق الحدود وأيضا  ليظل الكثير من بنى جلدتنا متشبثين بعنجهية الجهل فى أنهم يعلمون كل شيء عن إمبراطورية هى الأكثر شراسة فى التاريخ
يصدر الجهلاء صورة خاطئة مؤكدين أنها الإمبراطورية السطحية والمرتبكة فى أفكارها بسبب عدم امتلاكها المعرفة عنا شعبا وحضارة، يسعد صانع القرار الأمريكى بنشاط الجهلاء حتى يعمل علينا دون إزعاج.
مازالت هذه الصورة المروجة تخفى وراءها حجم الاستكشاف الأمريكى لمصروما تمتلكه من معرفة عنا.. ساعدت هذه الصورة المروجة الولايات المتحدة على تنفيذ اللحظة التى تم ترتيب حساباتها بدقة فى ذهنية الإمبراطورية كما قلنا سابقا وارتبطت بأحداث العقدين الأخيرين فى مصر.
أدت الصورة المروجة أيضا لتعطيل إجابتنا عن السؤال الذى طرحناه الأسبوع الماضى هل استكشفنا أنفسنا؟ •



مقالات ايهاب فتحي :

عقل أكتوبر على جبهة أخرى
الذئاب
« بلدى جدا»
قارب النجاة
استكشاف مصر 3 ..مسرح الظلام يستعد
طريق هاليفا كس يقود إلى الخراب
صور ملونة للعقل الأملس
دولة بابا شكرى
مصر فى حربها الكبرى
الحرب على عقل أكتوبر
المصافحة المستحيلة
جهــاز كشـف الإلحـــاد


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

لمصر لا لوزير التعليم

عندما دقت أجراس المدارس فى يومها الأول بطول مصر وعرضها. دقت طبول الحرب المعدة مسبقا . هجوم مكثف منذ اللحظة الأولى على التعليم...

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook