صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

أسرار الضربة الأمريكية لسوريا «التنافس النووى والصراع الإقليمى والاستسلام العربى»

145 مشاهدة

26 ابريل 2018
كتب : جمال طه



الحرب الباردة انتهت بنهاية ثمانينيات القرن الماضى، لكن أنظمة الحرب النووية الأمريكية ظلت على حالها، تأهب وجمود، أدى لتدهور أوضاع منشآتها، وأنظمة وأطقم تشغيلها، ومسئولى الإدارة، وقواعد الإطلاق، ما عرضها لحوادث هزلية؛ ستة صواريخ نووية فُقِدَت إثر وضعها بالخطأ على متن طائرة عبرت الولايات المتحدة من الشرق للغرب فى 36 ساعة، قبل العثور عليها 2007، بعض العاملين أدمن المخدرات، والبعض الآخر تعرض لاختراقات أمنية.. هرمت الترسانة الأمريكية، فى وقت تطورت فيه الترسانات الروسية والصينية والكورية.
الطفرة النووية التى حققتها الصين، عدو أمريكا الأول، أصابت ترامب بالجنون، بكين كشفت منتصف يناير عن قطارات استراتيجية فائقة السرعة، قادرة على الانطلاق بسرعة 400 كم/ساعة، تستخدم لنقل القوات والعتاد الحربى فى زمن قياسى،  وبأحجام ضخمة، كما تحمل الصواريخ النووية الاستراتيجية لتنتقل بها بسرعات عالية لتأمينها ضد الرصد والاستهداف، وتغيير مواقع إطلاقها، مما يمنح الصين ميزة استراتيجية حال توجيه الضربة الأولى، فى الحرب العالمية الثالثة، أو كفالة الردع الفورى حال تلقيها لمثل تلك الضربة.
ترامب كلف البنتاجون بإعداد تقدير موقف للقدرات النووية الأمريكية مقارنة بمنافسيها الرئيسيين، بعد ثمانى سنوات تقاعست خلالها الولايات المتحدة عن القيام بمثل هذا التقدير، مما تسبب فى أن يستغرق عامًا كاملًا، الإدارة الأمريكية نشرته فى 2 فبراير 2018 بعنوان «مراجعة الموقف النووى لعام 2018»، التقدير كشف أن روسيا لديها مزايا كبيرة مقارنة بأمريكا وحلفائها فى مجال صناعة الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، وعكس تغييرًا لأولويات البنتاغون، من محاربة الإرهاب، إلى تعزيز القدرة التنافسية فى مواجهة موسكو وبكين، ودعا لتطوير أسلحة وقدرات نووية جديدة، أهمها إنتاج صواريخ بالستية، وكروز تكتيكية، تنطلق من الغواصات بشحنات وقدرات تفجيرية أقل.. على ضوء هذا التقدير تم إعداد خطة تتكلف قرابة 1,2 تريليون دولار لتحديث القوة النووية خلال السنوات الثلاثين المقبلة.
خبراء الاستراتيجية شككوا فى جدوى العقيدة النووية الاستراتيجية الجديدة، لأنها تزيد مخاطر سوء التقدير، ولیام بیرى وزير الدفاع الأمريكى السابق أكد أن توجیه ضربة استباقیة إلى كوريا الشمالیة بمقتضاها، قد يؤدى إلى حرب نووية طاحنة دون مبرر، لأن النووى الكورى يستهدف تحقيق التوازن والردع، لا قصف واشنطن وطوكيو.. روسيا نددت بالطابع الحربى للعقيدة، ومناهضتها لموسكو، وشددت على رفض مخاطبتها بغطرسة أو من موقع القوة، والصين استنكرتها، واعتبرتها عودة إلى عقلية الحرب الباردة.
رد فعل الصين كان محبطًا لترامب؛حيث كشفت عن أحدث طائرة مقاتلة جديدة متعددة المهام «جى 10 سى»، أسرع من الصوت، تنتمى للجيل الثالث، مزودة بنظام إلكترونى متقدم، والعديد من الأسلحة التى توفر القدرة على ضرب الأهداف البحرية والبرية بدقة، داخل النطاقين القصير والمتوسط.. مجلة The National Interest  الأمريكية أثارت الرعب لترامب، بتأكيدها أن الاستراتيجية الصينية الجديدة تعتمد على إخضاع العدو قبل بدء المعركة، بتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لشل نظامه، الصين فرَّغَت 120 عالما متخصصا فى الذكاء الاصطناعى لإنتاج أنواع جديدة من الأسلحة تحقق هذا الغرض.. شركة «أناليسس مايسن» الاستشارية حللت الخطوات المتخذة فى هذا المجال من جانب عشرة دول، أكدت بعدها أن الصين تتصدر السباق، لنشر شبكة الاتصالات من الجيل الخامس الفائق السرعة متقدمة على كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، ويشكل هذا الجيل مرتكزًا لتطوير القطع الإلكترونية المتصلة بالإنترنت، ومعالجة مليارات البيانات المتعلقة باستخدام المركبات ذاتية القيادة، وغيرها من الاكسسوارات الذكية المستخدمة فى الحياة اليومية، والأهم فى الحروب.
الرد الروسى لم يكن أقل إحباطا للإدارة الأمريكية؛ بوتين كشف فى رسالته السنوية الجديدة إلى الدوما أول مارس، عن امتلاك أسلحة قادرة على صد العدوان، وضرب المعتدى،  منها صاروخ «أفانجارد» الذى يستطيع الوصول إلى أمريكا عبر الطبقة الكثيفة لغلاف الأرض الجوى بسرعة تعادل 20 ضعف سرعة الصوت، وصاروخ كروز وطائرة دون طيار يعملان بالطاقة النووية، وصاروخ نووى جديد من طراز RS-28 Sarmat، يمكن أن يبيد ما يعادل مساحة ولاية تكساس، وينطلق عبر القطب الجنوبى بدلا من الشمالى، ما يعنى فرض حالة نموذجية للمفاجأة تحقق الردع والترهيب.. بوتين أشاد بالعلماء الذين صمموا وأنتجوا ترسانة الأسلحة النووية الحديثة، ووصفهم بـ«أبطال العصر الروسى»، لأنهم جعلوا منظومة الدفاع الصاروخية الأمريكية والغربية، عديمة الجدوى.. الجنرال سام جريفز مدير وكالة الدفاع الصاروخى الأمريكية اعترف لأعضاء مجلس الشيوخ بأن ذلك يثير قلقا بالغا لدى القيادة العسكرية الأمريكية.
رعونة ترامب دفعته لاقتراح توجيه ضربة لسوريا، تكون ردّا على روسيا، وتحقق الدعاية السياسية، والاستعراض النفسى المطلوب لمواجهة المشاكل المترتبة على تسريبات لجنة التحقيق الخاصة بعلاقته بموسكو قبيل انتخابات الرئاسة، وفى الوقت نفسه توجه رسالة حاسمة لبكين وبيونج يانج.. معاونى ترامب انقسموا بشأن الضربة إلى فريقين، الأول: متشدد يقوده جون بولتون مستشار الأمن القومى الجديد الذى اقترح ضربة متسعة متعددة المراحل تستهدف مواقع عسكرية وأخرى ذات تأثير على السلطة فى دمشق بهدف زعزعة نظام الرئيس بشار الأسد، وإحراج الروس، والثانى: يقوده كل من بومبيو وزير الخارجية الجديد، الذى كان يشغل منصب رئيس جهاز المخابرات الأميركية والجنرال ماتيس وزير الدفاع، اللذان شددا على الاكتفاء بضربة محددة، محدودة الأثر، لا تزيد على ساعة زمن، ولا تؤثر على سلامة نظام الرئيس الأسد.. ترامب انحاز لرؤية بومبيو وماتيس، بعد أن حذراه من أن أى توسيع للنطاق الجغرافى للضربة، أو مداها الزمنى يمكن أن يورط واشنطن فى مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران.
الصين ردت على رسالة واشنطن التى تضمنها القصف الأمريكى لسوريا قبل مرور 48 ساعة؛ نظمت عرضا عسكريا كشفت فيه عن أحدث الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية العابرة للقارات، التى دخلت الخدمة مؤخرًا، وأطلقتها فى عرض تجريبى حى من فوق شاحنة عملاقة تأكيدًا لقدراتها العسكرية، وترجح المصادر أنه من طراز DF-26 المتوسط والبعيد المدى، الذى تفوق سرعته سرعة الصوت، والذى ظهر فى نسخته الأولى فى عرض عسكرى 2015، مدى الصاروخ 3 آلاف كيلومتر وهو قادر على تدمير حاملات الطائرات والتحصينات المبنية تحت الأرض.. وللأسف فإن روسيا على النقيض، تضطر لمواءمات تصل حد الخذلان، بسبب وجود قواتها بسوريا، ودخول الأزمة ضمن التوازن الاستراتيجى مع واشنطن؛ تركت الجيش السورى يواجه العدوان بمنظومات دفاع جوى يرجع معظمها الى ثلاثين عاما مضت Osa, S 125, S 200, S 350  ، واكتفت بالتهديد بإعادة بحث تعزيز الدفاعات الجوية السورية بصواريخ اعتراضية حديثة «S 300»، وهى التى عارضت أمريكا تسليمها لسوريا من قبل.
الحرب السورية جزء من الصراع الدولى بين القوى العظمى.. القوى الإقليمية تستخدم كأدوات فى هذا الصراع، مدفوعة بمصلحتها فى التوسع على حساب العرب، كل بقدر كفاءته فى توظيف التوازنات الراهنة لحسابه الخاص، تركيا نجحت فى أن تصبح الحليف الأول للعدوين اللدودين، روسيا وأمريكا، حصلت على موافقتهما على تمددها داخل الأراضى العراقية والسورية، بمبررات تتعلق مرة بالدفاع عن الأقليات التركمانية، وتدريب الأكراد، وأخرى لتحجيم تنظيمات إرهابية كردية!!، تحالف إيران مع روسيا لا يكفل بالضرورة مصالحها، لأن مخاطر صواريخها الباليستية، وجهودها لإنتاج النووى يهددان إسرائيل، ودول المنطقة، ويطرحان احتمال أن يكون خروجها من سوريا جزءًا من تسوية شاملة، خاصة أن روسيا حليف لا يؤمن جانبه، عندما يتعلق الأمر بمصالحه.
العرب تستغرقهم التفاصيل الدقيقة التى تلهيهم عن فهم المواقف والتوازنات الاستراتيجية.. داعش استنزفتهم سنوات، المواجهات الطائفية أثارت بحورًا من الدماء، وتوريث العروش أولوية لدى كل من الملكيات والجمهوريات على حد سواء.. واشنطن بعد أن عجزت عن تفكيك الجيش المصرى، أقوى جيوش المنطقة، وفشل دعمها للانقلاب التركى فى الدفع بنظام أكثر ولاء وطاعة لها فى انقرة، تسعى لدفع جيشيّ الدولتين لصدام يستنزف قواهما، على نحو ما فعلته بين إيران والعراق فى حرب السنوات السبع.. الرهان على صدام يتعلق بمنصات استخراج غاز المتوسط، يبدو أنه فشل، نتيجة تراجع البحرية التركية عن تحرشاتها، بمجرد ظهور القطع البحرية المصرية، ورصانة السياسة المصرية التى تركت التحرشات التركية بقبرص اليونانية ليعالجوها فى إطار حلف الناتو.. أمريكا تسعى لتأسيس كيان سياسى يستوعب الأكراد شرق الفرات، وبالاتفاق مع روسيا أطلقت يد تركيا لإنشاء كيان مقابل غرب الفرات، بامتداد حدودها مع سوريا.. واشنطن وهى تسعى لسحب قواتها من المنطقة، تسعى لأن تحل مكانها قوات عربية، المملكة ابتلعت الطعم، ولكن استراتيجية الأمن القومى المصرى لا تستجيب لمثل تلك الترهات، مصر لا تنزلق لمواجهات، لكنها تختار ساحات وتوقيتات معاركها، فى ضوء تفهمها العميق، للصراعات الدولية والإقليمية المشتعلة حولها.. يا كل من تحمس لحلول قوات عربية مشتركة محل الأمريكية فى سوريا بعد انسحابها، هل تفهمت دوافع الموقف المصري؟ّ!. •



مقالات جمال طه :

المخطط الاستراتيجى القومى للتنمية العمرانية
المشروع الاستراتيجى لتنمية سيناء
المشروع القومى لتنمية محافظات الصعيد
استراتيجية التوسع الزراعى، والمشروع القومى لتحلية المياه 4
الرمال السوداء والذهب.. ثروات مصر الاستراتيجية
كهرباء مصر تضىء الاتحاد الأوروبى وأفريقيا والخليج
الوجه الآخر لباريس
زيارة الرئيس لسلطنة عمان والإمارات.. هل تؤسس لمحور على طريق مواجهاتنا الاستراتيجية؟!


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

لمصر لا لوزير التعليم

عندما دقت أجراس المدارس فى يومها الأول بطول مصر وعرضها. دقت طبول الحرب المعدة مسبقا . هجوم مكثف منذ اللحظة الأولى على التعليم...

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook