صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

دولة بابا شكرى

361 مشاهدة

26 ديسمبر 2017
كتب : ايهاب فتحي



 

عرضت إحدى الفضائيات منذ أيام فيلم «أضواء المدينة» بطولة الرائعة شادية ونخبة من فنانى مصر العظام من إخراج فطين عبدالوهاب، تأليف على الزرقانى وبداخل الفيلم كنز موسيقى قدمه المصرى الموغل فــــــى مصريته بليغ حمدى.

لم يلتفت أحد حتى الآن لهذا الكنز ويعاد تقديمه من جديد فى شكل فنى مبتكر بعيدًا عن النص الدرامى للفيلم التقليدى فى تكوينه.
استوقفتنى فى الفيلم شخصية درامية هى شخصية «بابا شكرى» والتى شخصها المبدع حسن مصطفى، تدور قصة الفيلم حول فرقة موسيقية   فقيرة قادمة من ريف مصر تبحث عن فرصتها فى القاهرة لتنتقل إلى عالم الشهرة، تتكون الفرقة من المغنية الرئيسية شادية وأعضائها من العازفين، أما «بابا شكرى» فهو ليس بعازف أو مغنٍ فهو يتولى الرعاية المالية للفرقة وتنظيم حياتها الإنسانية والتخطيط لكيفية تحقيق هدفها فى    الوصول إلى المجد ولا مانع أيضا من استخدام أسلوب التـآمر للوصول إلى الهدف المنشود.
راعى المواهب
كان «بابا شكرى» هنا هو الراعى للمواهب فى بدايتها حتى تصل إلى بر الأمان دون الحصول على مقابل سوى الشعور بالرضا لإتمام المهمة.
يبدو أن الخلفية الثقافية لأستاذ السيناريو على الزرقانى مؤلف الفيلم جعلته يصيغ هذه الشخصية فى سياق العمل الدرامى فقد بدأ حياته مترجما فهذه الرعاية للفنون أو بمعنى أشمل القوى الناعمة حسب مصطلــــح الأمريكى جوزيف ناى لها أصول فى الحضارة الغربية.
كزمو ميديتشى
تدين الحضارة الأوروبية الحديثة منذ بداية عصر الأنوار إلى «بابا شكرى» إيطالى وهو أسرة ميدتشى الأسرة الغنية ذات النفوذ المالى والسياسى فى فلورنسا وتحديدا  كزمو ميديتشى المؤسس وحفيده لورانزو مديتشى أو لورانزو الرائع كما لقب، قدمت هذه الأسرة الى إيطاليا وأوروبا وللإنسانية بشكل عام هدية النهضة والحداثة على طريقة «بابا شكرى» فهى أنفقت مالها وبسطت نفوذها من أجل حماية القوى الناعمة الممثلة فى الفنون والآداب والعلوم عقل النهضة الحديثة.
روافد النهضة
تتشكل النهضة من روافد عدة وقد تتخذ صورًا متعددة عسكرية توسعية أو إنشائية ولكن أقوى ما فى النهضة هو العقل أو هذه القوى الناعمة ولكن فى نفس الوقت هى الجزء الأضعف فى جسم النهضة والقابل سريعـــا للتلف والموت إذ لم تتوفر له الرعاية والحماية.
يتشابه عمل القوى الناعمة فى جسم النهضة مع وظيفة المخ فى الجسم الإنسانى، فالمخ هو المسيطر على كل وظائف الجسم معطيا الأوامــــر بالتحرك أو التوقف، رغم هذه الأهمية البالغة لهذا العضو فهو الأضعف بيولوجيا فتوقف الأكسجين لدقائق معدودة عنه يعرضه لتلف تام ووفر الخــــــــــالق سبحانه وتعالى أعلى حماية له من خلال عظام الجمجمة المحيطة به.
بابا شكرى الحضارة الإسلامية
عرفت الحضارة الإسلامية «البابا شكرى» بصور متعددة ولعل أبـرز هذه الصور ما تحقق فى الأندلس من نهضة علمية وثقافية وأيضا فى القاهرة وبغداد ودمشق لكن هذه الرعاية دائما ما ارتبطت بالمــــزاج السياسى للسلطة الحاكمة فعندما تكون راضية تبسط الحماية وتمنــــح المال للعلماء والمفكرين والأدباء صناع القوى الناعمة عقل النهضة.
أما إذا غضبت أو انحرف مزاجها السياسى فالتاريخ يحفل بنهايات مفزعة لنفس هؤلاء العلماء والمفكرين والأدباء الذين بسطت عليهم حمايتها أو أعطتهم المال لأن السلطة السياسية رأت أنهم خرجوا عن توجهها فإما أن تبطش بهم بنفسها أو تسلمهم للدهماء يفترسونهم دون رحمة.
لعل هذا الارتباط المتقلب بين القوى الناعمة والسلطة السياسية فى الحضارة الإسلامية ما منع من تكوين تراكم حضارى مستمر، ثم جـاء الظلام العثمانى الذى غطى العالم الإسلامى بأكمله ليقضى على القوى الناعمة فى الحضارة الإسلامية وبالتالى يتآكل مشروع النهضة فى عالمنا لأن العثمانية كانت مجرد توسع عسكرى دون عقل وقائم على استلاب خيرات الآخرين ولعل ما حدث فى مصر بعد هذا الغزو يعطى أوضح مثال.
على الناحية الأخرى فى الغرب كان يشرق عصر الأنوار والاكتشافات الكبرى عن طريق رعاية القوى الناعمة بأسلوب «البابا شكرى» فتحققت النهضة واستمراريتها إلى الآن.
البابا شكرى فى مصر الحديثة
ظهر نموذج «البابا شكرى» فى مصر الحديثة مع البدايات الأولى لتأسيس دولة محمد على فبجانب التوسع العسكرى وحجم التحديث فى كل المجالات الصناعية والبنية التحتية والزراعية وغيرها، اهتم المؤسس بتقديم الرعاية للقوى الناعمة لأجل تكوين عقل للدولة الحديثة التى يبنيها.
لم يبخل المؤسس على هذه القوى بتوفير المال أو الحماية أو الاتصال بالغرب المتقدم حتى تكونت طبقة عقلية قادرة على إعطاء الدولة الناشئة روح النهضة.
بالتأكيد لم يكن الباشا مثل «بابا شكرى» هدفه فقط الرعاية من أجل الرعاية بل ذكائه الفطرى أدرك أن لا نهضة تؤدى لحكم مستقر ومستمر له ولأسرته دون عقل تتكون خلاياه من هذه القوى الناعمة.
عقب الاحتلال الإنجليزى لمصر وتقلص مشروع الحداثة ظهرت نماذج متفرقة من الرعاية للقوى الناعمة على طريقة آل مديتشـى أو «البابا شكرى» الإيطالى سواء من الأسرة العلوية الحاكمة أو أصحاب المشروع الوطنى كطلعت حرب ولكنها لم تبلغ فى أثرها ما وصل إليه الأصــــــــل الإيطالى، أما الدولة الراعى الأول لهذه القوى فقد اختفى دورها بشكل كبير.
بعد ثورة 23 يوليو تحولت الدولة المصرية الحديثة التى أسسها محمد على من النظام الملكى إلى النظام الجمهورى واستقر الحكم لمصر الناصرية واستوعب المشروع الناصرى أهمية رعاية الدولة للقوى الناعمة لتأسيس نهضة جديدة تعيد التواصل ثم إحياء مشروع النهضة الأولى الذى أطلقه محمد على.
البابا شكرى «الحشرى» فى مراحل عديدة
بلغ اهتمام مصر الناصرية بفكرة رعاية الدولة للقوى الناعمة إلى درجة حولت «البابا شكرى» إلى «بابا حشرى» بفتح الحاء ــ فالدولة تدخلت فى كل ما يتعلق بالقوى الناعمة وسيطرت عليه وأممته.
تحول «بابا حشرى» إلى الصحفى والسينمائى والتشكيلى والراقص الأول وفى كل مجالات الإبداع ولا منافس له.
رغم أن شرطًا أساسيًا من شروط الإبداع التنافس الذى يخلق التمايز، فإن «بابا حشرى» اعتبر المنافسة خروج على سلطته، لا أحد ينكر أن هذه الفترة شهدت الإنفاق بسخاء على إنشاء بنية ثقافية من معاهد ومسارح غير حركة النشر ولكنها أديرت بأسلوب مصنع السلعة الواحدة ولا يجوز لأى من العاملين فى المصنع ابتكار نوع جديد حتى تجمدت القوى الناعمة.
فى مصر الساداتية حدث تحول خطير «للبابا شكرى» سواء الدولة أو الطبقات الراعية للقوى الناعمة.
أطلق «البابا شكرى» لحيته وتأخون وتسلف وأصبح العدو الأول للقوى الناعمة واعتبر الفنون والآداب والعلوم رجسًا من عمل الشيطان والإبداع بدعة والبدعة ضلالة تلزم صاحبها النار.. فاحترقت القوى الناعمة.
مرت بعد ذلك على «البابا شكرى» ثلاثة عقود وهو مصاب بالزهايمر لا يعلم من هو وما دوره ولم تعد تعنى له مصطلحات من نوعية القوى الناعمة أو الحداثة أو النهضة أى شىء.
كانت الكارثة الكبرى عندما استغلت قوى الظلام ممثلة فى الجماعة الإرهابية هذه الحالة المزرية التى وصلت إليها رعاية المشــــروع النهضوى وقفزت الى الحكم فى ليلة سوداء.
تنبهت الأمة المصرية للكارثة التى حلت واستطاعت من خلال جهازها المناعى الجيش تحرير الدولة من قوى الظلام، اعتبر هذا التحرير خطوة جبارة للأمام أزالت حالة الرجعية واللاوعى التى تحكمت فى رعاية المشروع النهضوى.
بدأت الدولة بعد تخلصها من قوى الظلام التحرك لاستعادة زمام المبادرة فى إدارة المشروع النهضوى وأهم ما فيه العقل أو القوى الناعمة ولا يمكن أن ننتظر ظهور آل مديتشى لأن من يمتلكون تراكم الثروة فى مجتمعنا لا يمتلكون نفس التراكم من الوعى حول أهمية المشروع النهضوى لحماية وجودهم قبل أى شىء. إلا قليلاً منهم يدركون هذا.
تعطينا التجارب السابقة أن تأميم القوى الناعمة رغم نبل الهدف يؤدى إلى جمود المشروع النهضوى وبالتأكيد لا يمكن ترك المشروع نهبا لقــــوى الظلام.
مع التشكل الحالى لصورة الدولة الجديدة بعد نفاد طاقة صورة دولة محمد على يستلزم الأمر البحث عن صيغ جديدة تكون فيها الدولة راعية لعقـــل المشروع النهضوى أو القوى الناعمة دون إفراط أو تفريط وتصنيع نموذج جديد من «البابا شكرى» يواكب سرعة نمو التطور البشرى المحيط بنا هناك العديد من الأفكار تخدم هذا الطرح المصيرى لكنها تحتاج جولة ومساحة جديدة.



مقالات ايهاب فتحي :

إجابات من زاوية علم الإجرام
عقل أكتوبر على جبهة أخرى
الذئاب
« بلدى جدا»
قارب النجاة
استكشاف مصر 3 ..مسرح الظلام يستعد
أمريكى فى وادى النيل
طريق هاليفا كس يقود إلى الخراب
صور ملونة للعقل الأملس
مصر فى حربها الكبرى
الحرب على عقل أكتوبر
المصافحة المستحيلة
جهــاز كشـف الإلحـــاد


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook