صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

ضحايا الإنجلوساكسون

828 مشاهدة

22 اغسطس 2017
كتب : طارق رضوان



«أيها الفرنسيات والفرنسيون. مات ديجول. فرنسا أرملة».
كان الصوت الحزين الباكى لجورج بومبيدو رئيس وزراء فرنسا. تلحفت البلاد بالحداد. كان اليوم هو التاسع من نوفمبر - تشرين الثانى من عام 77 . كان خريفا حزينا على العالم الحر النبيل. فقد مات حكيم من الحكماء وصانع فرنسا الحديثة ومؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة.

قبل موته بتسعة أعوام. مايو 68 انطلقت مظاهرات الطلبة الشهيرة. وهى مظاهرات عنيفة من صناعة المخابرات المركزية الأمريكية. ظهر مانشيت جريدة اللوموند باللون الأحمر (فرنسا تشعر بالملل) تلميحا واضحا على طول فترة شارل ديجول فى الرئاسة. هنا كان رد ديجول مختصرا حزينا ومحبطا (فرنسا لم تعد تريدني). وأعلن مسبقاً شرطه بأن يبقى رئيساً إذا جاءت الانتخابات بنتائج تزيد على معدل الخمسين فى المئة، وإلا فإنه سيقول للفرنسيين وداعاً، وقد قال وداعا. فلم تكن النتيجة مُرضية لكبرياء ديجول. ذهب إلى بلدته «كولومبية لودو زيجليز» ليعيش بقية عمره.  وهناك فى بيته الريفى، مع زوجته وحيدين، كان زائره وجليسه شبه المداوم، وزير الثقافة فى حكومته الأخيرة أندريه مالرو، ولا أحد سواه، إلا القلائل من أهل العلم المحترمين. وفى أيام الربيع والصيف كان كل يوم أحد يغادر بيته ويمشى بقامته المستقيمة العسكرية على طريق وسط حقل ممتلئ بالأزهار، ينحنى يقطف وروداً وأزهاراً برية يضمها بين أصابعه، ثم يكمل سيره نحو ضريح متواضع، فينحنى ويضع الأزهار على باب الضريح، ثم يتمتم بكلمات وهو يحنى رأسه. ويكتم دمعته. ولا أحد يدرى أكان يبكى على ابنته فقط؛ أم كان بكاؤه لما جرى لفرنسا. لكن على أى حال؛ القائد العسكرى المنتصر لا يبكى.
فى ذلك الضريح كانت ترقد ابنته «آن» التى عاشت عمراً قصيراً مُعاقة، ورحلت. كان ديجول قد أكمل الثمانين من العمر، وقد فُتحت وصيته المكتوبة بخط يده، وفيها جملة وصايا، لا يريد مأتماً رسمياً. ويريد تابوتاً من خشب عادى يصنعه النجار الموجود فى البلدة. وكاهن الرعية فى البلدة هو الذى يؤدى صلاة الجنازة. ولا كلمات رثاء. ويُدفن إلى جانب ابنته آن. وقد نُفّذت وصيته بحذافيرها. مات ديجول وفى صدره غصة ليست من شعبه الذى شعر بالملل. لكن من التحالف الإنجلوساكسون. فقد عاد الجنرال ديجول إلى السلطة عام 1958 وبدأ بتنفيذ برنامج قوى وفقاً لخطة طوارئ لإصلاح بنيوى للاقتصاد الوطنى وضعها مستشاره الاقتصادى روف جاكوس، وتهدف إلى بناء بنية تحتية حديثة وتوسيع الاقتصاد الصناعى والزراعى الفرنسى الذى دمرته الحرب، وإعادة الاستقرار للنظام المالى الوطنى.
وأنشأ (ديجول) قوة نووية فرنسية مستقلة، وأعلن سحب الأسطول الفرنسى فى البحر المتوسط من تحت قيادة حلف الأطلسى. وفى عام 1960 جربت فرنسا بنجاح أول قنبلة نووية فى الصحراء. لقد كان (ديجول) يصوغ خطاً سياسياً مستقلاً لأوروبا القارية الناهضة بعد الحرب، وكانت واحدة من أولى الخطوات التى اتخذها بعد استلامه منصب الرئاسة عام 1958 أنه دعا المستشار الألمانى إيديناور كونراد لزيارته فى منتجعه الخاص فى قرية كلومبية فى سبتمبر 1958. لم يكن ذلك بداية لتقارب سياسى تاريخى بين عدوين أثناء الحرب فقط، بل أيضاً بداية لنشوء صداقة شخصية قوية بين رجلى دولة صلبين. وبلغت هذه العملية ذروتها بعد خمس سنين فى (22) يناير 1963 عندما وقع (ديجول) و(إيديناور) (المعاهدة بين الجمهورية الفرنسية والجمهورية الاتحادية الألمانية) التى ترسم عملية للتعاون الوثيق بين رئيسى الدولتين، وتنسيق مختلف أشكال التعاون الاقتصادى والصناعى بين الجانبين. وكان أن أطلق توقيع هذه المعاهدة جرس الإنذار فى كل من واشنطن ولندن. ذلك أن أوروبا القارية بقيادة (ديجول) و(إيديناور) والإيطالى (ألدو مورو) كانت فى طريقها لتصبح مستقلة أكثر مما تستطيع احتماله بعض الجهات. كما أنه لم يخف على لندن أنه بعد يوم واحد من توقيع الاتفاقية التاريخية أعلنت الحكومة الفرنسية أنها سوف تعترض على قبول طلب بريطانيا دخول السوق الأوروبية المشتركة. وكان موقف (ديجول) بهذا الشأن نتيجة لسنوات من فقدان الثقة بالبواعث البريطانية فيما يتعلق بقيام أوروبا قارية قوية ومستقلة.
وفى بداية عام 1962 صاغت دوائر الساسة المؤثرة فى إدارة الرئيس الأمريكى (كيندى) الرد الذى تقترحه لمواجهة تثبيت أوروبا لاستقلالها عن طرق تزايد التعاون بين (إيديناور) الألمانى و(ديجول) الفرنسى. وتشكل فريق من مستشارى السياسة ضم صاحب النفوذ الدائم كلوى ما، الذى عينه (ترومان) فى منصب المفوض السامى فى ألمانيا. ووزير المالية ديلون دوجلاس. ووكيل وزارة الخارجية جورج بول. ورئيس المخابرات المركزية الأمريكية بوى ربروت. وضع الرد المشار إليه على شكل خطة سُميت آنذاك (الخطة الأطلسية الكبرى). ومع خطاب بلاغى مليء بالتعاطف مع أوروبا الساعية للوحدة وفقاً لأفكار الفرنسى مونتى، كان جوهر سياسة واشنطن أن تفتح السوق المشتركة الأوروبية أبوابها للواردات الأمريكية، وأن تحبس نفسها بداخل تحالف عسكرى أطلسى تقوده كل من واشنطن ولندن. وتطلب خطة واشنطن أيضاً أن تقبل بريطانيا فى عضوية السوق المشتركة الأوروبية المشكلة من ست دول، وهو المطلب المعروف عن (ديجول) أنه يعارضه بشدة. وفى الوقت الذى عُقد فيه اللقاء بين (ديجول) و(إيديناور) عام 1963 كانت سياسة المعارضة الأمريكية قد بلغت ذروة شدتها بالتنسيق مع لندن، ولم تحجم وزارة خارجية الرئيس (كيندى) عن التعبير عن انزعاجها من الاتفاق الألمانى - الفرنسى، وأرسلت التعليمات إلى السفارة الأمريكية فى (بون) كى تمارس أقوى الضغوط على أعضاء مختارين من الحزب الديمقراطى المسيحى بزعامة (إيديناور) ومن الحزب الليبرالى بزعامة ميندى. وأيضاً من الحزب الاشتراكى الديمقراطى المعارض. وقبل يومين من القراءة الرسمية الأولى للمعاهدة الفرنسية - الألمانية فى البرلمان الألمانى بتاريخ 24 أبريل 1963 انتخب إريهارد ليدوج رئيساً لألمانيا خلفاً لـ(إيديناور). وكان معروفاً أن إريهاد معارض قوى لـ(ديجول) ومؤيد لحلف الأطلسى ولدخول بريطانيا عضواً فى السوق الأوروبية المشتركة. هكذا اختطفت المصالح الإنجلو - أمريكية من (إيديناور) فى آخر لحظة ما كان يُعتبر خلاصة عمله السياسى طوال حياته وهو المصادقة على المعاهدة الألمانية - الفرنسية.
بعد هذا، أصبحت المعاهدة الفرنسية، رغم المصادقة عليها، حبراً على ورق. وكان إريهارد يمارس رئاسة ضعيفة على حزب منقسم على نفسه. ولمّا سُئل (ديجول) من قبل الصحفيين فى يوليو 1964 عن مدى تقدم للمعاهدة، رسم صورة قاتمة عن العلاقات الفرنسية - الألمانية قائلاً بمرارة عن علاقاته مع خليفة (إيديناور) ما يلي: «ألا يستطيع المرء أن يقول أن ألمانيا وفرنسا قد وافقتا على انتهاج سياسة مشتركة، كما لا يستطيع أن يجادل فى أن هذا الوضع ناتج عن أن (بون) لم يتكون لديها الاعتقاد حتى الآن بأن هذه السياسة يجب أن تكون أوروبية مستقلة».
خلال أيام من رفض فرنسا الموافقة على المشروع الأمريكى، تحولت فرنسا إلى هدف لأخطر موجة اضطراب سياسى فى فترة ما بعد الحرب. فبعد تحرك الطلاب اليساريين فى جامعة (ستراسبورج)، وقعت فرنسا كلها فى حالة فوضى وركود بفعل شغب الطلاب الذين طالت حركتهم كل أنحاء البلاد. وبالتزامن مع حالة الاضطراب السياسى (التى حاول الحزب الشيوعى إخمادها وهو أمر جدير بالتأمل)، بدأت بيوتات الاستثمار البريطانية والأمريكية تراكضاً مذعوراً على الفرنك الفرنسى زاد أثره بفعل وسائل الإعلام المالية الأنجلو - أمريكية. لقد كان شغب الطلاب فى فرنسا فى مايو 1968 نتيجة لتحرك المصالح المالية الإنجلو - أمريكية ضد ديجول الذى أصر على تحدى تفوقها. وراحت هذه المصالح تستغل القانون الفرنسى الجديد الذى يسمح بتبديل العملة الورقية بالذهب، واستطاعت أن تستنزف 30٪ من مخزون الذهب الفرنسى فى نهاية عام 1968 متسببة بأزمة حقيقة ضخمة للفرنك الفرنسى.
ولسوء الحظ، حقق الهجوم الإنجلو - أمريكى أغراضه. ففى مدى سنة واحدة كان (ديجول) خارج السلطة وضعف صوت فرنسا بشكل ملحوظ.
وفى واحد من آخر اجتماعاته قبل خروجه من السلطة، التقى (ديجول) السفير البريطانى فى فرنسا كريستوفر سومس فى فبراير 1969 وقال له فى استعراض واسع الأفق لسياسة فرنسا فى فترة ما بعد الحرب «إن على أوروبا أن تكون مستقلة فى سياستها»، ولكن موقفها المستقل تعرض للتعطيل بشدة من قبل الشعور المنحاز لأمريكا لدى العديد من الدول الأوروبية وعلى وجه الخصوص بريطانيا. ونجح التحالف الإنجلو - أمريكى فى الإطاحة بأهم رئيس لفرنسا فى تاريخها الحديث لأنه تجرأ ووقف أمام المصالح الأمريكية البريطانية.•



مقالات طارق رضوان :

الاقتصاد الإجرامى
صراع إمبراطورى على الدين
عولمة الإرهاب
الإصلاح الدستورى
السفر إلى المستقبل
العالم يدق طبول الحرب
الرئيس جَبر خَاطر الشعب
الإنسانية تدفع الثمن
افريقيا 2
افريقيا «1»
لقـد حـان وقت الفرز
أديس أبابا – ميونخ – شرم الشيخ مصر عادت لمكانتها
فى التنافسات الرياضية.. الحـــل
البوبجى
المشروع المصرى
المشروع المصرى
تغليف العالم
تدمير الدول
تدمير الدول « 1 »
الرئيس وحده.. رجل العام
اللعب مع الحياة
تلك المرأة
إيمــان الرئيس
البداية من باريس - 2
البداية من باريس
البدايـة من مصر
إحيـــاء الإخوان
التعايش السلمى
عصر جديد مع الصديق الألمانى
غسيل الدماغ
حديث الديمقراطية
موسـكو
لمصر لا لوزير التعليم
النصــر المقدس
الطريق الطويل للأمم المتحدة
خطط الإخوان.. هدم الأمة
أبناء الشمس
الطريق إلى بكين
السادات فى الكونجرس
البحث عن نخبــة
الهوية مصرية
الولاء لمن؟
سلاح الشائعات
إنسـان أكتوبر
ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى
المزايدون على الوطن
يونيو ثورة من أجل الإنسانية
بناء الإنسان المصرى
إيمان الرئيس
تغيير وزارى لدولة قوية
المشروع المصرى
الدولة الجديدة
بعد حلف اليميـن
موســـم الهجـوم على مصر
سبعون عامًا مـن النكبـة
اغتيال الاقتصاد الوطنى
انتصـــار للمستقبل
موعد مع الشمس
نهاية حلم وبداية كابوس
على من نطلق الإعلام
ولاية بناء المستقبل
الانحياز للرئيس انحياز للدولة
البحث عن المستقبل
حين يستيقظ الوحش الأسمر
الفساد
قرار الحرب
سيناء 2018 حرب الأخلاق
إنها الحرب
الطبقة الوسطى
الدولة القوية
الوطنية المصرية أسلوب حياة
لقد حان الوقت
للأقباط شعب يحميهم
كلنا جمال عبد الناصر
وقفة مع النفس
سعودة مصـــر
أمريكا خرجت من اللعبة
خدعة تمكين المرأة
ســنبقى صامدين
فى الشخصية المصرية
ثورة تصحيح فى المملكة
نهش سوريا
ثقافة الإحباط
الخطيب معشوق الجماهير
سلام يا صاحبى
دولــة خلقـت للأبدية
ضحايا الإنجلوساكسون 8 - خوسيه لوبيز بورتيللو - المكسيك
ضحايا الإنجلوساكسون 7 - صدام حسين
دولة الحرب
ضحايا الإنجلوساكسون - 6 - جمال عبدالناصر
ضحايا الإنجلوساكسون 5 - محمد رضا بهلوى
ضحايا الإنجلوساكسون 4 - الدكتور مصدق
ضحايا الإنجلوساكسون
ضحايا الإنجلوساكسون
فض رابعة.. كان لابد
صــراع الإمبراطوريات
الصراع الأمريكى- البريطانى فى قطر
مطلوب أمل
قوة مصر فى العقل
على حافة الهاوىة
فى انتظار مروان
أمريكا ترسم العالم بأصابع من حرير
عندما يكون النضال مدفوعا مقدما
«جونى» يشرب العرقسوس ويأكل الفسيخ والفول.. ويخرب أممًا سفير بدرجة ضابط مخابرات
العلم
سامح شكرى
هجرة شباب الإخوان
النفس الأخير
المخترع الصغير
النفير العام
أمريكا تبيع الإخوان
إسقاط الدولة
بشر وعليوة.. تصحيح ونفى وتأكيد
بشر وعليوة
العائدون من سوريا
الجبهة الإسلامية العالمية
شركاء الإخوان
الصندوق الأسود
علـى شــرف مصــر
حماس إلى الجحيم
انفصال الصعيد
خطة الإخوان للبقاء
أبوالفتوح مرشح رئاسى بدعم الألتراس
الإخوان المسلمون يدمرون تاريخ الإسلام
حنان مفيد فوزى
عبور المحنة بالهجرة
تنصت الإخوان
6 أبريل
نظرة إلى المستقبل
شبح المعونة الأمريكية
لماذا اختار الأمريكان الإخوان؟
الإخوان.. وحرب الاستنزاف!!
لـ«أبو الفتوح» سبع فوائد
البحث عن بديل لرابعة
النفس الأخير
المرشد فى بيت السفير.. والسفيـر فـى بلـده!
ملفات الإخوان(3)
ملفات الإخوان مع الأمريكان «2»
ملفات الإخوان(1)
أحلام الفلول المستحيلة
وقفة مع النفس
للوفد سبع فوائد
صفقات الإخوان!
إعلام الإخوان
مرحلة المؤتمر السادس
سر فى استقالة جاد الله
الصكوك سر تسمم الأزهر
خطوط الدفاع المصرية
السفير الأمريكى فى مصر
ذعــر الإخـــوان
مفيد فوزى.. لكنه هرب
ابتزاز الإخوان
بيزنس الشاطر
مصر البليدة والسودان
صورة طبق الأصل
بورسعيد ستسقط الإخوان بالقاضية
المصريون للإخوان ومصر للأمريكان
فرصة الشيخ العريفى
الشاطر ليس وحده
حساب الشاطر
اقتربت ساعة الإخوان
تعليم الإخوان الابتدائى!
موتوا بغيظكم ..الثورة نجحت


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الاقتصاد الإجرامى

فى عالمنا الشرس. هناك عوالم خفية تتحكم بشكل كبير ومخيف فى مجرَى الأحداث. تندلع حروب وتتفشّى أمراض وتُهدَم دول وتُباد أُمَم وتَ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook