صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

كبير العائلة..

1244 مشاهدة

17 مارس 2015
كتب : زينب صادق



رحل كبار هذه العائلة الكبيرة الواحد وراء الآخر وأصبح (العم حامد) هو الأكبر عمرا. لقد كان ينتظر تأدباً أن يقوم أحد الرجال الكبار الذين رحلوا ليكون كبيرا للعائلة لكنهم لم يفعلوا.. فلماذا لا يحقق أمنيته فى أن يكون هو كبير العائلة؟!..


بدأ (العم حامد) يجمع أرقام تليفونات أسماء الذين يعرفهم والذين لم يعرفهم.. قرر أن يلم شملهم المبعزق ويجعلهم يتزاورون  ويجاملون بعضهم بعضا كما كان يحدث فى الزمن القديم عندما كان عمه كبيرا للعائلة..
 كانت صورة عمه الكبير مسيطرة على أفكاره ومغذية لأمنيته، فقد كان عمه هو العقل المفكر للعائلة.. يذهبون إليه ليحل مشاكلهم. وكان أول من يخطرونه بقرار زواج. وأول من يبلغونه بنبأ وفاة، وكان يجمع أفراد العائلة الكبيرة الأغنياء ومتوسطى الحال فى المناسبات السعيدة والحزينة. يحثهم على زيارة المرضى وحمل الهدايا للوالدات وزيارة قبور موتاهم فى الأعياد.. حقيقة الزمن تغير وأصبح غير زمن عمه الكبير، فمن ناحية تشعبت العائلة بانتسابهم لعائلات أخرى بالزواج.. خرجوا من إطار العائلة إلى إطارات أخرى ولم يعد يجمعهم حفل سعيد أو.. واجب عزاء..
 فقد كان (العم حامد) عندما يسأل أحدا من الذين يعرفهم إذا كان قد  ذهب فرح بنت فلان أو ابنة فلانة. يقول له لم يذهب فلم يدعه أحد والألعن من ذلك أنه عندما كان يتوفى أحد من العائلة ويذهب إلى مكان العزاء يجد نفرا قليلا من الأقارب ويتساءل: هل العزاء أصبح يحتاج لدعوة شخصية!!
لم يكن (العم حامد) غافلا عن التغيير الشديد الذى حدث للناس فى المجتمع خصوصا فى عائلته الكبيرة. فقد أصبحوا منهمكين فى مشاكلهم وملذاتهم وهمومهم فى السعى وراء لقمة العيش، ولم يعد يسأل أحد عن آخر إلا لمصلحة.. فكر (العم حامد) أنه لن يستطيع أن يجمع أفراد العائلة الكبيرة فى حفل زواج مثلا، فالفرح أصبح لا يستطيع الفرد أن يدعو نفسه فيه بعد بدعة إقامة الأفراح بدعوات شخصية فى النوادى والفنادق فلا يستطيع أن يتصرف مثل عمه الكبير بدعوة أفراد العائلة إلى فرح أى فرد منها، حيث كانت الأفراح تقام فى المنازل.. سواء داخلها أو.. على أسطحها.. أو أمامها فى صوان أفراح..
 لكن واجب العزاء شىء لابد من عمله وتذكير الناس به.. وهكذا أخذ على عاتقه أن يكون كبير العائلة بتذكير أفرادها بواجب العزاء عندما يرحل أحدهم..
تخيل (العم حامد) أنه عندما يجمع شملهم فى واجب عزاء سيتبادلون  الكلام ودعوات لزيارات فى بيوتهم وربما يعود الترابط بينهم.. ومنذ اتخذ قراره هذا.. وهو يقرأ بإمعان صفحة الوفيات المشهورة فى الجريدة الصباحية إلى أن وقعت عيناه على اسم متوفى فى فرع من العائلة.. وبدأ مهمته المقدسة!..
 فتح (العم حامد) دفتره الخاص بأرقام تليفونات العائلة ليدعوهم إلى العزاء فى قريبهم هذا.. ويا ليته ما فعل!!
بدأ حديثه لكل من طلبه بالتذكير بنفسه أولا.. (أنا عمك حامد) ثم بالتذكير بالمتوفى وعنوان العزاء.. وضرورة عمل الواجب.. وجاءته الإجابات المحبطة تماما لأمنيته فى أن يكون كبيرا لهذه العائلة يأمرهم فيطيعونه مثلما كان عمه الكبير!!
 من قالت له إنها لا تعرف شيئا عن هذه الأسرة منذ ثلاثين سنة.. ومن قال له إنه لن يذهب لأن المتوفى هذا لم  يعزه فى وفاة والده. ومن قال بلا مبالاة.. كلنا ذاهبون يا عمى.. البقية فى حياتك.. وأنهى المكالمة.. ومن قال إن لديه موعدا مهما بخصوص عمله..
و.. و.. و.. كلها أعذار لم يفهمها (العم حامد) فواجب العزاء لا يقابل بأعذار كما كان يقول عمه الكبير.. وللأمانة وعده بعض من اتصل بهم أنهم سيذهبون وشكروه على تنبيههم.
وكانت تعليقات أبناء العائلة الذين اتصل بهم لا تخلو من السخرية.. من قال لزوجته إن العم حامد قرر أن يكون (حانوتى) ومن قالت لزوجها.. إن الرجل أصابته لوثة الشيخوخة  فقد طلب منها أن تذهب لعزاء ناس لا تعرفهم!..
 ومن اتصلت بأختها قائلة مثلا شعبيا (فى الفرح منسية وفى العزاء مدعية)..
 وذكرتها أن الرجل  قريبهم المتوفى  كان يقيم لأبنائه أفراحهم فى أفخم الفنادق ولم يدعهم والآن (العم حامد) يدعونا لجنازته!
 ضحكت أختها، وقالت: إنها سألت (العم حامد) لماذا يتعب نفسه بتبليغ هذه الرسالة؟!
 فأجابها لأنه هو الآن كبير العائلة!.. قالت الأخرى متعجبة.. (منذ رحيل عمنا الكبير من ثلاثين سنة.. ولم يعد للعائلة كبير.. فلماذا طقّت الفكرة فى مخ العم حامد ؟!)
 أجابتها.. (يا أختى لأن بعض العائلات الكبيرة مازالت تستخدم هذه الوظيفة).. وذكرتها بأسماء عائلات معروفة.
••
 ذهب  (العم حامد) إلى صوان العزاء ولم يجد أحدا ممن حدثهم. لم يجد إلا نفرا قليلا ربما من المقربين للمتوفى، وحتى الموجودين يتسلل الواحد وراء الآخر خارجا.
 وتذكر صوان العزاء زمان.. وقت كان عمه كبيرا لهذه العائلة الملعونة وكيف كان  يمتلئ الصوان بالأقارب والجيران ولا يترك أحد مقعده إلا فى نهاية سهرة العزاء.. وتذكر صوان عزاء عمه الكبير الذى امتلأ بمئات من العائلة والجيران.. كبار وشباب وحتى الأطفال.. وأصحاب محلات الحى الذى كان يسكنه ووجوه كثيرة لم يرها من قبل!..
 شعر (العم حامد) بحزن غاضب ليس فقط لأنه فشل فى أول تجربة ليكون كبيرا للعائلة.. بل لأنه أيضا تخيل صوان عزائه الخالى من المعزين.. وقرر أن يوصى بعدم إقامة صوان عزاء له.. وهز رأسه بأسى وهو يقول بصوت مرتفع (لا حول ولا قوة إلا بالله)
••
 رحم الله (العم حامد) فقد كانت أمنيته فى زمن قبل انتشار الرسائل على التليفونات (المحمولة) سواء بالعزاء فى وفاة.. أو بالتهنئة لزفاف.. ولم يعد لأى عائلة كبيرة (كبير). •



مقالات زينب صادق :

خدمة وطنية
جزء من قلب مصر
رسالة إلى امرأة..
ليلة الاستاكوزا
نسمات البحر الليلية


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

عصر جديد مع الصديق الألمانى

لمصر مكانة خاصة ووضع استثنائى. وضع تاريخى وجغرافى وجيوسياسى. هى كما قال عنها نابليون بونابرت أهم دولة فى العالم. لذلك فكل دولة..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook