صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

المقالات

ليلة الاستاكوزا

1093 مشاهدة

30 سبتمبر 2014
كتب : زينب صادق



قبل أن نحكى هذه الحكاية نعرف شيئاً عن بطلتها من كتاب «أسرار البحر» للكاتب «رجب سعد السيد» فى مقالة عنها «الإستاكوزا.. أسرار العنف والحب» يبدأ مقاله: «الإستاكوزا اسم له رنينه الخاص فى معظم سواحل العالم، يدل على مجموعة من القشريات البحرية التى تشتهر فى معظم البلاد العربية بأسماء مختلفة منها «الكركند» و«عقرب الماء».. وإذا ورد اسمها فى حديث ارتسمت الابتسامات على الشفاه وتناقلت الألسن كلمات مثل القوة والنشاط والحيوية.

• البحث عن السر
يقول الكاتب إنه حاول منذ سنوات طويلة أن يتحقق لدى العلماء وليس فى المطاعم عن صدق المقولات والوصفات الشعبية المرتبطة بالإستاكوزا، فلم يجد أبحاثاً علمية متصلة بهذا الموضوع مباشرة تؤكد أو تنفى الخبرة الشعبية بأسرار الإستاكوزا، إلى أن قادته المصادفة إلى صورة لنقوش جدارية فى معبد الدير البحرى بجنوب مصر، فوجد الفنان المصرى القديم نقش رسماً واضحاً للإستاكوزا على جدران ذلك المعبد، مما يؤكد أن تلك الخبرة الشعبية بالقدرة التنشيطية للإستاكوزا ليست وليدة عصرنا وإلا ما اهتم الفنان القديم بتسجيل خبرته نقشاً.
ولأن الكاتب «رجب سعد السيد» قد درس فى كلية علوم جامعة الإسكندرية كيمياء وعلوم البحار، ولأنه من المتخصصين العلميين فى المعهد القومى لعلوم البحار ولأنه أديب أيضاً.. فقد اهتم بكشف الستار عن أسرار الإستاكوزا، وقام بأبحاث عنها وموطنها الأصلى واكتشافها خلال علماء جامعة ولاية كاليفورنيا وولاية ماساشوسيتس.. الأمريكيتين.
• صيحات الحرب.. ونداءات الحب
من الأبحاث التى كتب عنها العلماء فى أمريكا أنهم قاموا بعمل الدراسات العصبية بمساعدة الإستاكوزا ليتعرفوا على الدوافع وراء بعض المشاعر والسلوكيات الآدمية مثل الحب والعنف، وقد وجدوا أن الإستاكوزا الأمريكانى أفضل الكائنات التى يمكن أن تقوم بهذا الدور، لقدرتها على بلوغ منتهى العنف فى سلوكها العدوانى إلى بساطة تكوين جهازها العصبى!! تجارب كثيرة قاموا بها.. وبشرحها.. منها ألوانها المختلفة فى البحار البعيدة وتأثير البروتين فى ذلك، ونظرية تثبت أن الإستاكوزا تتبادل التفاهم فيما بينها عن طريق رسائل كيميائية يحملها بولها ورائحة أجسادها وتستقبلها ملايين الشعيرات التى تغطى جسم الإستاكوزا الأمريكية، وبناء على تلك الرسائل الكيميائية الهرمونية تستجيب لنداءات الحب أو صيحات الحرب.. فإذا وصل مضمون الرسالة.. تكفلت العينات بمراقبة ومتابعة تحركات الحبيب أو تحرشات الخصم فقد تحددت المواقف والنوايا.. ولا ينسى الباحث الكاتب «رجب سعد السيد» أن يشير إلى أن وجبة الإستاكوزا ثمنها مرتفع فى معظم بلاد العالم وأن بعض المطاعم الفاخرة تشير إليها على أنها طعام الملوك والمليونيرات.. ونعتقد ربما لأنها لا تعيش فى أى بحار إلا فى بيئة بحرية معينة كما وصف لنا الباحث، وربما أيضا للقيمة الغذائية فيها.. أو لندرتها.. وفى نهاية مقاله يخبرنا أن البحث العلمى مازال مستمرا ليفسر من خلال الإستاكوزا لماذا يتحول البشر دون سبب ظاهرى واضح أحياناً إلى العنف.. ولماذا فينا.. أو خارجنا يصيبنا بتلك الحالة الشائعة التى نسميها الحب!.
• ليلة الإستاكوزا
تذكرت تلك الليلة عندما كانت جالسة مع زوجها على شاطئ البحر فى آخر الصيف.. وجاءهما عامل من مطعم الفندق ليقدم لهما طلبهما من المشروبات وسأله الزوج عن طعام العشاء فأخبره أنه «بوفيه مفتوح» لأطعمة بحرية ما عدا طعام واحد بحرى بالطلب وبحساب خاص، ولما سأله الزوج ما هو؟! قال بابتسامة «الإستاكوزا».. كاد الزوج أن يطلبها بالحجز وقالت الزوجة إنها تحب الأسماك ونظرت إلى الزوج قائلة إن عمرهما الآن لا يتحمل المكونات العجيبة لقشريات البحر!.. ضحك الزوج وألغى طلبه.. مر عليهما صديق للزوج وسأله أن يتمشى معه فاستأذن من زوجته وسار معه.
نظرت الزوجة إلى البحر وتذكرت تلك الليلة البعيدة التى أطلقت عليها ليلة الإستاكوزا.. وكانت ليلة رأس السنة لبداية السنة الثامنة من زواجهما.. اقترح الزوج الاحتفال بتلك الليلة وحدهما، فهما منذ زواجهما وهما منشغلان بأعمالهما وإثبات قدراتها العملية وزيادة الدخل.. وكل سهراتهما مع الأصدقاء والأقارب فلن تكون الليلة مختلفة، واقترح أن يذهبا إلى فندق عريق فى مدينة الإسكندرية، توجست من الفكرة، فمن معلوماتها الثقافية تعلم أن الزواج فى السنة السابعة تصيبه «هرشة» من عدم التوافق، الملل، الندم، إما أن يتصالح الزوجان أو ينفصلا. كل منهما يحترم عمل الآخر ويقدره.. كل منهما يحترم صمت الآخر ويتحمله، كل منهما لم يسأل الآخر لماذا لم ينجبا مع أنهما لم يتعمدا ذلك.. وقد استجابا بهدوء لنصيحة صديق لهما لزيارة طبيب كبير.
توجست من فكرة السفر ومع ذلك رحبت بها وربما يريد زوجها التفاهم بهدوء لإنهاء علاقتهما.. ليكن.. هى أيضاً تفضل إنهاءها.. مساء تلك الليلة ارتدى كل منهما ملابس تليق بالسهرة واعتقدت أنهما سيسهران مع أغراب فى قاعة احتفالات الفندق.. لكنها فوجئت بطرقات على باب الغرفة، فتح زوجها وجدت عاملا بملابس أنيقة يدفع أمامه منضدة بعجلات فوقها أطباق طعام مغطاة.. وزهور.. وشموع.. دفع العامل المنضدة إلى جوار النافذة المغلقة المطلة على البحر بين مقعدين.. أمام دهشتها انحنى العامل مبتسماً وقال لها ليلة جميلة وعاماً سعيداً.. وخرج.
رد الزوج على نظرتها المتسائلة بقوله إنها وافقت على أن يسهرا وحدهما..
أشعل الزوج الشموع، وأزاح غطاء الطبق الرئيسى فإذا بها تجد إستاكوزا كبيرة مطهوة بعناية ومزوقة!.. ومن معلوماتها الثقافية تعلم عن أنواع سرطانات البحر وشاهدت صورها فى مجلات علمية لكنها لم تعلم شيئاً عن سر الإستاكوزا.. هذا الذى عرفته فيما بعد تلك الليلة عندما أخبرها زوجها أنهما فى زيارتهما الأخيرة للطبيب الكبير بعد أن شاهد التحليلات التى طلبها منهما لمعرفة عدم إنجابهما.. وبعد فحوصات متعددة قام بها.. أخبرهما بسلامتهما تماماً.. وكتب لهما بعض الفيتامينات الخاصة لكل منهما، نصحهما بعدم التوتر.. وهمس فى أذن الزوج بليلة رومانسية بعيدة عن روتين حياتهم.. وطعام الإستاكوزا فلم يكن فى ذلك الزمن ما يقوم به الطب الحديث فى مسألة الإخصاب بين الزوجين.
تناولا طعام الإستاكوزا بشهية على ضوء الشموع والموسيقى المرحة من مذياع الفندق فى الحجرة، بدأ حديثهما هادئاً بذكريات أيام الخطوبة ورحلة شهر العسل فى هذه المدينة الساحلية، ثم تدرج ليصبح أكثر انفعالا بتأثير مكونات هذا الطعام.. تحدثت هى عن أخطاء فعلها زوجها ومازال يفعلها ويضايقها.. وتحدث هو بالمثل تبادلا الاتهامات بعدم عناية كل منهما بالآخر وبأشياء لم يكن أحدهما يلتفت لها.. لولا ثقافتهما وأخلاقهما الراقية لانطلقت حيويتهما العدائية المفاجئة إلى الضرب والبهدلة..
فجأة توقف شجارهما على صوت من مذياع الفندق يعلن عن انتهاء العام والأمنيات الطيبة للعام الجديد وموسيقى مؤثرة لوداع عام واستقبال آخر.. تبادل الزوجان النظرات بدهشة كأنهما فوجئا بهذا الحدث.. وتبدلت نظرات العداء إلى نظرات الحب!. قامت الزوجة انحنت قليلاً لتطفئ الشموع.. قام الزوج ليساعدها فى إطفائها.. لم ينتظر أحدهما أن يبدأ الآخر بقول.. كل سنة وأنت طيب.. قالاها معاً..لم ينتظر أحدهما أن يضم الآخر فى قبلة.. قاما بها معاً.. لاحظا بداية سقوط المطر على زجاج النافذة، جلسا متلاصقين على مقعد واحد ينظران إلى البحر خلال الأضواء المنعكسة عليه والمطر الذى بدأ يحرك أمواجه.. وانقلب عنف العداء إلى عنف العاطفة إنها ليلة لا ينساها كلاهما.. كانا يتذكراها على مر السنين فى مشاهدة ابنهما الأول وهو يستمتع بتناول طعام سرطانات البحر بينما الثانى لا يفضلها..! •



مقالات زينب صادق :

خدمة وطنية
جزء من قلب مصر
كبير العائلة..
رسالة إلى امرأة..
نسمات البحر الليلية


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

عصر جديد مع الصديق الألمانى

لمصر مكانة خاصة ووضع استثنائى. وضع تاريخى وجغرافى وجيوسياسى. هى كما قال عنها نابليون بونابرت أهم دولة فى العالم. لذلك فكل دولة..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook